خمس سنوات انتهت… الآن دور المواطن ليحاسب

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

تقترب لحظة سياسية لا ينبغي النظر اليها باعتبارها مجرد موعد انتخابي جديد، ولا باعتبارها سباقا عاديا بين الاحزاب والمرشحين، وانما باعتبارها لحظة يعود فيها القرار الى صاحبه الحقيقي: المواطن. فبعد خمس سنوات من التدبير، والوعود، والبرامج، والخطابات، لم يعد السؤال الاساسي هو ماذا سيقول السياسيون للناخبين هذه المرة، بل ماذا سيقدمون لهم من حصيلة عن السنوات التي مرت؟ ومن حق المواطن اليوم، بل من واجبه السياسي والدستوري، ان يسأل بكل وضوح: ماذا تحقق؟ ماذا تغير؟ واين هي الوعود التي قيلت قبل خمس سنوات؟

في الديمقراطيات التي تحترم نفسها، لا تمنح الانتخابات شيكا على بياض، ولا تعتبر الثقة الانتخابية تفويضا دائما لا يخضع للتقييم. الانتخابات هي في جوهرها آلية للمساءلة السياسية قبل ان تكون آلية لتوزيع المقاعد. المواطن يمنح صوته، والسياسي يتحمل المسؤولية، وبعد انتهاء الولاية يعود الطرفان الى لحظة الحساب: هل كانت النتائج في مستوى الوعود؟ هل كانت القرارات في مستوى الانتظارات؟ وهل كان المسؤول السياسي وفيا للثقة التي منحها له المواطن؟

لهذا فان المرحلة المقبلة ينبغي ان تكون مختلفة في طريقة طرح الاسئلة. لم يعد كافيا ان يظهر السياسي بخطاب جديد ووعود جديدة وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن موجودة. ولم يعد مقبولا ان يطلب ممن تحمل مسؤولية التدبير ان يعاد تقديمه للمواطن باعتباره مرشحا جديدا بلا ماض ولا حصيلة. فالسياسي الذي كان في موقع المسؤولية مطالب اولا بتقديم حسابه، وشرح ما انجزه، وما اخفق فيه، ولماذا اخفق، وما هي الاسباب التي حالت دون تنفيذ ما التزم به.

هذه ليست رغبة في الانتقام السياسي، وليست دعوة الى معاقبة الاشخاص لمجرد انهم كانوا في مواقع المسؤولية، وانما هي ممارسة طبيعية للديمقراطية. فالانتخابات لا تكون ذات معنى اذا كان المواطن مطالبا دائما بتجديد الثقة دون ان يسأل عن الحصيلة. والمحاسبة لا تعني ان كل فشل يستوجب الاقصاء، كما لا تعني ان كل نجاح يستوجب التجديد، وانما تعني ان المواطن يملك الحق في تقييم التجربة واتخاذ القرار على اساس ما يراه مناسبا للمصلحة العامة.

لقد عشنا خلال السنوات الماضية كثيرا من الخطابات والوعود. سمعنا عن اصلاحات كبيرة، وعن محاربة الفوارق الاجتماعية، وعن تحسين القدرة الشرائية، وعن خلق فرص الشغل، وعن الارتقاء بالخدمات العمومية، وعن جعل المواطن في صلب السياسات العمومية. لكن المواطن لا يعيش داخل البيانات الحكومية ولا داخل المؤشرات المجردة، وانما يعيش في سوق الاسعار، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي الادارة، وفي سوق الشغل، وفي تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا تظهر المسافة بين الخطاب والواقع.

قد تقول الارقام شيئا، لكن الحياة اليومية للمواطن قد تقول شيئا اخر. وقد تسجل بعض المؤشرات تحسنا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ان المواطن شعر بهذا التحسن في جيبه او في فرصه او في جودة الخدمات التي يحصل عليها. ومن واجب السياسي ان يستمع الى هذه الحقيقة، لا ان يحاول دائما اقناع المواطن بان واقعه مختلف عما يعيشه بنفسه.

ان المواطن لا يحتاج الى من يخبره ان الامور جيدة اذا كان هو يشعر بعكس ذلك. يحتاج الى مسؤول يعترف بوجود الاختلالات، ويشرح اسبابها، ويقدم حلولا قابلة للتنفيذ. فالسياسة الجادة لا تبدأ من انكار المشكلة، وانما من الاعتراف بها.

ومن هنا، فان الانتخابات المقبلة يجب ان تكون لحظة انتقال من ثقافة الوعود الى ثقافة الحصيلة. يجب ان نسأل كل من يطلب ثقة المواطنين: ماذا قدمت في الفترة السابقة؟ ماذا تغير في المجال الذي كنت مسؤولا عنه؟ ما الذي انجزته؟ ما الذي لم تنجزه؟ وما الذي ستفعله بشكل مختلف هذه المرة؟

واذا لم يكن لدى السياسي جواب واضح عن هذه الاسئلة، فمن حق المواطن ان يبحث عن جواب لدى غيره.

