قبل أن تسألوا: كم صوتا لديكم؟ اسألوا: ماذا ستفعلون بها؟

0

افتتاحية الصياح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

كلما اقترب موعد الانتخابات، تبدأ لغة سياسية من نوع خاص في الظهور. فجأة ترتفع قيمة الاصوات في الحسابات، وتكثر التقديرات حول من يملك هذا العدد ومن يستطيع جمع ذلك العدد، وتتحول العلاقات الاجتماعية والسياسية الى خرائط انتخابية، ويصبح المواطن في بعض الخطابات مجرد رقم يمكن احتسابه مسبقا. وفي خضم هذا السباق، يطرح سؤال يبدو بسيطا لكنه في العمق يحمل دلالة سياسية كبيرة: قبل ان تسألوا كم صوتا لديكم، اسألوا ماذا ستفعلون بهذه الاصوات؟

فالانتخابات في جوهرها ليست مسابقة لجمع الارقام، وليست سوقا لتبادل الولاءات، وليست مناسبة لاكتشاف قيمة الاشخاص بحسب قدرتهم على جلب الناخبين. الانتخابات هي احدى اهم آليات التعبير عن الارادة الشعبية، ومن خلالها يمنح المواطن تفويضا سياسيا لمن يعتقد انه قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه والمساهمة في تدبير الشأن العام. ولهذا فان اختزال الصوت الانتخابي في مجرد رقم يفرغه من معناه الديمقراطي ويحول المواطن من شريك في صناعة القرار الى اداة للوصول الى القرار.

المشكلة لا تكمن في ان السياسي يحسب اصواته، فهذا جزء طبيعي من التنافس الانتخابي، وانما تبدأ المشكلة عندما يتحول هذا الحساب الى تصور يجعل الصوت ملكية شخصية للمرشح او للوسيط او للفاعل المحلي. فلا احد يملك صوت المواطن، ولا احد يستطيع ان يضمن ارادته، لان الناخب في النهاية مواطن حر يفترض ان يمارس حقه بعيدا عن منطق الوصاية والامتلاك. ومن هنا فان عبارة “عندي اصوات” تحتاج الى كثير من التدقيق السياسي، لان السؤال الحقيقي ليس كم صوتا تستطيع ان تجمع، بل لماذا سيمنحك المواطن صوته؟

هذا السؤال يقودنا الى جوهر العملية الانتخابية. فالناخب لا ينبغي ان يكون مطلوبا فقط في الفترة التي تسبق الاقتراع، ثم يصبح منسيا بعد ظهور النتائج. ولا ينبغي ان تكون العلاقة بين السياسي والمواطن علاقة موسمية تبدأ بالوعود وتنتهي عند اغلاق صناديق الاقتراع. فالتمثيل السياسي ليس شيكا على بياض، والتفويض الانتخابي ليس ملكية دائمة للمقعد، وانما هو مسؤولية مرتبطة بالثقة والمحاسبة والقدرة على الوفاء بالالتزامات.

ومن منظور العلوم السياسية، فان قيمة الانتخابات لا تقاس فقط بنسبة المشاركة ولا بعدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الحزب او ذاك، وانما كذلك بجودة العلاقة التي تنشأ بين الناخب والمنتخب بعد الانتخابات. فالديمقراطية لا تتوقف عند لحظة التصويت، بل تبدأ مسؤوليتها الحقيقية بعد اعلان النتائج، عندما يصبح المنتخب مطالبا بتحويل الوعود الى مواقف، والبرامج الى سياسات، والثقة التي حصل عليها الى ممارسة مسؤولة داخل المؤسسات.

وهنا تحديدا تظهر اشكالية خطيرة في بعض الممارسات السياسية، حين يصبح الهدف الاساسي هو الفوز بأي وسيلة، بدل ان يكون الهدف هو اقناع المواطن بمشروع سياسي واضح. ففي هذه الحالة يصبح المرشح منشغلا بعدد الاصوات التي يمكن ان يحصل عليها اكثر من انشغاله بالسؤال حول نوعية البرنامج الذي سيقدمه، وقد تتحول الحملة الانتخابية الى سباق في النفوذ بدل ان تكون تنافسا في الافكار.

