بين شعبوية اللحظة ومسؤولية الدولة: من يملك شجاعة القرار؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في السياسة، ليس أصعب من اتخاذ القرار حين يكون الجميع يطالبون بعكسه، وليس أصعب على المسؤول من أن يعرف أن القرار الذي يراه ضروريا قد لا يكون شعبيا، وقد يكلفه جزءا من رصيده السياسي، وربما يجعله عرضة للانتقاد والهجوم. لكن هنا تحديدا يظهر الفرق بين من يمارس السياسة باعتبارها سباقا دائما نحو رضا الجمهور، ومن يفهم السلطة باعتبارها مسؤولية تفرض أحيانا اتخاذ قرارات صعبة لا تحظى بالتصفيق، لأن وظيفة المسؤول ليست أن يقول للناس دائما ما يريدون سماعه، وإنما أن يمتلك الشجاعة ليقول لهم أيضا ما يحتاجون إلى سماعه.

لقد أصبحت السياسة الحديثة أكثر ارتباطا بالرأي العام من أي وقت مضى. وسائل التواصل الاجتماعي، والاستطلاعات، والمنصات الرقمية، وسرعة انتشار الأخبار، كلها جعلت السياسي يعيش تحت مراقبة مستمرة، وأصبح من السهل أن يعرف خلال ساعات كيف استقبل الجمهور تصريحا أو قرارا أو موقفا. ولا شك أن هذا التطور يحمل جانبا إيجابيا، لأنه جعل المسؤول أكثر قربا من نبض المجتمع، لكنه في المقابل خلق خطرا آخر يتمثل في تحول بعض السياسيين إلى أسرى للمزاج العام، بحيث يصبح القرار السياسي محكوما بما سيحقق أكبر قدر من الرضا اللحظي، لا بما يمكن أن يخدم المصلحة العامة على المدى الطويل.

وهنا تحديدا تظهر إحدى الإشكالات الكبرى في الديمقراطية المعاصرة: هل وظيفة السياسي أن يتبع الجمهور، أم أن يقوده؟ فالديمقراطية تقوم على احترام إرادة المواطنين، لكن احترام هذه الإرادة لا يعني تحويل المسؤول السياسي إلى مجرد مرآة تعكس كل رغبات المجتمع، لأن المجتمع نفسه ليس دائما متفقا على موقف واحد، ولأن بعض القضايا تحتاج إلى معرفة وخبرة ورؤية تتجاوز الانطباع اللحظي. وقد تكون هناك قرارات ضرورية اقتصاديا أو اجتماعيا أو مؤسساتيا، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها، وقد تكون في بدايتها مؤلمة أو غير شعبية، بينما يؤدي تجنبها إلى تراكم المشكلات وتحويلها لاحقا إلى أزمات أكبر وأكثر كلفة.

ومن هنا يأتي مفهوم الشعبوية باعتباره أحد أكثر المفاهيم حضورا في النقاش السياسي المعاصر. فالشعبوية لا تعني ببساطة مخاطبة المواطنين أو الدفاع عن مصالحهم، وإنما تصبح خطيرة عندما تتحول السياسة إلى عملية مستمرة لاسترضاء الجمهور، وعندما يتم تقديم الحلول السهلة للمشكلات المعقدة، وتقديم الوعود التي يعرف صاحبها مسبقا صعوبة تنفيذها، أو اختزال القضايا الكبرى في شعارات جذابة لأنها تحقق شعبية سريعة. وفي هذه الحالة، يصبح السياسي منشغلا أكثر بكيفية الحفاظ على صورته لدى الجمهور، من انشغاله بمدى واقعية السياسات التي يقدمها أو آثارها المستقبلية.

