أوزين في مواجهة «إعلام التفاهة»: مقال ناري يفتح دفاتر المسكوت عنه
بقلم: عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في زمن تتراجع فيه قيمة النقاش السياسي الجاد أمام صعود الإثارة، والتشهير، والشخصنة، وسباق الاستقطاب، اختار محمد أوزين أن يرد بطريقته الخاصة: مقال ناري، مباشر، وساخط، يفتح دفاتر ظل كثيرون يفضلون إبقاءها مغلقة.
بعنوان «هلوسات هبنقة»، لم يكتب أوزين نصا عاديا للرد على خصم إعلامي، بل اختار أن يحول المواجهة من مجرد سجال عابر إلى سؤال أوسع يتعلق بصورة الإعلام، وحدود الممارسة الصحفية، واستعمال المنابر الإعلامية في تصفية الحسابات السياسية والشخصية.
قد يختلف القارئ مع لغة المقال، وقد يرى البعض أن نبرته حادة أكثر مما ينبغي، لكن من الصعب إنكار أن أوزين اختار المواجهة بدل الصمت، وأنه وضع أمام الرأي العام جملة من الأسئلة التي تستحق النقاش.
والسؤال هنا ليس فقط: لماذا يرد أوزين؟
بل:
لماذا أصبح الرد السياسي اليوم يختزل في كثير من الأحيان في حرب شخصية، بدل أن يتحول إلى نقاش حول القضايا التي تهم المجتمع؟
أوزين، في مقاله، يحاول أن يقول إن المعركة ليست مع شخص بعينه، وإنما مع نمط من الممارسة الإعلامية والسياسية التي يرى أنها تستعمل الإثارة والتشهير والضغط بدل الحجة والمعلومة والنقاش العمومي.
ومن هنا تأتي أهمية تعبير «إعلام التفاهة» الذي يضعه المقال في قلب المواجهة.
فالإعلام، في أي مجتمع ديمقراطي، لا يقوم دوره على صناعة الضجيج فقط، ولا على تحويل الحياة الخاصة للسياسيين إلى مادة دائمة للاستهلاك، ولا على مطاردة «البوز» بأي ثمن.
الإعلام الجاد هو الذي يسائل السلطة، ويفتح الملفات، ويكشف الاختلالات، ولكنه يفعل ذلك أيضا بالوثيقة، وبالمهنية، وباحترام قواعد المهنة، وبالتمييز بين النقد والتشهير، وبين التحقيق الصحفي وتصفية الحسابات.
وهنا تحديدا تكمن أهمية النقاش الذي أثاره أوزين.
فإذا كان من حق الصحافة أن تسائل السياسيين، فمن حق السياسي أيضا أن يسائل الصحافة عندما يشعر أن المنبر الإعلامي تحول إلى طرف في الصراع، أو عندما يرى أن النقد تجاوز حدود النقاش السياسي إلى الاستهداف الشخصي.
هذه العلاقة المتوترة بين السياسة والإعلام ليست قضية مغربية فقط؛ إنها من أكثر القضايا حساسية في الديمقراطيات الحديثة.
فالصحافة تحتاج إلى استقلاليتها حتى تستطيع مراقبة السياسيين، والسياسيون يحتاجون إلى فضاء إعلامي مهني حتى يستطيعوا عرض مواقفهم ومشاريعهم أمام المواطنين.
وعندما يفقد أحد الطرفين الثقة في الآخر، تتحول العلاقة إلى صراع مفتوح.
وهذا بالضبط ما يجعل مقال أوزين جديرا بالقراءة والنقاش.
فهو لا يكتفي بالرد على ما يعتبره استهدافا، وإنما يطرح أسئلة حول الريع الإعلامي، والابتزاز، ومصادر التمويل، واستعمال النفوذ، وحدود المسؤولية الإعلامية.
وهذه كلها قضايا لا ينبغي أن تخيف أحدا.
بل على العكس.
في مجتمع يريد أن يبني ديمقراطية قوية، يجب أن تكون الأسئلة الصعبة قابلة للطرح، وأن تكون المؤسسات والإعلام والسياسيون جميعا تحت مجهر المساءلة.
لكن المساءلة الحقيقية تقتضي أيضا قاعدة أساسية:
الدليل مقابل الدليل، والحجة مقابل الحجة، والوثيقة مقابل الوثيقة.
فلا يجوز أن تتحول حرية التعبير إلى حصانة من المسؤولية، كما لا يجوز أن تتحول القوة السياسية إلى وسيلة لإسكات النقد.
