ما بعد صناديق الاقتراع: المغرب أمام اختبار التوازن السياسي

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد محطة لتجديد مجلس النواب، بل شكلت لحظة جديدة في مسار إعادة ترتيب المشهد السياسي المغربي. فقد أفرز الاقتراع موازين قوى مختلفة، وفتح الباب أمام مرحلة لا يمكن أن تختزل في سؤال تشكيل الحكومة، لأن ما هو مطروح اليوم يتجاوز توزيع الحقائب والمواقع إلى طبيعة التوازن السياسي الذي ستقوم عليه المرحلة المقبلة.

فالانتخابات تحسم جزءا من المعادلة، لكنها لا تقدم وحدها جوابا عن كيفية إدارة المرحلة. النتائج تحدد الأحجام داخل المؤسسة التشريعية، أما السياسة فتبدأ عندما يتعين تحويل هذه الأحجام إلى ترتيبات مؤسساتية قادرة على إنتاج القرار، وضمان الاستقرار، وتأمين القدرة على تنفيذ السياسات العمومية.

ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عن مرحلة الحملة الانتخابية. خلال الانتخابات كان التنافس يدور حول البرامج والمرشحين والرسائل السياسية، أما الآن فقد انتقل النقاش إلى مستوى آخر: كيف ستتعامل الأحزاب مع النتائج التي أفرزها الناخبون؟ وكيف ستترجم الخريطة الجديدة إلى أغلبية قادرة على العمل، ومعارضة قادرة على المراقبة، وبرلمان قادر على ممارسة أدواره الدستورية؟

هذا الانتقال هو في حد ذاته اختبار للنضج السياسي.

فالأغلبية المقبلة، أيا كانت تركيبتها، لن تكون مطالبة فقط بتأمين العدد الضروري داخل مجلس النواب، بل ستكون مطالبة ببناء قدر من الانسجام السياسي يسمح لها باتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته. فالتحالفات البرلمانية قد تبدأ بالحسابات العددية، لكنها لا تستمر من دون حد أدنى من التوافق حول الأولويات الكبرى وطريقة تدبير الاختلاف داخلها.

وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين أغلبية لتشكيل الحكومة وأغلبية قادرة على الحكم. الأولى مسألة حسابية، أما الثانية فهي مسألة سياسية ومؤسساتية. وقد تستطيع عدة أحزاب أن تصل إلى الرقم المطلوب لتشكيل أغلبية، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أنها تمتلك التصور نفسه حول الاقتصاد أو العدالة الاجتماعية أو الإصلاح الإداري أو التنمية الترابية.

لذلك فإن النقاش حول الحكومة المقبلة ينبغي ألا يبدأ من سؤال الحقائب، بل من سؤال الأولويات. ما الذي ينبغي أن يحتل صدارة البرنامج الحكومي؟ وما هي الملفات التي تحتاج إلى قرارات عاجلة؟ وما هي الإصلاحات التي تحتاج إلى نفس سياسي طويل؟ وكيف يمكن ترتيب الأولويات في ظل تعدد الانتظارات وضغط الموارد والإكراهات الاقتصادية والاجتماعية؟

إن الخريطة السياسية الجديدة تفرض على مختلف الأحزاب مراجعة طريقة اشتغالها أيضا. فالحزب الذي سيكون داخل الأغلبية سيكون أمام مسؤولية الدفاع عن اختيارات الحكومة وتحمل نتائجها، بينما سيكون الحزب الموجود في المعارضة أمام مسؤولية مختلفة لا تقل أهمية، تتمثل في مراقبة العمل الحكومي وتقديم البدائل وممارسة المعارضة من داخل المؤسسات.

وبذلك يصبح البرلمان المقبل أمام فرصة لإعادة الاعتبار للسياسة المؤسساتية. فالمعارضة ليست مجرد موقف من الحكومة، كما أن الأغلبية ليست مجرد اصطفاف إلى جانبها. كلاهما جزء من العملية الديمقراطية، والفرق بينهما ينبغي أن يظهر في الممارسة وفي طبيعة المسؤوليات، لا في تحويل المؤسسة التشريعية إلى امتداد دائم للحسابات الانتخابية.

كما أن المرحلة الجديدة تفرض على الأحزاب الانتقال من منطق الرسائل السياسية العامة إلى منطق أكثر دقة في تحديد السياسات العمومية. المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة ما الذي تقوله الأحزاب، وإنما يريد أن يعرف كيف ستنفذ ما تقوله، وبأي موارد، وفي أي آجال، وكيف سيتم تقييم النتائج.

لكن هذا لا يعني اختزال السياسة في الأرقام والمؤشرات. فالسياسات العمومية تحتاج إلى رؤية، كما تحتاج إلى أدوات تنفيذ ومؤسسات قادرة على التنزيل. ولهذا فإن إحدى القضايا التي ستفرض نفسها خلال المرحلة المقبلة هي العلاقة بين القرار السياسي والقدرة الإدارية على تنفيذه.

فكثير من الاختيارات العمومية لا تتعثر بالضرورة بسبب غياب الإرادة السياسية، وإنما بسبب تعقيد المساطر، وضعف التنسيق، وتعدد المتدخلين، والفجوة بين القرار المركزي والتنفيذ الترابي. ومن هنا فإن إصلاح الحكامة لن يكون مسألة تقنية منفصلة عن السياسة، بل سيكون جزءا من صلب القدرة على الحكم.

