حين تنضج الكفاءات… هل آن وقت انتقالها من الهامش إلى صناعة القرار؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست أزمة السياسة في كثير من الأحيان أزمة غياب للكفاءات، بقدر ما هي أزمة في كيفية اكتشافها وتأهيلها ومنحها الفرصة المناسبة للمساهمة في صناعة القرار. فداخل الأحزاب والمؤسسات والمجتمع توجد طاقات راكمت التكوين والتجربة والتمرس، لكنها قد تجد نفسها، لسنوات طويلة، حاضرة في العمل وغائبة عن دوائر التأثير، قادرة على التنفيذ لكنها بعيدة عن المشاركة الفعلية في صياغة القرار.

وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بشخص أو جيل بعينه، بل بمستقبل الحياة السياسية نفسها: متى تصبح الكفاءة مطالبة بالانتقال من موقع المساهمة المحدودة إلى موقع المسؤولية وصناعة القرار؟

إن السياسة ليست مجالا جامدا تتوزع فيه الأدوار بشكل دائم، وليست المناصب ملكية مستمرة لأشخاص أو أجيال. إنها مجال يفترض فيه أن تتجدد الأفكار والنخب والقدرات، لأن المجتمع نفسه يتغير، والأسئلة التي تطرحها كل مرحلة لا يمكن دائما الإجابة عنها بالأدوات نفسها التي كانت صالحة لمرحلة سابقة.

ولا يعني الحديث عن تجديد النخب الدعوة إلى إقصاء من سبق أو التقليل من قيمة التجربة السياسية الطويلة. فالخبرة المتراكمة تظل جزءا أساسيا من الذاكرة السياسية والمؤسساتية، ولا يمكن لأي تنظيم أن يبني مستقبله من دون الاستفادة منها. لكن احترام التجربة لا ينبغي أن يتحول إلى إغلاق للأبواب أمام من راكم بدوره معرفة وتجربة واستعدادا لتحمل مسؤوليات جديدة.

فالتجديد الحقيقي لا يقوم على منطق الصراع بين القديم والجديد، وإنما على التكامل بينهما. تحتاج السياسة إلى ذاكرة تعرف ما حدث، كما تحتاج إلى كفاءات قادرة على قراءة ما يمكن أن يحدث. تحتاج إلى تجربة تحميها من تكرار الأخطاء، كما تحتاج إلى رؤية جديدة تساعدها على مواجهة التحولات المقبلة.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأقدمية معيارا وحيدا للاستحقاق، أو عندما تتحول التجربة إلى امتياز دائم يمنع غيرها من الوصول إلى مواقع المسؤولية. فليس كل من قضى سنوات أطول في العمل السياسي أكثر قدرة على صناعة القرار، كما أن حداثة التجربة وحدها لا تعني بالضرورة الجاهزية لتحمل المسؤولية.

المعيار الحقيقي ينبغي أن يكون القدرة.

القدرة على الفهم والتحليل، والقدرة على اتخاذ القرار، والقدرة على تحمل تبعاته، والقدرة على التواصل مع المجتمع، والأهم من ذلك القدرة على تحويل المعرفة إلى حلول واقعية.

إن الكفاءة السياسية لا تقاس فقط بعدد السنوات، كما لا تقاس بعدد المواقع التي شغلها الشخص. قد يكون شخص أمضى سنوات طويلة في موقع سياسي من دون أن يضيف إليه شيئا، وقد يكون آخر راكم خلال فترة أقل تكوينا وخبرة ميدانية ورصيدا معرفيا يجعله مؤهلا لتحمل مسؤوليات أكبر.

ولهذا فإن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة التفكير في طريقة إنتاج نخبها. فالحزب الذي يريد أن يستمر لا يكفيه أن يجدد خطابه، بل عليه أن يجدد أيضا آليات اكتشاف الكفاءات وتأهيلها وتمكينها من الانتقال التدريجي إلى مواقع المسؤولية.

إن الحزب السياسي ليس فقط آلة انتخابية تظهر في مواسم الاقتراع، بل يفترض أن يكون مدرسة لتكوين النخب. ومن يدخل العمل السياسي لا ينبغي أن يظل طوال حياته في الموقع نفسه، لأن المسار الطبيعي لأي تجربة سياسية هو التدرج: التعلم، ثم الممارسة، ثم التمرس، ثم تحمل المسؤولية.

وعندما تتوقف هذه الحركة، تتحول التنظيمات إلى فضاءات مغلقة، تتكرر فيها الأسماء والأدوار نفسها، بينما تظل الكفاءات الجديدة مطالبة دائما بالانتظار.

لكن الانتظار في السياسة ليس فضيلة في كل الحالات.

هناك مرحلة يكون فيها الصبر ضروريا للتعلم، وهناك مرحلة يصبح فيها الاستعداد للمسؤولية ضرورة. فالكفاءة التي راكمت المعرفة والتجربة لا ينبغي أن تخاف من الانتقال إلى مواقع أكبر، كما لا ينبغي للمؤسسات أن تخاف من منحها الفرصة.

فالسياسة لا تتطور عندما يظل الجميع في أماكنهم.

إن أحد أهم التحولات التي يحتاجها العمل السياسي اليوم هو الانتقال من ثقافة توزيع المواقع إلى ثقافة إعداد المسؤولين. فالمنصب لا ينبغي أن يكون مكافأة، بل نتيجة لمسار من التكوين والاستعداد والقدرة على الإنجاز. وكلما أصبح الوصول إلى المسؤولية مرتبطا بالكفاءة أكثر من ارتباطه بالعلاقات أو الحسابات الضيقة، أصبحت المؤسسات السياسية أكثر قدرة على إنتاج الثقة.