ومن هذه الزاوية، فإن قوة مقال أوزين لا ينبغي أن تُقاس فقط بحدة عباراته، وإنما بما يفتحه من نقاش حول طبيعة المشهد الإعلامي والسياسي الذي نعيش فيه.
لقد اختار أوزين أن يضع خصمه أمام الرأي العام، وأن يقول له بوضوح: إذا كانت لديك ملفات، فلتكن المواجهة علنية، وإذا كانت لديك وثائق، فلتوضع على الطاولة، وإذا كان الخلاف سياسيا أو إعلاميا، فليكن النقاش أمام المواطنين.
إنها، في جوهرها، دعوة إلى مناظرة مفتوحة.
والمناظرة، في السياسة الديمقراطية، أفضل من حرب التسريبات، وأفضل من الحملات المجهولة، وأفضل من صناعة الشائعات، وأفضل من تحويل وسائل الإعلام إلى ساحات لتبادل الضربات.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في خطاب أوزين هو انتقاله من الدفاع عن الذات إلى مهاجمة ما يعتبره منظومة كاملة من الرداءة الإعلامية والسياسية.
فهو لا يتحدث فقط عن مقال أو صورة أو تدوينة، وإنما يضع أمام القارئ سؤالا أكبر:
من يستفيد من تحويل النقاش السياسي إلى تفاهة دائمة؟
ومن يستفيد من إغراق الرأي العام في التفاصيل الشخصية، بينما تختفي القضايا الحقيقية المتعلقة بالاقتصاد، والتعليم، والصحة، والشغل، والتنمية، والحريات والمؤسسات؟
السياسة ليست حفلا دائما من الفضائح.
والصحافة ليست منصة دائمة لتصفية الحسابات.
والنقاش العمومي لا يمكن أن يبنى على الإشاعة وحدها.
لذلك، فإن مواجهة ما يسميه أوزين «إعلام التفاهة» لا ينبغي أن تكون معركة ضد الإعلام في حد ذاته، وإنما دفاعا عن الإعلام المهني الذي يحترم ذكاء المواطن ويضع المعلومة فوق الإثارة.
كما أن الدفاع عن السياسيين لا يعني إعفاءهم من المساءلة.
فالسياسي، أيا كان موقعه، يجب أن يكون قابلا للنقد.
لكن النقد السياسي شيء، وتحويل كل نقاش إلى اغتيال معنوي شيء آخر.
وفي هذا السياق، يبدو مقال أوزين أقرب إلى إعلان مواجهة منه إلى مجرد رد صحفي.
إعلان يقول إن مرحلة الصمت ربما انتهت، وإن الملفات التي تستعمل في السجالات السياسية والإعلامية ينبغي أن توضع، إن كانت صحيحة، أمام المؤسسات والوثائق والقانون، لا أن تبقى مجرد مادة للتهديد والتلميح والابتزاز الإعلامي.
وهنا تبرز مسؤولية القارئ أيضا.
فليس المطلوب أن يصدق أوزين لمجرد أنه أوزين، كما ليس مطلوبا أن يصدق خصومه لمجرد أنهم يمتلكون منبرا إعلاميا.
المطلوب هو شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
أن نقرأ، ونقارن، ونسأل، ونطلب الدليل.
تلك هي روح الديمقراطية.
ومن هنا، فإن مقال «هلوسات هبنقة» يستحق أن يقرأ لا باعتباره مجرد مشادة كلامية، وإنما باعتباره وثيقة من وثائق السجال السياسي والإعلامي الذي تعرفه الساحة المغربية اليوم.
قد تكون بعض عباراته قاسية.
وقد تكون بعض مواقفه قابلة للنقاش.
لكن قيمته الأساسية أنه يرفض أن يبقى النقاش في الظلام، ويدعو، بصوت مرتفع، إلى المواجهة العلنية.
وفي نهاية المطاف، فإن الحكم لا ينبغي أن يكون للضجيج، ولا للمنشورات، ولا للعناوين المثيرة.
الحكم للرأي العام، وللمؤسسات، وللقانون، وللوقائع.
ولهذا، وحتى لا نختزل كلام محمد أوزين في قراءة أو تأويل، نضع مقاله كما كتبه أمام القارئ، ليقرأه بنفسه، ويكوّن موقفه، ويحكم على حججه ولغته ورسائله.
النص الكامل لمحمد أوزين: «هلوسات هبنقة»
هلوسات هَبَنَّقَة
أخباره غير السارة يتم تناقلها أولا بأول حتى من طرف من ورطهم في موقع التفاهة الذي أفسد أخلاق العباد وشوه صورة البلاد.
