رجل السياسة أم رجل الدولة؟ الفرق الذي يصنع مستقبل الأوطان

0

افتتاحية السباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في السياسة، قد يبدو الفرق بين رجل السياسة ورجل الدولة مجرد اختلاف في التسمية، غير أن هذا الفرق في جوهره يتجاوز الأشخاص والمناصب ليصل إلى طبيعة العلاقة التي تربط السياسي بالسلطة وبالدولة وبالمجتمع. فكلاهما قد يصل إلى موقع القرار عبر الانتخابات، وكلاهما قد يتحدث باسم المواطنين، وكلاهما قد يملك طموحا سياسيا، لكن الفارق الحقيقي لا يظهر عند لحظة الوصول إلى السلطة، وإنما يظهر في الطريقة التي ينظر بها صاحب القرار إلى هذه السلطة: هل يعتبرها امتيازا شخصيا يحقق من خلاله حضوره ونفوذه، أم يعتبرها مسؤولية مؤقتة وأمانة تفرض عليه أن يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية والحزبية والانتخابية؟

إن رجل السياسة، في كثير من الأحيان، يتحرك داخل منطق الحاضر؛ يفكر في الانتخابات المقبلة، وفي موازين القوى، وفي شعبية القرارات، وفي ردود فعل الناخبين، وفي التحالفات التي يمكن أن تمنحه موقعا أقوى. وهذا جزء طبيعي من الممارسة السياسية في الأنظمة الديمقراطية، لأن السياسة تقوم بطبيعتها على التنافس وعلى محاولة كسب ثقة المواطنين. غير أن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا المنطق الانتخابي هو المحدد الوحيد للقرار، وعندما يصبح المسؤول أسيرا لحسابات الاستحقاق المقبل، فيتجنب القرار الضروري لأنه قد يكون غير شعبي، أو يؤجل الإصلاح لأنه قد يسبب له كلفة سياسية، أو يفضل الحل السهل والسريع لأنه يضمن له رواجا مؤقتا، حتى وإن كان يعلم أن الدولة ستدفع ثمن ذلك على المدى البعيد.

أما رجل الدولة، فإنه ينظر إلى السلطة من زاوية مختلفة؛ فهو لا يسأل فقط عما سيكسبه القرار في الحاضر، وإنما يسأل أيضا عما سيتركه هذا القرار للمستقبل. ولذلك قد يضطر إلى اتخاذ قرارات صعبة، أو مواجهة انتقادات واسعة، أو تحمل كلفة سياسية مؤقتة، لأنه ينطلق من قناعة بأن مسؤولية الدولة لا يمكن أن تخضع دائما لمزاج اللحظة الانتخابية. فرجل الدولة يدرك أن الحكومات تتغير، والأغلبيات تتبدل، والأحزاب تتعاقب، لكن الدولة تستمر، وأن القرارات التي تتخذ اليوم قد تكون آثارها ممتدة لعشر سنوات أو عشرين سنة، ولذلك فإن معيار نجاح القرار بالنسبة إليه لا يرتبط فقط بمدى شعبيته في الحاضر، وإنما بمدى قدرته على خدمة المصلحة العامة في المستقبل.

ومن هنا، فإن الفرق بين رجل السياسة ورجل الدولة يرتبط في جانب أساسي منه بمفهوم الاستمرارية المؤسساتية. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تبنى على الأشخاص، ولا أن ترتبط بمزاج الحكومات المتعاقبة، وإنما تقوم على مؤسسات قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الأسماء والمواقع. ومن منظور القانون الدستوري، فإن الحكومة ليست ملكا لرئيسها، والبرلمان ليس ملكا لأغلبيته، والإدارة ليست ملكا للمسؤول الذي يوجد على رأسها، وإنما جميعها مؤسسات تؤدي وظائف عامة في إطار الدستور والقانون. والمسؤول، مهما كانت قوة موقعه، لا يمارس سلطة شخصية، وإنما يمارس اختصاصا عاما ومؤقتا، وهو ما يجعل ربط السلطة بالمسؤولية والمساءلة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الدستورية.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية هو أن يبدأ المسؤول في الخلط بين شخصه والمؤسسة التي يمثلها، أو بين الحزب والدولة، أو بين الأغلبية والمصلحة العامة. فعندما يصبح الحفاظ على المنصب أهم من الحفاظ على المؤسسة، وعندما يتحول الدفاع عن الصورة السياسية إلى أولوية تتقدم على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، فإننا ننتقل من منطق ممارسة السلطة إلى منطق حماية السلطة. وهنا تحديدا تظهر أهمية الثقافة السياسية التي يمتلكها المسؤول؛ لأن رجل الدولة لا يعتبر النقد تهديدا لشخصه، ولا يعتبر المعارضة عداء للدولة، ولا يرى الرقابة المؤسساتية عرقلة لعمله، وإنما يدرك أن المؤسسات القوية هي التي تسمح بتصحيح الأخطاء وتحمي الدولة من تحول السلطة إلى مجال مغلق لا يقبل المراجعة.

والسياسة، في هذا السياق، لا يمكن أن تختزل في الانتخابات وحدها. فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تمنح الكفاءة تلقائيا، ولا تجعل كل من يفوز بالصندوق قادرا بالضرورة على إدارة مؤسسة أو صياغة سياسة عمومية أو التعامل مع ملفات اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية معقدة. ولذلك فإن جودة الديمقراطية لا تقاس فقط بسلامة العملية الانتخابية، وإنما أيضا بجودة النخب التي تنتجها هذه العملية. وهنا تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية تاريخية في تكوين النخب وتأهيلها، لأن الحزب الذي يتحول إلى مجرد آلة انتخابية لجمع الأصوات قد ينجح في الوصول إلى السلطة، لكنه قد يفشل في إنتاج رجال ونساء قادرين على تحمل مسؤولية الدولة.

