التعاقد الحركي بعد 23 شتنبر: من ثقة الناخب إلى مسؤولية الإنجاز
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
انتهى يوم الاقتراع، وأعلنت النتائج المؤقتة، وأعيد رسم جزء مهم من الخريطة السياسية المغربية. لكن الانتخابات، في معناها السياسي العميق، لا تنتهي بإعلان النتائج، بل تبدأ بعده مرحلة أكثر جدية: ماذا سنفعل بالثقة التي وضعت في صناديق الاقتراع؟ وكيف ستتحول البرامج التي قدمت للمواطنين إلى سياسات عمومية وقرارات ونتائج ملموسة؟
بالنسبة للحركة الشعبية، فإن حصولها على 29 مقعدا في مجلس النواب الجديد، مقابل 28 مقعدا في الانتخابات السابقة، لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره رقما انتخابيا، وإنما باعتباره مسؤولية سياسية جديدة داخل خريطة برلمانية أعادت ترتيب موازين القوى وفتحت احتمالات متعددة أمام تشكيل الأغلبية المقبلة.
وهنا تحديدا يبدأ الامتحان الحقيقي للتعاقد الحركي.
فالتعاقد الحركي لم يكن مجرد عنوان لحملة انتخابية، ولا صيغة للتواصل مع الناخبين خلال أسابيع المنافسة، وإنما قدم باعتباره رؤية لعلاقة مختلفة بين المواطن والسياسة: المواطن يعرف ما الذي يقترح عليه، والحزب يعرف ما الذي يلتزم به، وبعد ذلك تصبح النتائج معيارا للحكم على مدى الوفاء بهذا الالتزام.
ولهذا فإن السؤال بعد 23 شتنبر لم يعد: كم حصلت الحركة الشعبية من المقاعد؟ بل أصبح: ماذا ستفعل بهذه المقاعد؟
فالانتخابات تمنح الأحزاب وزنا داخل المؤسسة التشريعية، لكنها لا تمنحها شيكا على بياض. والمقعد البرلماني ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لممارسة التشريع والرقابة والدفاع عن قضايا المواطنين والتأثير في السياسات العمومية. ومن هنا تصبح قيمة النتيجة مرتبطة بقدرة الحزب على تحويل الثقة الانتخابية إلى أثر سياسي واجتماعي ملموس. وهذا بالضبط ما تؤكده القراءة السياسية المرفقة: القيمة الحقيقية لأي تموقع مقبل للحركة لا تختزل في عدد الحقائب أو موقعها داخل الحكومة، وإنما في قدرتها على تحويل جزء من تعاقدها الانتخابي إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
لقد تحدث التعاقد الحركي عن الإنصاف، وعن العالم القروي والمناطق الجبلية، وعن القدرة الشرائية والطبقة الوسطى، وعن التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية. واليوم لم تعد هذه العناوين مجرد عناصر في برنامج انتخابي، وإنما أصبحت أمام اختبار المؤسسات. فالمواطن الذي منح ثقته يريد أن يرى كيف ستتحول هذه الأولويات إلى مواقف تشريعية، ومقترحات، وترافع سياسي، وربما إلى التزامات حكومية إذا اختارت المؤسسات الحزبية المشاركة في الحكومة.
وهنا ينبغي أن يكون واضحا أن الحكومة ليست غاية في ذاتها، كما أن المعارضة ليست هروبا من المسؤولية. كلا الموقعين يمكن أن يكونا مجالا للفعل السياسي وخدمة المواطنين، والمعيار ليس اسم الموقع وإنما حجم التأثير والقدرة على الوفاء بالالتزامات. فالقراءة التي أعددت حول نتائج الانتخابات تضع المسألة في صيغة دقيقة: ما الموقع الذي يسمح للحركة الشعبية بأن تكون أكثر وفاء بالتزاماتها وأكثر قدرة على خدمة المواطنين؟
وهذا هو جوهر التعاقد السياسي الذي ينبغي أن نتمسك به بعد الانتخابات: لا مشاركة بأي ثمن، ولا معارضة لمجرد المعارضة، ولا اصطفاف مسبق قبل معرفة طبيعة العرض السياسي والبرنامجي. المطلوب هو أن يكون القرار مبنيا على البرنامج، والانسجام، والقدرة على الإنجاز، واستقلالية القرار الحزبي.