ولأن البلايا تأتي تباعا على من تأبط شرا، فإنه فقد البوصلة وأصبح يخبط خبط عشواء، جاعلا محمد أوزين شماعة يعلق عليها فشل مخططاته في الهيمنة والاستحواذ على مقدرات الحقل الإعلامي الوطني، معترفا بذلك أن أوزين دق آخر المسامير في نعش منبر ماسخ وممسوخ.
ولأنه لم يأخذ الحقنة في وقتها، ازدادت كراهيته وحساسيته لكل ما هو نظيف ماء كان أم “كراطة”، ازدادت حدة السعار الذي تسرب إلى ما تبقى لديه من مخيح، وكانت الأعراض هلوسات فراقشي الإعلام الكبير الذي لفظته المهنة ووجد بونجاته العفنة القذرة خارج سياق المجلس الوطني للصحافة، في انتظار أن تلفظه الجمعية التي تسلل اليها خلسة أمام زهدوعفاف الكفاءات الإعلامية الرصينة والأقلام الصحفية المقتدرة في المناصب.
كل يوم يمر إلا ويتقد سعاره وحقده الدفين على الوطن والمؤسسات حيث أدمن على الابتزاز والمساومة وكان ثمن ذلك الحكم عليه بسنة سجنا بعد ان أخل بالاحترام الواجب لجلالة الملك حفظه الله، حيث روج لأخبار زائفة حول صحة جلالته. فكيف لرويبضةكهذا المخلوق أن يحترم الوطن والمواطنين إلا إذا وجد ريعه فيه وتسرطنه في شرايينه.
ولعل آخر شطحاته، كما عادته، صورة قديمة لولي العهد الأمير المحبوب مولاي الحسن، في صبيحة رياضية محاولا، بالتلفيق، جعلها متزامنة مع هجرة الشباب إلى المدينتين المحتلتين.
فأي قلم هذا وأي اجندة يخدمها هذا المرتزق.
اشتد سعاره ليهاجم السياسيين ويشكك في الانتخابات في عز سياقها، ونشره لصور سياسيين في استقبالات فلكلورية قديمة وجديدة ليوهم كأمثاله من تجار المآسي واللاهثين وراء وهم البوز والأدسانس واللايكات. إنها أجندة تقويض المؤسسات عوض زرع بذور الامل والتطلع والطموح.
فترى هل يستحق هذا الصوت النشاز فلسا واحدا من أموال دافعي الضرائب الذي كان يتقاضاها سنويا في حدود المليار، ناهيك عن المساومة والابتزاز! وإلا كيف أصبح من أكبر منتجي الأفلام والمسلسلات. ومن أين له التمويل؟
ما يجعلك ترتعد، يا كبير فراقشية الإعلام، هو فضح الريع الذي جففت منابعه، وإلا كيف تهاب المواجهة. إنها الرداءة عندما تتزاوج مع الجبن.
اخرج في مناظرة لننهي النقاش وتنجلي الحقيقة. ونترك الحكم للمغاربة يا دونكشوط الإعلاميين. ان تبقت لك ذرة من النخوة والشهامة التي لن ولم تمتلكهما يوما.
وعوض إثارة المواضيع الجادة، وأمام عوز الحيلة وفقدان البوصلة، لا تجد أمامك إلا شقة أوزين وقرض أوزين ومرآب أوزين وحماة أوزين وبعدها في أتفه مظاهر التيه والتشرذم “كاتي” و”فاتي” و”نانسي”. اجبد ما عندك وما تقصرش! لقيتيني مشغول. غير نسالي ليك كنواعدك أن عيونك لن تعرف النوم لأسابيع، لأنني سأفضحك فعلا صوتا وصورة وبالمكشوف ما دمت تفضل هذه اللعبة.
ففضائحك الذي يعرفها القاصي والداني مع القاصرين قبل الراشدين والليالي الحمراء في فيلا بوسكورة الفارهة، في بدايتها، ناهيك عن حكايتها وطرق الحصول عليها، دون الحديث عن حكايات فيلا أنفا التي ليست خافية عن أحد. فماذا كان رأي سهام مكوار فيما جرى وصار في الدوار؟
المغاربة لا تهمهم تفاهتك. ما يهم المغاربة من أين لك ما تملك اليوم: المقاولة “الإعلامية” الريعية التي امتصت جيوب المغاربة، الإنتاج السنيمائي الدسم الذي أصبحت من دهاقنته اليوم. كل هذا وأنت تتلذذ وتقتات على وجع المواطنين بالتسمسير والتهديد واختلاق الفضيحة.
وعلى قول الشاعر عمرو ابن كلثوم أقول: أبا وائل فلا تعجل علينا …وأنظرنا نخبرك اليقينا.
(يتبع)