والاخطر ان المواطن نفسه قد يجد نفسه محاصرا بين خطابات كثيرة ووعود متعددة، دون ان يجد دائما اجابات واضحة حول ما سيحدث بعد الانتخابات. من سيعالج مشكلة التشغيل؟ من سيدافع عن القدرة الشرائية؟ من سيقدم حلولا واقعية للتعليم والصحة؟ من سيواجه الفوارق المجالية؟ ومن سيشرح للمواطن لماذا لم تنفذ الوعود التي قطعت له في السابق؟

هذه هي الاسئلة التي يجب ان تكون في قلب النقاش الانتخابي.

فالسياسي الذي يطلب صوت المواطن يجب ان يكون مستعدا للحديث ايضا عن مسؤولياته بعد الحصول عليه. ومن يطلب التفويض عليه ان يشرح كيف سيستعمله. ومن يطلب ثقة الناخب عليه ان يكون مستعدا لمساءلته لاحقا عن النتائج.

وهذا هو الفارق بين السياسة باعتبارها خدمة عمومية والسياسة باعتبارها مجرد طريق للوصول الى المواقع.

ان وظيفة الاحزاب السياسية، وفق المنطق الدستوري والسياسي، لا تختزل في تنظيم الحملات الانتخابية او تقديم المرشحين. فالاحزاب مطالبة بالمساهمة في تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي والتعبير عن ارادتهم والمشاركة في ممارسة السلطة وفق القواعد الديمقراطية. وبالتالي فان الحزب الذي يظهر فقط عندما تقترب الانتخابات يفقد جزءا مهما من وظيفته السياسية، لان التأطير الحقيقي عملية مستمرة وليست موسما انتخابيا.

ومن هنا فان الانتخابات المقبلة ينبغي ان تكون فرصة لاعادة طرح سؤال اكبر: ماذا نريد من السياسة؟

هل نريد فقط تغيير اسماء داخل المؤسسات؟ ام نريد تغيير طريقة التفكير في العمل السياسي؟

هل نريد مرشحين يجيدون جمع الاصوات؟ ام نريد ممثلين قادرين على الدفاع عن مصالح المواطنين؟

هل نريد حملات انتخابية مليئة بالوعود؟ ام نريد برامج يمكن قياس نتائجها ومحاسبة اصحابها؟

هذه الاسئلة ليست ترفا فكريا، بل هي جوهر النقاش الديمقراطي.

لان الديمقراطية لا تصبح اكثر قوة بمجرد ارتفاع عدد المرشحين، ولا بمجرد كثرة الشعارات، ولا بمجرد امتلاء القاعات في الحملات الانتخابية. الديمقراطية تصبح اكثر قوة عندما يشعر المواطن ان صوته له قيمة، وان اختياره له اثر، وان من انتخبه سيظل مسؤولا امامه بعد انتهاء الانتخابات.

ولهذا فان من اخطر الظواهر التي يمكن ان تصيب الحياة السياسية هي تحويل الانتخابات الى علاقة زبونية، حيث يصبح المواطن مطالبا بالتصويت مقابل خدمة او وعد او منفعة، ويصبح المرشح مطالبا برد الجميل بعد الوصول الى المؤسسة. في هذه الحالة لا يعود الحديث عن تمثيل سياسي حقيقي، بل عن شبكة من المصالح المتبادلة التي تضعف فكرة المصلحة العامة.

والحال ان الدولة لا تحتاج الى منتخب يعرف فقط كيف يفوز، بل تحتاج الى منتخب يعرف كيف يمثل.

والفرق بين الاثنين كبير.

الفوز الانتخابي قد يتحقق بوسائل متعددة، لكن التمثيل الحقيقي يحتاج الى معرفة بالقانون والمؤسسات، وقدرة على التشريع والمراقبة والترافع، واستعداد لتحمل المسؤولية، ووعي بان المقعد ليس امتيازا شخصيا وانما امانة سياسية.

ومن هنا يجب ان يتغير ايضا الخطاب الموجه الى المواطن. فلا ينبغي ان يقال له فقط: اعطني صوتك. بل يجب ان يقال له: هذا برنامجي، وهذه رؤيتي، وهذه التزاماتي، وهذا ما يمكن ان تحاسبني عليه بعد الانتخابات.

فالسياسة الناضجة لا تخاف من المحاسبة، بل تجعل المحاسبة جزءا من تعاقدها مع المواطن.

