الدولة الاجتماعية تبدأ من الإدارة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

حين نتحدث عن الدولة الاجتماعية، غالبا ما تتجه الأنظار إلى حجم الميزانيات المرصودة، وعدد البرامج الاجتماعية، وأعداد المستفيدين من الدعم والتغطية الصحية، وإلى المشاريع والاستراتيجيات التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. وكل ذلك مهم، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأكثر ارتباطا بحياة المواطن: كيف يشعر المواطن بالدولة الاجتماعية في حياته اليومية؟

الجواب يبدأ من مكان بسيط وقريب: الإدارة.

فالمواطن لا يلتقي الدولة فقط في المؤسسات الدستورية الكبرى، ولا يتعرف عليها من خلال الخطابات والبرامج الحكومية، وإنما يلتقيها يوميا في المستشفى، وفي المدرسة، وفي الجماعة الترابية، وفي مراكز الخدمات، وفي الإدارات العمومية، وفي كل مكان يحتاج فيه إلى وثيقة أو خدمة أو حق من حقوقه.

ولهذا فإن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تكتمل بمجرد إطلاق البرامج، بل تحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل هذه البرامج إلى خدمات حقيقية، وإلى حقوق يشعر بها المواطن دون تعقيد أو إذلال أو انتظار غير مبرر.

لقد وضع المغرب خلال السنوات الماضية أسسا مهمة لبناء الدولة الاجتماعية، سواء من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، أو الدعم الاجتماعي المباشر، أو إصلاح منظومة الصحة، أو تطوير الإدارة الرقمية، أو تبسيط المساطر. وهي أوراش تعكس تحولا في تصور علاقة الدولة بالمواطن، من منطق المساعدة الظرفية إلى منطق الحقوق والحماية والعدالة الاجتماعية.

لكن قوة أي مشروع اجتماعي لا تقاس فقط بجودة الرؤية التي انطلق منها، وإنما بقدرة المؤسسات المكلفة بتنزيله على الوصول إلى المواطن.

وهنا تبدأ أهمية الإدارة.

فإذا كانت الدولة تمنح المواطن حقا اجتماعيا، ثم وجد نفسه أمام مساطر معقدة للحصول عليه، فإن جزءا من قيمة هذا الحق يضيع. وإذا تم إطلاق برنامج صحي طموح، لكن المواطن ظل يواجه صعوبة في الحصول على العلاج أو الموعد أو الدواء، فإن المشكلة لم تعد في الرؤية، وإنما في القدرة على التنفيذ. وإذا تم تبسيط المساطر على الورق، بينما تظل الممارسة اليومية داخل بعض الإدارات أسيرة الوثائق والإجراءات والانتظار، فإن الإصلاح لم يصل بعد إلى غايته الحقيقية.

الدولة الاجتماعية تحتاج إذن إلى إدارة اجتماعية في فلسفتها، فعالة في أدائها، وإنسانية في تعاملها.

وهذه ليست مسألة تقنية صغيرة، بل قضية مرتبطة بجوهر الدولة الحديثة.

فالمواطن عندما يدخل إلى الإدارة لا يدخل إليها بصفته رقما في نظام معلوماتي، ولا ملفا يحمل رقما، ولا طلبا ينتظر التأشير عليه. إنه يدخل إليها باعتباره مواطنا له حقوق، وله كرامة، وله وقت، وله حق في أن يحصل على الخدمة العمومية في ظروف تحترم إنسانيته.

وهنا يصبح احترام كرامة المواطن جزءا من مفهوم الدولة الاجتماعية.

فالعدالة الاجتماعية لا تعني فقط أن يحصل المواطن على الدعم، وإنما تعني أيضا أن يحصل عليه بعدالة ووضوح وسرعة. ولا تعني فقط أن يكون العلاج متاحا، وإنما أن يكون الولوج إليه ممكنا وفعالا. ولا تعني فقط أن تكون الخدمة العمومية موجودة، وإنما أن تكون جودتها متقاربة بين المدن والقرى والمناطق المختلفة.

ومن هنا تبرز مسألة العدالة المجالية.

لا يمكن أن نتحدث عن دولة اجتماعية مكتملة إذا كان المواطن في المركز الحضري يحصل على خدمات أفضل بكثير من المواطن في العالم القروي، أو إذا ظلت بعض المناطق تعاني نقصا في الأطر والتجهيزات والخدمات الأساسية. الدولة الاجتماعية في معناها العميق هي التي تجعل مكان إقامة المواطن أقل تأثيرا في قدرته على الوصول إلى حقوقه.