والمواطن بدوره لم يعد ينظر إلى المسؤول السياسي بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها في السابق. لقد أصبح أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر اهتماما بالنتائج. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نخب قادرة على فهم تعقيدات الدولة الحديثة، وعلى التعامل مع قضايا الاقتصاد والمالية العمومية والقانون والتحولات الاجتماعية والعلاقات الدولية.

لم تعد السياسة مجرد قدرة على الخطابة أو الحضور في المناسبات.

السياسة اليوم تحتاج إلى معرفة.

وتحتاج إلى تكوين.

وتحتاج إلى رؤية.

وتحتاج قبل ذلك وبعده إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية.

ومن هنا يصبح الانتقال إلى صناعة القرار نتيجة طبيعية لمسار من النضج، لا مجرد رغبة في الوصول. فهناك فرق كبير بين من يبحث عن المنصب باعتباره نهاية المسار، ومن يرى فيه وسيلة لتحمل مسؤولية أكبر وتقديم إضافة جديدة.

المسؤولية السياسية ليست امتيازا، بل اختبار.

كلما اتسع الموقع، اتسعت معه دائرة المحاسبة. وكلما زادت القدرة على التأثير، زادت المسؤولية عن النتائج. ولهذا فإن من يطمح إلى دور أكبر يجب أن يكون مستعدا أيضا لقبول رقابة أكبر.

وهذا هو المعنى الحقيقي للاستحقاق.

ليس أن تقول إنك تستحق، بل أن تكون مستعدا لإثبات ذلك من خلال العمل والنتائج وتحمل المسؤولية.

إن الدولة الحديثة تحتاج إلى نخب لا تنتظر دائما من يخبرها بما يجب أن تفعل، بل تمتلك القدرة على التفكير واقتراح الحلول. تحتاج إلى أشخاص يعرفون المؤسسات، ويفهمون القوانين، ويستوعبون التحولات التي يعيشها المجتمع والعالم.

كما تحتاج الأحزاب إلى قيادات قادرة على الانتقال من منطق تدبير التنظيم إلى منطق التفكير في المستقبل.

فالمعركة السياسية المقبلة لن تكون فقط معركة أصوات وانتخابات، بل ستكون أيضا معركة كفاءات وقدرة على تقديم أجوبة واقعية عن الأسئلة التي يطرحها المواطن.

كيف نخلق فرص الشغل؟

كيف نحسن المدرسة والمستشفى؟

كيف ندبر الموارد العمومية؟

كيف نواكب التحولات الرقمية؟

كيف نحافظ على الاستقرار ونواجه التحولات الدولية؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى أكثر من خطاب سياسي جيد. تحتاج إلى مسؤولين يمتلكون أدوات الفهم والتحليل واتخاذ القرار.

ولهذا، فإن تجديد النخب لا ينبغي أن يكون مجرد شعار يرفع عند الحاجة. إنه ضرورة مرتبطة بمستقبل الدولة والمجتمع. فكل مرحلة تنتج أسئلتها الخاصة، وكل سؤال جديد يحتاج إلى عقول قادرة على التعامل معه.

والأهم أن الانتقال من الهامش إلى صناعة القرار لا ينبغي أن يفهم باعتباره صراعا مع من يوجد في مواقع المسؤولية اليوم. فالمجال السياسي يتسع لأكثر من جيل وأكثر من تجربة وأكثر من رؤية. والمشكلة ليست في وجود قيادات ذات تجربة، وإنما في غياب المسارات التي تسمح بظهور قيادات جديدة إلى جانبها.

إن التنظيم القوي هو الذي لا يخاف من إنتاج قيادات جديدة.

والحزب الواثق من نفسه هو الذي لا يعتبر صعود الكفاءات تهديدا.

والمؤسسة الحية هي التي تجعل من التجديد جزءا من استمراريتها.

فالمستقبل لا يصنعه شخص واحد، ولا جيل واحد، ولا فكرة واحدة.

يصنعه تراكم التجارب وتكامل الكفاءات وفتح المجال أمام من يثبت أنه قادر على الإضافة.

لقد أصبح من الضروري أن نطرح سؤال النخب بطريقة مختلفة. بدل أن نسأل: من له الحق في الموقع؟ ربما يجب أن نسأل: من هو الأكثر استعدادا لتحمل المسؤولية؟

فالموقع قد يمنح بقرار، لكن القدرة على النجاح فيه لا تمنح.

إنها تبنى عبر سنوات من التعلم والتجربة والعمل والاحتكاك بالواقع.

وعندما تنضج الكفاءات، يصبح من حق المؤسسات أن تستفيد منها، كما يصبح من واجب هذه الكفاءات ألا تهرب من مسؤولية المرحلة.

فليس المطلوب أن ننتظر إلى الأبد.

وليس المطلوب أن نطالب بالمواقع لمجرد المطالبة بها.

المطلوب هو أن نكون مستعدين عندما تأتي لحظة المسؤولية.

لأن السياسة في النهاية ليست مسابقة في الحضور، بل اختبار في القدرة على التأثير الإيجابي.

وحين تنضج الكفاءات، لا يصبح السؤال: هل تبحث عن دور أكبر؟

بل يصبح السؤال الأهم: هل نحن مستعدون لمنحها فرصة للمساهمة في صناعة المستقبل؟

لأن الدول والأحزاب التي تؤمن بمستقبلها لا تترك كفاءاتها على الهامش، ولا تجعل التجديد مجرد شعار، بل تحول المعرفة والتجربة والطموح إلى مسؤوليات، والمسؤوليات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة.

فالكفاءة التي نضجت لا تحتاج إلى من يطلب منها أن تحلم بدور أكبر، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسة تؤمن بأن المستقبل لا يصنعه الانتظار، وإنما تصنعه الفرص التي تمنح لمن أعدوا أنفسهم لتحمل المسؤولية.