والمواطن المغربي اليوم اكثر وعيا مما يعتقد البعض. فهو يستطيع ان يميز بين من يأتي اليه فقط خلال الحملة الانتخابية ومن يبقى قريبا منه في مختلف الظروف، وبين من يقدم وعودا عامة ومن يملك تصورا واضحا، وبين من يبحث عن صوته ومن يحترم عقله.

ولهذا فان اي محاولة لاختزال المواطن في مجرد رقم انتخابي ستكون قصيرة النظر. فالاصوات قد تساعد في الفوز، لكنها لا تصنع وحدها الشرعية السياسية المستدامة. الشرعية تحتاج الى الثقة، والثقة تحتاج الى الصدق، والصدق يحتاج الى الوفاء بالالتزامات.

ومن زاوية القانون الدستوري، فان التفويض الانتخابي لا ينبغي ان يفهم باعتباره نهاية العلاقة بين المواطن والمنتخب، بل باعتباره بداية لمسار من المسؤولية السياسية. فالمنتخب يدخل المؤسسة محملا بثقة ناخبين، لكنه يصبح بعد ذلك مسؤولا امام قواعد ومؤسسات ومواطنين اوسع من دائرته الانتخابية.

وهنا تبرز اهمية البرلمان والمجالس المنتخبة باعتبارها مؤسسات للمساءلة والتشريع والتدبير، لا مجرد فضاءات للجلوس والتصويت. فالمنتخب الذي لا يشارك بفعالية في ممارسة اختصاصاته، ولا يراقب، ولا يقترح، ولا يدافع عن مصالح من انتخبوه، يفقد تدريجيا المعنى الحقيقي للتمثيل.

لذلك فان السؤال الذي ينبغي ان يرافق كل مرشح خلال المرحلة المقبلة ليس: كم صوتا استطيع ان احصل عليه؟

بل: ماذا سأفعل اذا حصلت على ثقة الناس؟

وهذا السؤال في حد ذاته كفيل بكشف الكثير.

فمن يملك مشروعا سيجد ما يقوله.

ومن يملك برنامجا سيجد ما يشرحه.

ومن يعرف مسؤولياته سيجد ما يلتزم به.

اما من لا يملك سوى لغة الارقام، فقد يجد نفسه عاجزا عن الاجابة عندما يسأله المواطن عن اليوم التالي للانتخابات.

ان المغرب يحتاج اليوم الى انتخابات تعيد الاعتبار للسياسة، لا انتخابات تزيد من عزوف المواطنين عنها. يحتاج الى منافسة بين البرامج، والافكار، والكفاءات، والقدرة على خدمة الصالح العام. ويحتاج قبل ذلك الى خطاب سياسي يحترم ذكاء المواطن ولا يتعامل معه باعتباره مجرد صوت قابل للجمع والاحتساب.

فالانتخابات ليست لحظة لبيع الوعود، وانما لحظة لتجديد الثقة.

والصوت ليس سلعة.

والمواطن ليس رقما.

والمقعد ليس غنيمة.

والتفويض ليس ملكية شخصية.

ومن هنا، ربما آن الاوان لكي نعيد ترتيب السؤال الانتخابي من اساسه. لا تسألوا فقط من لديه اكبر عدد من الاصوات، ولا من يستطيع ان يحشد اكثر، ولا من يملك اكبر شبكة من العلاقات.

اسألوا اولا: من لديه مشروع؟

من يملك القدرة على تمثيل الناس؟

من يعرف مسؤولياته الدستورية؟

من يستطيع ان يدافع عن مصالح المواطنين داخل المؤسسات؟

ومن سيكون مستعدا للعودة اليهم بعد خمس سنوات ليقول لهم ماذا فعل؟

لان السياسة في النهاية لا تقاس فقط بعدد الاصوات التي اوصلت شخصا الى المقعد، وانما بما فعله ذلك الشخص بعد ان جلس على المقعد.

ولهذا فان السؤال الذي يجب ان يسبق كل انتخابات ليس: كم صوتا لديكم؟

بل:

ماذا ستفعلون بهذه الاصوات عندما تصبح امانة في اعناقكم؟

لان المواطن قد يمنحك صوته مرة، لكنه لن يمنحك ثقته الى الابد الا اذا اثبت له انك كنت تستحقها.