فالبديل السياسي ليس خيانة لاحد، وليس موقفا عدائيا من شخص او حزب، وانما هو جوهر التنافس الديمقراطي. عندما لا تقنع التجربة السابقة المواطن، فمن الطبيعي ان يبحث عن تجربة اخرى، وعن كفاءات جديدة، وعن برامج مختلفة، وعن وجوه قادرة على تقديم اجابات لم تقدمها التجربة السابقة.

الديمقراطية لا تعني ان نعيد انتخاب من سبق ان انتخب الى ما لا نهاية، كما لا تعني ان نغير الاشخاص لمجرد التغيير. الديمقراطية تعني ان نختار الافضل في كل استحقاق بناء على تقييم عقلاني للاداء والبرامج والكفاءة.

وهنا تقع المسؤولية ايضا على المواطن.

فلا يمكن ان نطالب السياسيين بالمسؤولية اذا لم نمارس نحن ايضا مسؤوليتنا في الاختيار. ولا يمكن ان ننتقد ضعف الحياة السياسية ثم نعيد انتاج الاساليب نفسها التي ساهمت في اضعافها. المواطن مطالب اليوم بان يتعامل مع صوته باعتباره قرارا سياسيا، لا خدمة شخصية، ولا مقابلا لمصلحة عابرة، ولا مجاملة اجتماعية.

الصوت الانتخابي ليس ملكا للعائلة ولا للقبيلة ولا للحي ولا للوسيط. انه حق فردي، وقرار سياسي، واداة للمحاسبة.

ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

ليست المعركة بين هذا الحزب وذاك، ولا بين هذا المرشح وذاك، وانما بين من يريد ان يجعل الانتخابات مناسبة لتجديد نفس الممارسات، ومن يريد ان يجعلها فرصة لتجديد الثقة على اساس جديد.

المواطن اليوم مطالب بان يسأل: من يملك برنامجا واضحا؟ من يملك القدرة على تنفيذه؟ من يملك الكفاءة؟ من يملك الشجاعة للاعتراف بالاخطاء؟ ومن يملك الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما لا تسير الامور كما ينبغي؟

لان البلاد لا تحتاج فقط الى من يجيد الكلام، وانما تحتاج الى من يجيد العمل.

ولا تحتاج فقط الى من يعرف كيف يخوض الانتخابات، وانما تحتاج الى من يعرف كيف يدبر المؤسسات.

ولا تحتاج فقط الى من يستطيع الحصول على الاصوات، وانما تحتاج الى من يعرف كيف يحول هذه الاصوات الى مسؤولية في خدمة المواطنين.

وهنا ينبغي ان نميز بين السياسة باعتبارها مهنة انتخابية، والسياسة باعتبارها مسؤولية عمومية. الاولى تنتهي غالبا عند اعلان النتائج، اما الثانية فتبدأ في اليوم التالي للانتخابات. السياسي الذي يرى في الانتخابات غاية، سينشغل بكيفية الفوز. اما السياسي الذي يراها وسيلة لخدمة المجتمع، فسيسال نفسه منذ البداية كيف سيبرر هذه الثقة عندما تنتهي ولايته.

ولهذا فان المواطن لا ينبغي ان ينتظر نهاية الولاية الانتخابية حتى يبدأ في طرح الاسئلة. بل يجب ان تكون المحاسبة مستمرة، وان تكون الذاكرة السياسية حاضرة، وان يعرف كل مسؤول ان المواطن يتذكر ما قيل له وما تحقق وما لم يتحقق.

فالسياسة التي تراهن على نسيان المواطن هي سياسة قصيرة النظر.

والمواطن المغربي اليوم ليس ذلك الناخب الذي يمكن ان تبدأ معه الذاكرة السياسية من الصفر كل خمس سنوات. لقد اصبح اكثر اطلاعا، واكثر قدرة على المقارنة، واكثر وعيا بالفارق بين الخطاب والنتيجة. يعرف من كان حاضرا ومن كان غائبا، ومن دافع عن قضاياه ومن اكتفى بالدفاع عن صورته، ومن تحمل مسؤوليته ومن بحث عن مبررات لفشله.

ومن هنا فان الاستحقاق المقبل يجب ان يكون استحقاقا للذاكرة السياسية ايضا.

ذاكرة المواطن عن الاسعار.

ذاكرته عن التشغيل.

ذاكرته عن التعليم والصحة.

ذاكرته عن الادارة والخدمات.

ذاكرته عن الوعود.

