انتهى زمن الأدوار الصغيرة… حين تصبح الكفاءة مطالبة بتحمل المسؤولية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
هناك لحظة في مسار كل إنسان يدرك فيها أن مرحلة معينة قد انتهت، وأن الاستمرار في الدور نفسه لم يعد يعكس ما راكمه من معرفة وتجربة ونضج. ليست المسألة بحثا عن موقع، ولا رغبة في الظهور، وإنما إدراك هادئ بأن سنوات التكوين والتمرس والعمل والصبر يفترض أن تنتقل بصاحبها من موقع المشاركة المحدودة إلى موقع المساهمة الفعلية في صناعة القرار.
في السياسة، كما في الحياة، لا يمكن للإنسان أن يبقى إلى ما لا نهاية في الأدوار الصغيرة، خصوصا عندما تتراكم لديه المعرفة والتجربة والقدرة على قراءة الواقع وفهم تعقيداته. فهناك فرق بين من يطلب الدور لأنه يبحث عن الاعتراف، وبين من يصبح الدور بالنسبة إليه مسؤولية طبيعية تفرضها مرحلة جديدة من مساره.
لقد تعلمنا طويلا أن السياسة تحتاج إلى الصبر، وأن بناء المسار السياسي ليس سباقا قصيرا، وإنما رحلة تتطلب التكوين والتجربة والاحتكاك بالواقع وفهم المؤسسات ومعرفة الناس والاستماع إلى المجتمع. وهذه المراحل ليست ضائعة، بل هي التي تصنع النضج الحقيقي. لكن النضج نفسه يفرض سؤالا آخر: ماذا بعد أن تتراكم التجربة؟
هل نستمر في الأدوار نفسها، أم ننتقل إلى مرحلة يصبح فيها المطلوب منا أكبر؟
إن المشكلة ليست في الأدوار الصغيرة في حد ذاتها. فكل مؤسسة تحتاج إلى من يعمل في الصفوف المختلفة، وكل مشروع سياسي يحتاج إلى من يساهم في البناء من مواقع متعددة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأدوار المؤقتة إلى سقف دائم للكفاءات، وعندما يصبح معيار الاستمرار في موقع معين هو العادة أو الحسابات الضيقة، وليس القدرة على الإضافة.
السياسة التي لا تسمح بتجديد أدوارها تتحول مع الوقت إلى مجال مغلق، تعيد فيه الوجوه نفسها الأدوار نفسها، وتصبح فيه الخبرة أحيانا وسيلة لإبقاء الوضع كما هو، بدل أن تكون جسرا نحو التجديد.
وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب السياسية بشكل خاص. فالحزب ليس فقط إطارا لتنظيم الانتخابات أو تدبير المنافسة السياسية، بل هو مدرسة لإنتاج النخب وتأهيلها وتحضيرها لتحمل المسؤولية العامة. والحزب الذي يستثمر في تكوين أعضائه ثم لا يمنح الكفاءات فرصة الانتقال إلى مواقع التأثير، يخسر جزءا من مستقبله السياسي دون أن يدرك ذلك.
إن تجديد النخب ليس إقصاء للخبرات السابقة، كما أن فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة ليس انتقاصا من أدوار من سبقوها. السياسة الناضجة هي التي تعرف كيف تجمع بين تراكم التجربة وطاقات التجديد، وبين احترام الذاكرة المؤسساتية وفتح الطريق أمام جيل قادر على تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تصبح الكفاءة مسألة سياسية وليست مجرد صفة شخصية. فالدولة والحزب والمؤسسات لا تحتاج فقط إلى أشخاص لديهم الرغبة في المسؤولية، وإنما إلى أشخاص لديهم القدرة على فهم الملفات، وتحليل المعطيات، وصناعة القرار، والتواصل مع المجتمع، وتحمل نتائج الاختيارات.
لقد تغيرت السياسة كثيرا. المواطن اليوم أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر حساسية تجاه الفارق بين الخطاب والنتائج. ولم يعد من السهل إقناعه بالشعارات وحدها. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسي يعرف ماذا يقول، والأهم أن يعرف ماذا يستطيع أن يفعل.
وهنا تحديدا يصبح التكوين السياسي والقانوني والاقتصادي والدبلوماسي عاملا أساسيا في صناعة المسؤول العمومي. فالمسؤولية لم تعد مجرد حضور في الاجتماعات أو القدرة على الخطابة، وإنما أصبحت تتطلب معرفة دقيقة بالمؤسسات والقوانين والمالية العمومية والسياسات العامة والتحولات الاجتماعية والجيوسياسية.
إن الأدوار الكبيرة لا تمنح لمن يطلبها بصوت مرتفع، وإنما لمن يثبت عبر مساره أنه قادر على تحمل تبعاتها. ولهذا فإن الطموح السياسي في حد ذاته ليس عيبا، بل يصبح فضيلة عندما يكون مبنيا على الكفاءة والاستعداد لخدمة المصلحة العامة.
المشكلة ليست في أن يطمح الإنسان إلى موقع أكبر، وإنما في أن يعتقد أن الموقع هو الذي يصنع قيمته. الحقيقة أن العكس هو الصحيح: الكفاءة هي التي تمنح الموقع معناه، والمسؤولية هي التي تمنح المنصب قيمته.
