المؤثرون في قلب الانتخابات.. سلطة بلا صندوق ولا تفويض

0

د. خديجة الكور
باحثة في علم اجتماع التواصل
لن تُحسم الانتخابات المقبلة في قاعات التجمعات الحزبية واستوديوهات التلفزيون وحدها. جزء كبير من المعركة انتقل إلى شاشة الهاتف التي يحملها المواطن في جيبه، حيث تكفي كاميرا واحدة لتسجيل تجمع سياسي أو تصريح لمرشح، وتحويل ثوانٍ من التصوير إلى محتوى يصل في ساعات إلى مئات الآلاف.
هكذا برز في المشهد السياسي فاعل جديد يصعب تجاهله: المؤثر. ولا تكمن قوته في عدد المؤثرين، الذي يصعب حصره، بقدر ما تكمن في حجم الجمهور الذي يستطيعون الوصول إليه وسرعة انتشار محتوياتهم. وقد بلغ عدد هويات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب نحو 22.8 مليون هوية سنة 2025، بما يجعل الفضاء الرقمي ساحة فعلية للتواصل والتعبئة والتأثير السياسي.
والمؤثر ليس بالضرورة صحفياً، ولا مرشحاً انتخابياً، ولا يمكن اختزاله في صورة المواطن العادي الذي يعبر عن رأيه. قد يكون مقاولاً أو صانع محتوى أو ناشطاً أو شخصية اكتسبت شعبية واسعة على المنصات الرقمية، لكنه يمتلك رأسمالاً جديداً في السياسة المعاصرة: الجمهور والثقة. فالمتابع لا يتعامل معه كما يتعامل مع وسيلة إعلام تقليدية، بل يراه شخصاً قريباً منه، يتابعه يومياً ويعرف طريقته في الحديث ومواقفه. ولذلك تصل الرسالة السياسية عبره بطريقة مختلفة عن وصولها عبر بيان حزبي أو برنامج انتخابي أو نشرة إخبارية.
ومن هنا تبدأ إحدى التحولات العميقة التي أحدثها الفضاء الرقمي في الحياة السياسية. فقراءة برنامج انتخابي تحتاج إلى وقت، وفهم تفاصيل السياسات العمومية يحتاج إلى معرفة ومقارنة، بينما لا يحتاج الفيديو القصير إلا إلى ثوانٍ لجذب الانتباه. جملة قوية تصبح مقطعاً، والمقطع يتحول إلى نقاش، وقد يصبح النقاش نفسه حدثاً سياسياً. والمشكلة أن الخوارزميات لا تكافئ بالضرورة الحجة الأكثر عمقاً، وإنما ما يثير الانتباه والتفاعل. لذلك يكون الغضب والاستفزاز أسرع انتشاراً من شرح معقد حول التشغيل أو العدالة الضريبية أو السياسات الاجتماعية، ويبرز خطر انتقال التنافس من المشاريع والبرامج إلى الصور والانطباعات.
بل إن التجمع الانتخابي نفسه لم يعد مجرد حدث سياسي، وإنما أصبح مادة لصناعة المحتوى. والمؤثر هو الذي يختار ما يصور، وما ينشر، وأي جملة يقتطع، وبأي عنوان وزاوية. وهكذا لا يكتفي بنقل الحدث، بل يشارك في صناعة الرواية التي تصل إلى الجمهور، ويصبح جزءاً من عملية تشكيل الصورة السياسية للمرشح والحزب والقضية.
وإذا كان هذا التحول قد فرض نفسه بقوة على الممارسة السياسية، فإن الإطار القانوني لم يواكب بالسرعة نفسها هذا الواقع الجديد. فالمؤثرون في المغرب يخضعون للقواعد العامة، دون منظومة قانونية متكاملة تحدد طبيعة نشاطهم ومسؤولياتهم، في حين اختارت فرنسا، منذ سنة 2023، وضع إطار قانوني خاص بنشاط التأثير التجاري، يحدد مفهوم المؤثر ويفرض الشفافية بشأن المحتويات المدفوعة ويرتب عقوبات على بعض المخالفات. وقد يكون هذا الفراغ التنظيمي قابلاً للنقاش في المجال التجاري، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما ينتقل المؤثر إلى الحقل الانتخابي، لأن الأمر لا يتعلق هنا ببيع سلعة، وإنما بالتأثير في اختيار المواطن.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ التعامل مع جميع المؤثرين باعتبارهم خطراً على الديمقراطية. فبعضهم يقوم بدور إيجابي في تبسيط القضايا السياسية، ومساءلة المسؤولين، وتقريب النقاش العمومي من فئات لا تتابع الإعلام التقليدي. لكن المسألة تتغير عندما يدخل المؤثر بصورة مباشرة في الحملة الانتخابية. عندها تصبح أسئلة التمويل والعلاقات السياسية ضرورية: من يمول نشاطه؟ هل تربطه علاقة مالية بحزب أو مرشح؟ هل ما يقدمه تعبير عن قناعة شخصية أم جزء من حملة مدفوعة؟ وهل يعرف المتابع ذلك؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلاً، لأن المرشح والحزب ووسيلة الإعلام معروفو الهوية وتخضع أنشطتهم لقواعد محددة، بينما قد يتحرك المؤثر في منطقة رمادية يصعب فيها التمييز بين الرأي الشخصي والإشهار والتواصل السياسي. والأخطر أنه يستطيع، من دون أن يكون منتخباً، أن يصنع صورة مرشح، أو يضعف صورة منافسه، أو يفرض موضوعاً على النقاش العام. أي أنه يمارس تأثيراً سياسياً واسعاً من دون تفويض سياسي مباشر.