وهذا يتطلب إدارة قادرة على التفكير بمنطق المجال، وليس فقط بمنطق المركز.

لقد أصبح من الضروري أن تنتقل الإدارة من ثقافة تدبير الملفات إلى ثقافة تدبير النتائج. فالنجاح الإداري لا ينبغي أن يقاس بعدد الوثائق التي تمت معالجتها، أو بعدد الاجتماعات التي عقدت، أو بعدد المراسلات التي تم إرسالها، وإنما بما إذا كان المواطن قد حصل فعلا على الخدمة التي جاء من أجلها.

وهنا تكمن أهمية التقييم.

كل سياسة اجتماعية تحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس أثرها. وكل إدارة تحتاج إلى آليات لتقييم أدائها. وكل مسؤول ينبغي أن يعرف ما الذي حققه، وما الذي لم يحققه، ولماذا.

فالادارة التي لا تقيس نتائجها قد تنشغل بالإجراءات وتنسى الغاية.

والإجراء وسيلة، وليس غاية.

والوثيقة وسيلة، وليس غاية.

والمنصة الرقمية وسيلة، وليست غاية.

والاجتماع وسيلة، وليس غاية.

الغاية هي المواطن.

وهذه الفكرة البسيطة هي التي ينبغي أن تكون في قلب إصلاح الإدارة.

فالدولة الاجتماعية ليست دولة تقدم للمواطن شيئا ثم تطلب منه أن يثبت في كل مرة أنه يستحقه، وإنما هي دولة تنظم الحقوق بطريقة واضحة، وتبني منظومة مؤسساتية تجعل الوصول إليها أمرا طبيعيا وليس رحلة من التعقيدات.

ومن هنا أيضا تأتي أهمية الرقمنة.

فالتحول الرقمي يمكن أن يكون فرصة تاريخية لتغيير العلاقة بين المواطن والإدارة، إذا تم استخدامه لتقليل المساطر والوقت والاحتكاك غير الضروري بالإدارة. أما إذا تحولت الرقمنة إلى مجرد نقل للبيروقراطية من الورق إلى الشاشة، فإن المشكلة ستبقى قائمة، وإن تغير شكلها.

المطلوب ليس إدارة رقمية فقط، بل إدارة ذكية.

إدارة تعرف حاجات المواطن، وتستبق مشكلاته، وتتبادل المعطيات بين مؤسساتها، وتقلل من الوثائق التي يطلبها المواطن أكثر من مرة، وتحترم الآجال، وتوفر المعلومة، وتتيح التظلم والمساءلة.

وهذا يقودنا إلى مسألة الثقة.

إن المواطن لا يبني ثقته في الدولة من خلال الشعارات وحدها، وإنما من خلال التجربة اليومية. قد يقرأ خطابا عن العدالة الاجتماعية، لكنه سيحكم عليها من خلال المستشفى الذي دخله، والمدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، والإدارة التي قصدها، والمدة التي انتظرها، والطريقة التي عومل بها.

الثقة في الدولة تبدأ إذن من التفاصيل الصغيرة.

من موظف يحترم المواطن.

من إدارة تجيب في الوقت المناسب.

من مسطرة واضحة.

من خدمة لا تتطلب عشر زيارات.

من مسؤول يتحمل مسؤوليته.

ومن مؤسسة تقول للمواطن الحقيقة عندما يتعذر عليها تحقيق طلبه، بدلا من تركه في حالة انتظار مفتوحة.

وهنا يتضح أن إصلاح الإدارة ليس ملفا إداريا محضا، وإنما هو جزء من بناء الشرعية الديمقراطية للدولة.

فكلما كانت المؤسسات أكثر نجاعة، كان المواطن أكثر استعدادا للثقة فيها. وكلما كانت الخدمات أكثر عدالة، أصبحت الدولة الاجتماعية أكثر حضورا في الواقع. وكلما أصبحت الإدارة أكثر شفافية ومساءلة، تراجعت المسافة بين المواطن والمؤسسة.

لكن الدولة الاجتماعية تحتاج أيضا إلى موظف عمومي مؤهل ومحفز.

لا يمكن مطالبة الإدارة بالنجاعة دون الاستثمار في مواردها البشرية. الموظف الذي يتحمل ضغطا كبيرا، ويعمل في ظروف صعبة، ولا يحصل على التكوين المستمر، لن يستطيع وحده أن يصنع إدارة حديثة.

إصلاح الإدارة يبدأ أيضا من إصلاح شروط العمل داخلها، ومن تكوين الموظفين، وتطوير مهاراتهم، وربط المسؤولية بالتقييم، وتشجيع المبادرة، ومحاربة ثقافة الخوف من القرار.