إن صناعة النخب السياسية ليست مسألة ثانوية، بل هي من صميم بناء الدولة. فالديمقراطية تحتاج إلى سياسيين قادرين على الاختلاف دون تخوين، وعلى المنافسة دون تدمير المؤسسات، وعلى الانتقال من المعارضة إلى الحكومة دون أن تتغير المبادئ بتغير الموقع. كما تحتاج إلى مسؤولين يفهمون أن المنصب العام ليس مكافأة على الولاء، وإنما تكليف يتطلب الكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل استحقاق انتخابي لا يجب أن يكون فقط: من يستطيع جمع أكبر عدد من الأصوات؟ وإنما أيضا: من يمتلك القدرة على تحويل هذه الأصوات إلى مشروع يخدم المصلحة العامة؟

وفي المجال الدبلوماسي، تصبح هذه المسألة أكثر وضوحا، لأن العلاقات الدولية لا تبنى بمنطق الانتخابات القصيرة ولا بردود الفعل اليومية. فالدبلوماسية تحتاج إلى رؤية استراتيجية، وإلى القدرة على قراءة التحولات الدولية، وإلى بناء الشراكات على أساس المصالح المتبادلة، وإلى الحفاظ على المصداقية حتى عندما تتغير الظروف السياسية. والدولة التي تتعامل مع علاقاتها الخارجية بمنطق اللحظة تفقد جزءا من قدرتها على المناورة، بينما الدولة التي تمتلك رؤية طويلة المدى تستطيع أن تحول التحولات الدولية والأزمات إلى فرص لتعزيز موقعها ومصالحها. ولهذا فإن رجل الدولة في المجال الدبلوماسي لا يبحث عن انتصار إعلامي سريع، وإنما عن مكسب استراتيجي قد لا تظهر نتائجه إلا بعد سنوات.

ومن هنا أيضا، فإن رجل الدولة لا يقيس نجاحه فقط بما حققه خلال فترة وجوده في السلطة، وإنما بما تركه وراءه بعد مغادرته. فالمسؤول الذي يبني مؤسسة قوية، حتى وإن لم يرتبط اسمها بشخصه، يكون قد أدى جزءا مهما من مسؤوليته تجاه الدولة. أما المسؤول الذي يجعل المؤسسة مرتبطة بشخصه، ثم تنهار أو تتراجع بمجرد مغادرته، فإنه قد يكون بنى نفوذا شخصيا أكثر مما بنى مؤسسة. وهذه واحدة من أهم العلامات التي يمكن من خلالها التمييز بين من يريد أن يذكر اسمه، ومن يريد أن يستمر أثره.

إن الأوطان لا تحتاج فقط إلى سياسيين يجيدون الوصول إلى السلطة، وإنما تحتاج إلى نخب تعرف ماذا ستفعل بهذه السلطة بعد الوصول إليها. فالمواطن لا يحتاج إلى شخص يستطيع إقناعه بالتصويت بقدر ما يحتاج إلى مسؤول يستطيع إقناعه بالثقة، والثقة لا تُبنى بالخطابات والشعارات، وإنما بالأداء والشفافية والقدرة على الاعتراف بالخطأ واحترام المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولهذا فإن المسؤول السياسي الحقيقي لا ينبغي أن يخشى من المؤسسات التي تراقبه، لأن الرقابة ليست إهانة للسلطة، بل حماية لها من الانحراف، كما أن المعارضة ليست عدوا للدولة، بل جزء من التوازن الديمقراطي الذي يمنع احتكار الحقيقة.

وفي النهاية، ربما يكون الفرق الأكثر وضوحا بين رجل السياسة ورجل الدولة هو طريقة تعاملهما مع الزمن. فرجل السياسة قد ينشغل كثيرا بما سيحدث في الانتخابات المقبلة، بينما رجل الدولة ينشغل بما سيحدث للأجيال المقبلة. الأول قد يبحث عن قرار يحقق له مكسبا سياسيا عاجلا، أما الثاني فيبحث عن قرار يمكن أن يخدم الوطن حتى لو لم يحقق له شعبية فورية. الأول قد يهتم بأن يخرج من المشهد وهو محتفظ بموقعه، أما الثاني فيريد أن يخرج منه وهو مطمئن إلى أن المؤسسة التي تركها أقوى مما كانت عليه.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه في كل مرحلة سياسية ليس فقط: من يستطيع أن يصل إلى السلطة؟ وإنما: من يستحق أن يحمل مسؤولية الدولة؟ فالوصول إلى المنصب قد يكون نتيجة انتخابات، وقد يكون نتيجة تحالفات، وقد يكون نتيجة ظروف سياسية معينة، لكن أن تكون رجل دولة فذلك امتحان آخر لا تمنحه صناديق الاقتراع وحدها.

فالسياسة قد تمنحك منصبا، والانتخابات قد تمنحك شرعية، لكن التاريخ وحده هو الذي يحكم في النهاية: هل كنت مجرد رجل سياسة مر من السلطة، أم رجل دولة ترك وراءه دولة أقوى ومؤسسات أكثر صلابة ومستقبلا أكثر أمنا؟

وفي هذا الفرق تحديدا، يتحدد مستقبل الأوطان.