وإذا كان هذا هو واقع التأثير الرقمي اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح أمامه مستوى أكثر تعقيداً. صوت يمكن تقليده، وصورة يمكن تغييرها، وفيديو يمكن تركيبه ليظهر مرشح في واقعة لم تحدث أصلاً. ومع تطور هذه الأدوات، أصبحت صناعة المحتوى المضلل أسرع وأرخص وأكثر قدرة على الانتشار. وهنا تصبح نزاهة الانتخابات قضية تكنولوجية أيضاً، لأن التضليل لا يستهدف سمعة الأشخاص فقط، بل يمكن أن يمس مباشرة حرية إرادة الناخب. وقد بدأت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في إدخال مسألة المحتويات المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي ضمن النقاش المرتبط بالاستحقاقات المقبلة، لكن سرعة التطور الرقمي تفرض الانتقال من رد الفعل إلى تنظيم استباقي.
ولا يعني ذلك إقامة شرطة للرأي أو منع المواطن من التعبير عن تأييده لمرشح أو حزب. فحرية التعبير تظل قاعدة أساسية في الديمقراطية، لكنها لا تتناقض مع الشفافية. المطلوب ليس مراقبة ما يفكر فيه المؤثر، وإنما تنظيم ما يقف وراء تأثيره، من خلال وضع إطار قانوني واضح لنشاطه، والتصريح بكل محتوى انتخابي مؤدى عنه ووسمه بعلامة واضحة، وإلزامية وسم المحتوى الانتخابي الذي ينتجه أو يعدله الذكاء الاصطناعي.
كما تبرز الحاجة إلى آلية للشفافية المالية تكشف العلاقات بين المؤثرين والأحزاب والمرشحين، وتتيح تتبع الإنفاق الرقمي، إلى جانب تعاون دائم بين الهيئات المكلفة بالإشراف على الانتخابات والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والمنصات الرقمية، خصوصاً خلال الحملات الانتخابية، حتى لا تصبح سرعة انتشار المحتوى المضلل أسرع من قدرة المؤسسات على التحقق والتصحيح.
لقد كانت وسائل إعلام محدودة تحدد، إلى وقت قريب، جزءاً كبيراً من الأجندة العمومية، أما اليوم فقد أصبحت القدرة على التأثير موزعة بين آلاف الحسابات والمنصات والأشخاص. وهذه التحولات يمكن أن تكون فرصة ديمقراطية حقيقية، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً لا يمكن تأجيله: لا يمكن أن نطالب الحزب والمرشح ووسيلة الإعلام بدرجات عالية من الشفافية والمساءلة، ثم نترك إلى جانبهم مجالاً واسعاً للتواصل السياسي الرقمي يصعب معرفة مصادره وتمويله.
فالمسألة ليست في مراقبة المؤثرين، وإنما في جعل تأثيرهم قابلاً للفهم والمساءلة. وحين يستطيع مؤثر، خلال ساعات، الوصول إلى جمهور يوازي أو يتجاوز جمهور وسيلة إعلام كبرى، فإنه يصبح، شئنا أم أبينا، فاعلاً في العملية الانتخابية. وتجاهله لم يعد يحمي الديمقراطية، بل قد يترك إحدى أهم ساحات صناعة الرأي العام خارج دائرة التنظيم والنقاش المؤسساتي.
المطلوب ليس تكميم صوته، وإنما معرفة من يؤثر في من، وبأي وسائل، ولأي غاية، ومن يدفع ثمن هذا التأثير. فالانتخابات المقبلة لن تكون اختباراً للأحزاب والمرشحين وحدهم، بل ستكون أيضاً اختباراً لقدرة الديمقراطية المغربية على التعامل مع فضاء رقمي جديد تتداخل فيه السياسة بالإعلام، والرأي بالإشهار، والمعلومة بالمحتوى المصطنع.
فالشفافية ليست قيداً على الديمقراطية، بل شرطاً لحمايتها.