وذاكرته عن من كان الى جانبه عندما كانت الظروف صعبة.

هذه الذاكرة يجب ان تتحول الى معيار للاختيار.

ولعل اخطر ما يمكن ان يحدث للحياة السياسية هو ان يتحول المواطن الى مجرد رقم انتخابي يعاد استدعاؤه كل خمس سنوات. المواطن اكبر من ذلك بكثير. انه مصدر الشرعية الانتخابية، وصاحب الحق في الاختيار، وصاحب الحق في المحاسبة، وصاحب الحق في تغيير اختياره عندما يرى ان التجربة لم تكن في مستوى تطلعاته.

ولهذا فان السياسي الذي يخاف من فكرة البديل لا يفهم جوهر الديمقراطية.

البديل ليس تهديدا، بل ضرورة.

والتنافس ليس ازمة، بل ضمانة.

وتغيير الاختيار ليس فوضى، بل ممارسة طبيعية للسيادة الشعبية.

ان المجتمع الذي لا يستطيع تغيير ممثليه عندما يفشلون، يفقد جزءا مهما من المعنى الحقيقي للانتخابات. والمجتمع الذي يستطيع ان يكافئ من نجح ويستبدل من اخفق، هو مجتمع يمارس الديمقراطية بالفعل لا بالشعارات.

ومن زاوية القانون الدستوري، فان الانتخابات ليست مجرد تقنية للوصول الى السلطة، بل هي الية لتجديد التمثيلية وربط ممارسة السلطة بالشرعية الشعبية. ولذلك فان التفويض الانتخابي يظل مرتبطا بمسؤولية سياسية واخلاقية، ولا يمكن فهمه باعتباره امتيازا شخصيا او ملكية دائمة.

ومن منظور العلوم السياسية، فان تداول المسؤوليات وتجديد النخب من المؤشرات المهمة على حيوية النظام السياسي. فحين تغلق الابواب امام البدائل، تتحول السياسة الى امتياز، وحين تفتح امام المنافسة والافكار والكفاءات، تتحول السياسة الى خدمة عمومية.

وهنا بالضبط ينبغي ان تكون رسالة المواطن واضحة:

لن نجدد الثقة لمجرد انكم تطلبونها.

سنمنحها لمن يقنعنا باستحقاقها.

لن نحاسبكم على ما وعدتم به فقط، بل على ما فعلتموه.

ولن نختار بالضرورة من يرفع صوته اكثر، وانما من يملك جوابا افضل.

لقد حان الوقت لكي تنقلب المعادلة.

بدل ان يقف المواطن امام السياسي طالبا منه وعدا، يجب ان يقف السياسي امام المواطن مقدما حصيلته.

وبدل ان يسال السياسي المواطن: هل ستصوت لي؟ يجب ان يساله: هل كنت في مستوى الثقة التي منحتني اياها؟

وبدل ان تكون الانتخابات مناسبة لاعادة تدوير الخطابات نفسها، يجب ان تكون مناسبة لفتح المجال امام الكفاءات والبرامج والبدائل.

ان المواطن لا يبحث بالضرورة عن معجزة، ولا ينتظر سياسيا بلا اخطاء. لكنه يريد ان يرى ارادة في العمل، ووضوحا في الرؤية، وشجاعة في تحمل المسؤولية، وقدرة على تحويل الوعود الى نتائج.

فخمس سنوات مدة كافية لكي تظهر ملامح الحصيلة، ومدة كافية ايضا لكي يعرف المواطن من يستحق فرصة جديدة ومن حان وقت استبداله.

وفي النهاية، لا ينبغي ان نخاف من كلمة “المحاسبة”، لانها ليست عقوبة في حد ذاتها، بل هي الوجه الاخر للثقة.

من نجح يستحق ان يدافع عن حصيلته.

ومن اخفق عليه ان يشرح اسباب اخفاقه.

ومن لم يقدم شيئا مقنعا عليه ان يقبل بقرار المواطن.

ومن يملك مشروعا جديدا وكفاءة حقيقية وبرنامجا قابلا للتنفيذ، فليتقدم الى الناس وليطلب ثقتهم.

هكذا فقط تصبح الانتخابات ذات معنى.

وهكذا فقط يصبح المواطن فاعلا لا متفرجا.

فقد انتهت خمس سنوات، ولم يعد السؤال: من سيعدنا اكثر؟

السؤال الحقيقي هو:

من يستحق ثقتنا من جديد، ومن يستحق ان نعطيه فرصة ليقدم بديلا افضل؟

لان المواطن لا يملك فقط حق التصويت، بل يملك ايضا حق تغيير اختياره.

وحين تدق ساعة الانتخابات، تكون الكلمة الاخيرة لصاحب الصوت… لا لصاحب الوعد.