فالإدارة التي تخاف من اتخاذ القرار تتحول إلى إدارة تؤجل القرار.

والإدارة التي تؤجل القرار تجعل المواطن يدفع ثمن الانتظار.

وهكذا تتحول البيروقراطية من مشكلة داخل الإدارة إلى مشكلة اجتماعية تمس حياة الناس.

إن الدولة الاجتماعية تحتاج إلى إدارة تمتلك شجاعة الحل، لا فقط القدرة على تطبيق الإجراءات.

وهنا تحديدا يجب أن نعيد التفكير في مفهوم المسؤولية الإدارية. المسؤول ليس فقط من يحترم المسطرة، بل من يستطيع أيضا أن يجد الحل القانوني والمؤسساتي للمشكلة دون أن يحول القانون إلى ذريعة لتعطيل مصالح المواطنين.

فاحترام القانون لا يعني الجمود، كما أن المرونة لا تعني خرق القانون.

الدولة الحديثة هي التي تجعل القانون أداة لتحقيق العدالة والنجاعة، وليس حاجزا أمامهما.

ولهذا فإن بناء الدولة الاجتماعية يقتضي أيضا مراجعة مستمرة للمساطر التي أصبحت متجاوزة، وإلغاء ما لا ضرورة له، وتوحيد الإجراءات، وتوضيح الاختصاصات، وتقوية التنسيق بين المؤسسات.

إن المواطن لا يهمه من المسؤول عن الملف بقدر ما يهمه أن يحل الملف.

وهذه قاعدة بسيطة لكنها عميقة في فلسفة الإدارة الحديثة.

فإذا كان المواطن يضطر إلى الانتقال بين عدة إدارات للحصول على خدمة واحدة، فهناك خلل في تصميم الخدمة، وليس بالضرورة في المواطن.

وإذا كانت المؤسسات تتوفر على المعلومات نفسها لكنها تطلب من المواطن تقديمها مرة أخرى، فالمشكلة في التنسيق وليس في المواطن.

وإذا كان المواطن لا يعرف أين وصل ملفه، فالمشكلة في الشفافية وليس في صبره.

هذه التفاصيل هي التي تصنع صورة الدولة في ذهن المواطن.

ولهذا فإن الدولة الاجتماعية لا تحتاج فقط إلى سياسات اجتماعية، بل إلى **هندسة مؤسساتية جديدة** تجعل هذه السياسات أكثر قربا من الناس وأكثر قدرة على تحقيق النتائج.

إن الورش الاجتماعي الكبير الذي يعرفه المغرب يستحق إدارة توازي طموحه.

إدارة لا تكتفي بتنفيذ التعليمات، وإنما تفهم الغاية من السياسات.

إدارة لا تقيس نجاحها بعدد الملفات، وإنما بعدد المشاكل التي تم حلها.

إدارة لا ترى المواطن مصدر إزعاج، وإنما تعتبره معيار وجودها.

إدارة لا تخاف من التقييم، وإنما تعتبره وسيلة لتحسين الأداء.

إدارة لا تختبئ خلف المساطر، وإنما تستخدم القانون لتقديم خدمة عادلة وفعالة.

وفي النهاية، إذا أردنا أن نقيس مدى تقدم الدولة الاجتماعية في المغرب، فعلينا ألا نكتفي بقراءة الأرقام والمؤشرات الكبرى، بل علينا أن نسأل المواطن نفسه.

هل أصبحت حياته أسهل؟

هل أصبح الوصول إلى حقه أسرع؟

هل أصبحت الخدمة العمومية أكثر جودة؟

هل يشعر أن الإدارة تحترم وقته وكرامته؟

هل أصبح قادرا على الحصول على حقه دون وساطة أو تعقيد؟

هذه الأسئلة قد تكون أكثر صدقا من عشرات التقارير.

فالدولة الاجتماعية تبدأ من القرار السياسي، وتجد أساسها في القانون، وتحصل على مواردها من الميزانية، لكنها لا تصل إلى المواطن إلا عبر الإدارة.

ولهذا فإن إصلاح الإدارة ليس ورشا موازيا للدولة الاجتماعية، بل هو أحد شروط نجاحها.

فإذا كانت الدولة تريد أن تكون اجتماعية في أهدافها، فعليها أن تكون فعالة في إدارتها، عادلة في خدماتها، قريبة من مواطنيها، وسريعة في الاستجابة لحاجاتهم.

الدولة الاجتماعية تبدأ من الإدارة، لأن المواطن لا يلمس الدولة في النصوص وحدها، وإنما يلمسها في الطريقة التي تعامل بها مع حقوقه.