23 شتنبر… يوم التعاقد مع المستقبل
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
اليوم، 23 شتنبر، لا تنتهي الحملة الانتخابية فقط، بل تبدأ اللحظة الأكثر جدية في الممارسة الديمقراطية: لحظة الاختيار، ثم لحظة الالتزام. فبعد أسابيع من البرامج والخطابات والوعود، يأتي يوم الاقتراع ليضع السياسة أمام حقيقتها الأولى: ماذا نريد من ممثلينا؟ وماذا ننتظر منهم خلال السنوات المقبلة؟ وكيف يمكن أن تتحول الثقة التي يمنحها المواطن إلى تعاقد واضح بين الناخب ومن اختاره؟
من هذه الزاوية، يكتسب مفهوم التعاقد الحركي دلالته السياسية، باعتباره محاولة للانتقال من منطق الوعود الانتخابية العابرة إلى منطق الالتزام السياسي القابل للتتبع والمساءلة. فالتعاقد الحقيقي لا يقوم على أن يطلب السياسي ثقة المواطن ثم يختفي خلفها، وإنما على أن يقدم رؤية واضحة، وأولويات محددة، وأن يظل مستعدا للحساب أمام المواطنين على ما تحقق وما لم يتحقق.
التعاقد السياسي، في جوهره، يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة كثيرا ما تضيع وسط ضجيج الانتخابات: المواطن ليس مجرد صوت يحتاج إليه المرشح يوم الاقتراع، وإنما شريك في صناعة السياسات العمومية. صوته يمنح الشرعية، لكن هذه الشرعية تقابلها مسؤولية. ومن هنا تصبح العلاقة بين المنتخب والمواطن علاقة تتجاوز يوم التصويت إلى سنوات من العمل والمتابعة والتقييم.
ولذلك فإن التعاقد الحركي، كما يقدم نفسه، يضع مفهوم الإنصاف في قلب النقاش. الإنصاف بين القرية والمدينة، بين المركز والهامش، بين المجالات التي استفادت من فرص التنمية والمناطق التي ما زالت تنتظر نصيبها العادل منها، وبين المواطن الذي تتوفر أمامه فرص متعددة والمواطن الذي لا يزال يبحث عن أول فرصة حقيقية.
وهذا الإنصاف لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار انتخابي. قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى اختيارات في الميزانية، وسياسات في التعليم والصحة والشغل، واستثمارات في البنيات الأساسية، وعدالة في توزيع الفرص، وحضور فعلي للدولة في مختلف المجالات الترابية. فالسياسة الاجتماعية والتنمية المجالية لا تقاسان بعدد الشعارات، وإنما بما يصل فعلا إلى حياة المواطن اليومية.
ومن هنا أيضا تأتي أهمية الكفاءة. فالتعاقد مع المواطن لا يمكن أن يقوم فقط على النوايا الحسنة، وإنما يحتاج إلى أشخاص قادرين على فهم تعقيدات الدولة والمؤسسات والاقتصاد والمجتمع، وعلى تحويل المطالب إلى مقترحات قابلة للتنفيذ. فالتمثيل النيابي ليس مجرد حضور رمزي، وإنما مسؤولية تشريعية ورقابية وسياسية تتطلب المعرفة والخبرة والقدرة على الدفاع عن المصلحة العامة.
ولعل ما يعطي لفكرة التعاقد السياسي معناها الأعمق هو أنها تنقل النقاش من سؤال: “من سنختار؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “على ماذا سنتعاقد؟” فالديمقراطية لا ينبغي أن تختزل في اختيار الأشخاص، وإنما يجب أن تكون أيضا اختيارا للأولويات والرؤى والبرامج. وعندما يعرف المواطن ما الذي يقترحه المنتخب، وما هي التزاماته، يصبح قادرا بعد سنوات على أن يسأل السؤال المشروع: ماذا تحقق من هذا التعاقد؟
هنا تحديدا تلتقي فكرة التعاقد مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالذي يطلب ثقة المواطن ينبغي أن يكون مستعدا لتحمل مسؤولية هذه الثقة. والذي يقدم برنامجا ينبغي أن يقبل تقييمه. والذي يرفع شعار الإنصاف ينبغي أن يكون قادرا على الدفاع عنه داخل المؤسسات وخارجها. وبذلك تتحول الانتخابات من لحظة لمنح الثقة إلى بداية لمسار من المسؤولية السياسية.
كما أن التعاقد الحركي، في دلالته السياسية، يطرح مسألة تجديد النخب والوجوه. فالمغرب يحتاج إلى سياسة قادرة على استيعاب طاقات جديدة، وإلى جيل من المنتخبين الذين يجمعون بين القرب من المواطن والقدرة على العمل المؤسساتي. فالقرب من الناس مهم، لكنه لا يكفي وحده، والكفاءة مهمة، لكنها تحتاج بدورها إلى حس اجتماعي ومعرفة حقيقية بانتظارات المجتمع.
إن قيمة أي تعاقد سياسي لا تظهر في يوم توقيعه، وإنما في اليوم الذي يصبح فيه المواطن قادرا على محاسبة من تعاقد معه. ولذلك فإن 23 شتنبر ليس نهاية القصة، بل بدايتها. فمن الغد تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل ستتحول البرامج إلى سياسات؟ هل ستصل الوعود إلى المواطن؟ هل سيكون الإنصاف الترابي أولوية فعلية؟ وهل ستظل العلاقة مع المواطن قائمة على التواصل والمسؤولية والمكاشفة؟
وفي هذا المعنى، فإن التعاقد الحركي يضع السياسة أمام اختبار مختلف: اختبار الانتقال من منطق الاستمالة إلى منطق الالتزام، ومن منطق الوعد إلى منطق الإنجاز، ومن منطق الانتخابات إلى منطق المحاسبة.
اليوم، يختار المواطن من يراه قادرا على تمثيله، وغدا يبدأ امتحان من اختارهم المواطن. وهذه هي القاعدة التي تجعل الديمقراطية أكبر من صندوق الاقتراع: أن تكون هناك ذاكرة للوعود، ومتابعة للبرامج، ومحاسبة على النتائج، واحترام للثقة التي منحها الناس.
فالمغرب الذي نريده لا يحتاج فقط إلى انتخابات متعاقبة، بل إلى ثقافة سياسية تجعل كل انتخابات فرصة لتجديد التعاقد بين المجتمع ومؤسساته. وتلك هي القيمة الأعمق لأي مشروع يريد أن يجعل المواطن في قلب السياسة: أن يعرف المواطن ما له، وأن يعرف المنتخب ما عليه، وأن يصبح المستقبل مجالا للتعاقد لا مجرد مساحة للانتظار.
23 شتنبر يوم اختيار، لكن التعاقد يبدأ بعد الاختيار. ومن يمنح صوته يمنح معه ثقة، ومن يطلب هذه الثقة عليه أن يعرف أن وراءها مسؤولية، وأن وراء المسؤولية محاسبة، وأن وراء المحاسبة وطنا ينتظر من السياسة أكثر من الكلام.