وهنا يجب أن نكون واضحين: ليس كل قرار يحظى بشعبية قرارا صحيحا، وليس كل قرار صعب قرارا خاطئا. فالتاريخ السياسي والاقتصادي للدول يقدم أمثلة كثيرة على إصلاحات احتاجت إلى سنوات حتى تظهر نتائجها، وعلى قرارات لم تكن شعبية في لحظتها لكنها كانت ضرورية لتجنب أزمات أكبر. وفي المقابل، هناك قرارات اتخذت لإرضاء الجمهور في لحظة معينة، لكنها تركت أعباء ثقيلة على الدولة والمجتمع بعد ذلك. ولذلك فإن الحكم على القرار السياسي لا ينبغي أن يتوقف عند مستوى شعبيته، وإنما يجب أن يشمل مدى انسجامه مع المصلحة العامة، وقدرته على تحقيق نتائج مستدامة، واحترامه للقانون والمؤسسات.

ومن منظور القانون الدستوري، فإن المسؤولية السياسية لا تعني فقط الحصول على الشرعية عبر الانتخابات، وإنما تعني ممارسة السلطة في إطار من المسؤولية والمساءلة. فالفوز الانتخابي يمنح تفويضا، لكنه لا يمنح شيكا على بياض. والحكومة التي تحصل على ثقة البرلمان تظل مطالبة بتبرير قراراتها، والدفاع عن اختياراتها، والخضوع للرقابة، وتصحيح الأخطاء عندما يتبين أن بعض السياسات لم تحقق أهدافها. وهنا تكمن قيمة المؤسسات الديمقراطية: فهي لا تمنع المسؤول من اتخاذ القرار، لكنها تمنع تحوله إلى سلطة غير قابلة للمراجعة.

المشكلة تبدأ عندما يصبح المسؤول أكثر اهتماما بمؤشرات شعبيته من مؤشرات أداء مؤسسته، وعندما يصبح السؤال الذي يوجه قراراته هو: كيف سيستقبل الناس هذا القرار؟ بدلا من السؤال الأكثر أهمية: ما الذي تحتاجه الدولة فعلا؟ ففي الحالة الأولى يصبح السياسي رهينة للمزاج العام، وفي الثانية يصبح مسؤولا عن توجيه القرار نحو المصلحة العامة، حتى عندما يكون الطريق إليها أكثر صعوبة.

وهذا لا يعني أن رجل الدولة يجب أن يكون منفصلا عن المجتمع أو أن يتجاهل معاناة المواطنين. بالعكس، فإن أول شروط المسؤولية السياسية هو الإنصات إلى المجتمع وفهم مشاكله. لكن هناك فارقا بين الاستماع إلى المواطنين وبين استرضائهم، وبين الاستجابة لمطالبهم وبين استغلال مخاوفهم، وبين شرح القرارات الصعبة لهم وبين بيعهم أوهاما سهلة. رجل الدولة الحقيقي لا يحتقر الرأي العام، لكنه لا يعبده أيضا.

وهنا تظهر أهمية القيادة السياسية. فالقيادة ليست فقط القدرة على الفوز في الانتخابات، وإنما القدرة على بناء قناعة جماعية حول مشروع يتجاوز اللحظة. المسؤول الذي يملك الشجاعة السياسية يستطيع أن يشرح للمواطن لماذا يحتاج الإصلاح إلى وقت، ولماذا تحتاج بعض القرارات إلى تضحيات، ولماذا لا يمكن تحقيق كل شيء دفعة واحدة. أما المسؤول الذي يخشى دائما من غضب الجمهور، فقد يفضل تأجيل القرارات الصعبة، حتى تتراكم المشكلات وتصبح كلفة الإصلاح أكبر.

وفي هذا السياق، فإن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملا جديدا في تشكيل القرار السياسي. فسرعة التفاعل الرقمي قد تدفع بعض الفاعلين إلى اتخاذ مواقف بناء على ما يتصدر المنصات خلال ساعات، وكأن السياسة أصبحت مطالبة بالاستجابة لكل موجة غضب أو كل حملة رقمية. ولا شك أن الرأي العام الرقمي أصبح قوة سياسية حقيقية، لكن تحويله إلى المصدر الوحيد للقرار يمثل خطرا على العقلانية السياسية، لأن الدولة لا يمكن أن تدار بمنطق “الترند”، ولا يمكن أن تخضع السياسات العمومية لتقلبات المزاج الرقمي.