والخريطة الجديدة نفسها تفرض هذا النوع من التفكير. فالنتائج المؤقتة أفرزت تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، ثم الحركة الشعبية بـ29 مقعدا، فيما توزعت بقية المقاعد على عدد من القوى السياسية. وبنسبة مشاركة وطنية في حدود 38.02 في المائة، فإن الرسالة التي لا ينبغي أن تضيع وسط صراع الأرقام هي أن الثقة السياسية تحتاج إلى أن تتجدد بالإنجاز.
لذلك فإن المرحلة المقبلة ليست سباقا نحو الحقائب، وإنما اختبارا لنوعية التعاقد الذي ستقوم عليه الحكومة المقبلة. فالمطلوب ليس فقط أغلبية عددية قادرة على تجاوز عتبة 198 نائبا، وإنما أغلبية سياسية وبرنامجية تعرف لماذا اجتمعت، وما الذي تريد إنجازه، وكيف ستقيس نتائجها أمام المواطنين.
وفي هذا السياق، يمكن للحركة الشعبية أن تدخل مرحلة المشاورات من موقع سياسي واضح: انفتاح دون استعجال، استقلالية دون انغلاق، واستعداد لتحمل المسؤولية دون تحويل المشاركة الحكومية إلى غاية في ذاتها. وهذه ليست فقط صيغة للتفاوض، وإنما تعبير عن نضج سياسي يضع البرنامج قبل الموقع، والمصلحة العامة قبل الحسابات الظرفية.
إن ما بعد 23 شتنبر هو الذي سيعطي للتعاقد الحركي معناه الحقيقي. ففي الانتخابات يكون المواطن هو صاحب القرار، وبعد الانتخابات يصبح المنتخب أمام امتحان الوفاء. هناك تبدأ الأسئلة الصعبة: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ ما الذي تم الدفاع عنه؟ وما الذي تغير فعلا في حياة الناس؟
وهنا تحديدا تنتقل السياسة من شرعية الصندوق إلى شرعية الإنجاز.
فالناخب يستطيع أن يمنح الثقة مرة، لكن لا يمكن لأي حزب أن يطلب من المواطن أن يثق به إلى الأبد دون أن يقدم نتائج. الثقة السياسية ليست رصيدا دائما، وإنما رأسمال يتجدد كلما أثبتت المؤسسات والأحزاب أنها قادرة على العمل والإنجاز والإنصات والتصحيح.
إن الحركة الشعبية تدخل المرحلة الجديدة وهي مطالبة بأن تجعل من 29 مقعدا أكثر من مجرد حضور عددي داخل البرلمان. عليها أن تجعل منه قوة اقتراح، وقوة ترافع، وقوة تأثير، وأن تجعل من التعاقد الحركي مرجعية عملية تقاس عليها المواقف والاختيارات. فالقيمة السياسية للمقاعد لا تقاس فقط بعددها، وإنما بما تستطيع أن تنتجه من أثر في السياسات العمومية.
لقد انتهت الانتخابات، لكن السياسة الحقيقية تبدأ الآن.
ومن هنا فإن الوفاء للتعاقد الحركي لا يكون بتكرار شعارات الحملة، وإنما بتحويلها إلى ممارسة مؤسساتية. الإنصاف يجب أن يصبح سياسة، والدفاع عن العالم القروي يجب أن يصبح ترافعا وقرارات، وتحسين التعليم والصحة والتشغيل يجب أن يتحول إلى أولويات قابلة للقياس، وحماية القدرة الشرائية يجب أن تجد طريقها إلى السياسات العمومية.
التعاقد الحركي بعد 23 شتنبر ليس وعدا جديدا، بل مسؤولية جديدة. وما منحته صناديق الاقتراع من ثقة، لا يحفظه الخطاب، وإنما يحفظه الوفاء، ولا يثبت شرعيته عدد المقاعد، وإنما يثبتها الإنجاز.