وفي هذا السياق، ستظل القضايا الاجتماعية حاضرة بقوة. القدرة الشرائية، التشغيل، جودة المدرسة، الولوج إلى العلاج، الحماية الاجتماعية، ودعم الطبقة الوسطى ليست ملفات منفصلة عن بعضها، وإنما عناصر مترابطة في علاقة المواطن بالدولة وبالمؤسسات.

كما أن العدالة المجالية ستفرض نفسها باعتبارها أحد الاختبارات الأساسية للسياسات العمومية. فالمغرب الذي يتغير بسرعة يحتاج إلى ألا تكون ثمار التحول الاقتصادي والاستثماري محصورة في مجالات محددة، بل أن تمتد آثار التنمية إلى المدن المتوسطة والمناطق القروية والجبلية، بما يجعل التنمية مسألة اندماج وطني لا مجرد تراكم للاستثمارات.

أما الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030، فإن أهميتها لا ينبغي أن تحجب ما بعدها. فالمشاريع الكبرى تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى رافعة مستدامة للاقتصاد، وتحسن شروط العيش، وتخلق فرصا جديدة، وتترك أثرا يتجاوز لحظة الحدث نفسه.

وهذا يقود إلى سؤال أوسع: كيف يمكن للمغرب أن يحول المرحلة المقبلة من مرحلة تدبير الأوراش إلى مرحلة تعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي؟

ذلك أن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد المشاريع التي تطلقها، وإنما بقدرتها على جعل هذه المشاريع جزءا من مسار تنموي متكامل. كما أن نجاح الحكومة لا يقاس فقط بعدد النصوص التي تعتمدها، وإنما بمدى قدرتها على تغيير الواقع الذي جاءت السياسات من أجل معالجته.

وفي المقابل، فإن الأحزاب مطالبة بأن تعيد النظر في علاقتها بالمواطن خارج المواسم الانتخابية. فالديمقراطية لا تستقيم إذا ظل التواصل السياسي مكثفا أثناء الحملات ثم تراجع بعد إعلان النتائج. العلاقة السياسية المستقرة تفترض حضورا مستمرا، وتفسيرا للقرارات، واستماعا للنقد، ووضوحا في تحديد المسؤوليات.

ولعل التحدي الأكبر أمام المرحلة المقبلة هو استعادة المعنى العملي للثقة السياسية. والثقة لا تبنى بالخطاب وحده، ولا بالحملات التواصلية، وإنما من خلال وضوح القرار، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء المواطن القدرة على رؤية العلاقة بين ما يعلن سياسيا وما يتحقق فعليا على الأرض.

لقد أعطت الانتخابات للأحزاب أحجاما جديدة، لكنها أعطت أيضا للمؤسسات مسؤوليات جديدة. وما سيحدد قيمة المرحلة المقبلة لن يكون فقط شكل التحالف الحكومي، بل قدرة النظام السياسي بأكمله على إدارة الاختلاف داخل المؤسسات، وعلى تحويل التنافس الانتخابي إلى تعاون حين تقتضي المصلحة العامة ذلك، وإلى رقابة ومعارضة حين تقتضيها طبيعة المواقع السياسية.

من هنا، فإن ما بعد 23 شتنبر لا ينبغي أن يكون مجرد مرحلة للبحث عن تركيبة حكومية، بل لحظة لإعادة ترتيب العلاقة بين الأغلبية والمعارضة والبرلمان والحكومة والمواطن. فكل طرف أمام وظيفة مختلفة، لكن نجاح التجربة السياسية يظل مرتبطا بقدرة هذه الأطراف على احترام حدود أدوارها والقيام بها بكفاءة.

لقد انتهى الاقتراع، وانتهت معه مرحلة التنافس على الأصوات. أما الآن فقد بدأت مرحلة أكثر صعوبة: التنافس على جودة الممارسة السياسية.

وهنا سيكون الامتحان الحقيقي.

ليس في عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، ولا في عدد الحقائب التي سيحصل عليها هذا الطرف أو ذاك، وإنما في قدرة المؤسسات على إنتاج قرارات مسؤولة، وقدرة الحكومة على تنفيذ اختياراتها، وقدرة المعارضة على مراقبتها، وقدرة البرلمان على ممارسة وظيفته، وقدرة الجميع على إبقاء المواطن في قلب العملية السياسية.

فالانتخابات ترسم الخريطة، لكن المؤسسات هي التي تمنحها معناها. والنتائج تحدد موازين القوى، لكن الممارسة هي التي تحدد قيمة تلك الموازين.

ومن هذه الزاوية، فإن المرحلة المقبلة ليست مجرد بداية ولاية تشريعية جديدة، وإنما اختبار حقيقي لما إذا كان المغرب قادرا على تحويل التعدد السياسي الذي أفرزته صناديق الاقتراع إلى تعدد مؤسساتي منتج، وإلى منافسة سياسية تقوم على البرامج والنتائج، لا على مجرد المواقع.

لقد تغيرت الخريطة السياسية، والآن يبدأ السؤال الأصعب: هل تستطيع السياسة أن ترتقي إلى مستوى هذه الخريطة؟