ولذلك فإن الوصول إلى مرحلة جديدة من المسار لا ينبغي أن يفهم باعتباره بحثا عن امتياز شخصي، وإنما باعتباره استعدادا لتحمل مسؤولية أكبر. فمن راكم المعرفة والتجربة، وأصبح قادرا على تقديم قراءة أعمق للواقع، لا ينبغي أن يخاف من الانتقال من موقع التنفيذ إلى موقع صناعة القرار، شريطة أن يظل معيار الحركة هو الإضافة وخدمة المشروع والمصلحة العامة.
وفي الحياة السياسية، تأتي لحظة يصبح فيها الصمت عن الطموح أقل صدقا من الاعتراف بالاستعداد للمسؤولية. ليس المقصود إعلان الذات، ولا تقديم النفس باعتبارها البديل الوحيد، وإنما الاعتراف بأن الإنسان الذي اشتغل على نفسه لسنوات، وراكم التجربة، ووسع معارفه، أصبح مطالبا بأن يضع ما تعلمه في خدمة المجال العام.
وهنا يمكن أن نفهم معنى العبارة التي قد تبدو لأول وهلة حادة: انتهى زمن الأدوار الصغيرة.
ليست هذه العبارة إعلانا عن نهاية الآخرين، ولا حكما على قيمة مواقعهم، وإنما إعلان عن نهاية مرحلة شخصية من التكوين والانتظار. إنها لحظة انتقال من سؤال: ماذا يمكنني أن أتعلم؟ إلى سؤال أكثر مسؤولية: ماذا يمكنني أن أضيف؟
ومن داخل الأحزاب، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة. فالحزب الذي يريد أن يكون فاعلا في مستقبل الوطن عليه أن يفتح المجال أمام الكفاءات التي أثبتت حضورها، لا على أساس الولاء الشخصي، ولا على أساس العلاقات، وإنما على أساس القدرة والاستحقاق والاستعداد لتحمل المسؤولية.
إن أكبر خطر على التنظيمات السياسية ليس اختلاف الأفكار، وإنما تحولها إلى فضاءات لا تتغير فيها الأدوار مهما تغيرت الظروف. فالتجديد لا يعني فقط تغيير الخطاب، وإنما يعني أيضا إعادة التفكير في من يستطيع أن يحمل المشروع إلى المستقبل.
والمغرب الذي نطمح إليه يحتاج بدوره إلى هذا النوع من التفكير. وطننا لا يحتاج فقط إلى من يتحدث عن المستقبل، وإنما إلى من يمتلك أدوات فهمه. يحتاج إلى كفاءات تستطيع الانتقال من التشخيص إلى الحل، ومن الخطاب إلى السياسات، ومن الطموح إلى الإنجاز.
فالمرحلة المقبلة لن تكون سهلة. عالم يتغير بسرعة، وتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، وتحديات جيوسياسية متزايدة، وانتظارات اجتماعية متصاعدة، كلها تحتاج إلى نخب سياسية أكثر تأهيلا، وأكثر قدرة على التفكير الاستراتيجي، وأكثر استعدادا لتحمل المسؤولية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يريد الدور الكبير؟
السؤال الأهم هو: من أعد نفسه لتحمل تبعات الدور الكبير؟
فبين الطموح والاستحقاق مسافة لا يقطعها الكلام، وإنما يقطعها التكوين والتجربة والانضباط والقدرة على الإنجاز.
لقد انتهت بالنسبة للكثير من الكفاءات مرحلة إثبات الذات عبر الأدوار المحدودة. وحان الوقت لكي تصبح المعرفة والخبرة والتجربة أدوات للمساهمة في صناعة القرار، داخل المؤسسات والأحزاب وفي خدمة الوطن.
لكن الانتقال إلى الأدوار الكبيرة يجب أن يرافقه انتقال أكبر في مستوى المسؤولية. فمن يطلب موقعا أكبر يجب أن يقبل رقابة أكبر، ومن يريد تأثيرا أكبر يجب أن يتحمل نتائج أكبر، ومن يطمح إلى صناعة القرار يجب أن يكون مستعدا لدفع كلفة القرار سياسيا وأخلاقيا ووطنيا.
وهذا هو المعنى الحقيقي للنضج السياسي: ألا تبحث عن الدور الكبير لأنه كبير، وإنما لأنك أصبحت قادرا على حمله.
في النهاية، ليست المسألة أن نقول إن زمن الأدوار الصغيرة انتهى فقط، بل أن ندرك أن زمن المسؤوليات الأكبر قد بدأ. وأن المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى من يبحث عن مقعد، بقدر ما تحتاج إلى من يستحق موقعا، ويمتلك رؤية، ويعرف حجم المسؤولية التي تنتظره.
فالسياسة ليست مساحة للانتظار الأبدي، كما أنها ليست ملكا لأحد. إنها مجال تتجدد فيه النخب، وتتغير فيه الأدوار، ويصعد فيه من يثبت أنه قادر على خدمة الناس والمؤسسات والوطن.
ومن يصل إلى هذه المرحلة لا يحتاج إلى أن يعلن كثيرا عن نفسه؛ يكفي أن تكون مسيرته قد قالت ما يجب قوله.
انتهى زمن الأدوار الصغيرة، ليس لأن الطموح أصبح أكبر، وإنما لأن المسؤولية أصبحت أكبر من أن تؤجل.