الدولة تحتاج إلى الاستماع إلى المجتمع، لكنها تحتاج أيضا إلى المؤسسات والخبراء والمعطيات والدراسات والتقييم المستمر للسياسات. فالقرار العمومي ليس منشورا على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس استطلاعا للرأي، وليس شعارا انتخابيا. إنه عملية معقدة تتداخل فيها المصالح والموارد والآثار الاجتماعية والقانونية والاقتصادية.

وفي المجال الدبلوماسي، يصبح الفرق بين شعبوية اللحظة ومسؤولية الدولة أكثر وضوحا. فالعلاقات الدولية لا يمكن أن تدار بمنطق ردود الفعل السريعة، لأن كلمة واحدة قد تؤثر في علاقة بين دولتين، وقرارا واحدا قد يغير حسابات استراتيجية لسنوات. ولذلك تحتاج الدبلوماسية إلى الهدوء والحساب والصبر، وإلى القدرة على التمييز بين ما يرضي الجمهور في اللحظة وما يخدم المصلحة الوطنية على المدى البعيد.

إن الدولة القوية ليست تلك التي تقول دائما ما يحب المواطن سماعه، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على شرح الحقيقة له، حتى عندما تكون صعبة. والسياسي القوي ليس من يهرب من القرارات غير الشعبية، وإنما من يستطيع تحمل مسؤوليتها وشرح أسبابها والدفاع عنها أمام المؤسسات والمواطنين، ثم مراجعتها إذا أثبت الواقع أنها لم تكن صائبة.

وهنا نعود إلى السؤال الأساسي: من يملك شجاعة القرار؟ هل هو السياسي الذي يراقب دائما اتجاه الريح قبل أن يتخذ موقفه، أم رجل الدولة الذي يعرف أن الريح قد تتغير، وأن مهمته ليست فقط السير معها، وإنما أحيانا اختيار الاتجاه الصحيح رغم قوتها؟

إن الديمقراطية لا تحتاج إلى مسؤولين يبحثون باستمرار عن التصفيق، وإنما إلى مسؤولين يبحثون عن النتائج. ولا تحتاج الدولة إلى سياسيين يخافون من كل قرار قد يخفض شعبيتهم، وإنما إلى نخب تمتلك القدرة على تحمل المسؤولية، لأن التاريخ لا يحاسب المسؤول فقط على ما قاله، وإنما أيضا على ما لم يفعله عندما كان ينبغي عليه أن يفعل.

وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في أن السياسي يريد ثقة المواطنين؛ فهذه الثقة هي أساس العمل الديمقراطي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على هذه الثقة أهم من الحفاظ على المصلحة العامة، وعندما يتحول الخوف من خسارة الانتخابات إلى سبب لتأجيل الإصلاحات، وتجنب القرارات الصعبة، وتقديم الحلول السريعة لمشكلات تحتاج إلى نفس طويل.

فالسياسي الذي يبحث دائما عن رضا الجمهور قد يربح الانتخابات، لكن رجل الدولة هو من يملك الشجاعة ليحمي مستقبل الجمهور حتى عندما لا يصفق له أحد.

وبين شعبوية اللحظة ومسؤولية الدولة، يبقى الامتحان الحقيقي للسياسي ليس في قدرته على معرفة ما يريد الناس سماعه، وإنما في قدرته على معرفة ما يحتاج الوطن إلى سماعه، وما يحتاج إلى فعله، ومن يملك شجاعة القرار عندما تصبح المصلحة العامة في مواجهة شعبية اللحظة.