حين يصبح الماء مسألة سيادة: الدولة أمام اختبار الأمن المائي
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
لم تعد معركة الماء مؤجلة إلى المستقبل. إنها تحدث الآن، ولكن بأشكال مختلفة: في انخفاض الموارد، وفي ضغط المدن المتزايد، وفي كلفة الإنتاج الفلاحي، وفي اختلال التوازنات المجالية، وفي اتساع الحاجة إلى موارد مائية جديدة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد هو: هل نملك ما يكفي من الماء؟ بل أصبح: هل نملك الدولة القادرة على تدبير الماء باعتباره قضية سيادة وأمن وطني؟
هذه النقلة في التفكير ليست مجرد تغيير في المصطلحات. إنها تعكس تحولا عميقا في مفهوم الأمن نفسه. فالدولة التي كانت تقيس أمنها أساسا بقدرتها على حماية الحدود ومواجهة التهديدات العسكرية، أصبحت مطالبة اليوم بحماية منظومات الحياة ذاتها: الماء، والغذاء، والطاقة، والصحة، والبيئة، والبنية التحتية. وحين يصبح أحد هذه العناصر مهددا، فإن آثار التهديد لا تبقى محصورة في قطاع معين، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والاستقرار السياسي.
من هنا، فإن التعامل مع الماء باعتباره مجرد ملف تقني قد أصبح غير كاف. فالسدود، وشبكات التوزيع، والتحلية، وإعادة استعمال المياه، كلها أدوات ضرورية، لكنها لا تختصر القضية. خلف هذه الأدوات يوجد سؤال سياسي أكبر: كيف تدير الدولة موردا محدودا بين حاجيات متزايدة؟ وكيف تضمن العدالة في توزيعه؟ وكيف تمنع تحوله إلى مصدر جديد للفوارق الاجتماعية والمجالية؟
ذلك أن ندرة الماء لا تنتج بالضرورة أزمة، إذا كانت الدولة تمتلك القدرة على الاستباق والتخطيط وإعادة ترتيب الأولويات. لكنها تصبح أزمة حقيقية عندما تتقاطع الندرة مع ضعف الحكامة، وارتفاع الطلب، وسوء استعمال الموارد، وتضارب المصالح، وغياب الرؤية بعيدة المدى. لذلك فإن الأمن المائي هو، في جوهره، اختبار لقدرة الدولة على الانتقال من منطق تدبير الطوارئ إلى منطق صناعة المستقبل.
وهنا تحديدا تظهر المسألة المؤسساتية. فالماء لا يمكن أن يدار بمنطق القطاع المنعزل، لأن قرارات الماء تتقاطع مع الفلاحة والطاقة والتعمير والصناعة والبيئة والتنمية الترابية. وكل سياسة مائية لا تستحضر هذه الترابطات ستظل معرضة للتناقضات. فكيف يمكن، مثلا، أن نتحدث عن الأمن المائي دون أن نعيد التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك؟ وكيف يمكن حماية الموارد دون ربط السياسة المائية بالسياسة الفلاحية والعمرانية؟ وكيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية إذا كان الولوج إلى مورد أساسي من موارد الحياة يختلف باختلاف المجال؟
إن الدولة الحديثة تقاس، في جزء كبير من قوتها، بقدرتها على إدارة الندرة. فالوفرة لا تحتاج دائما إلى حكامة استثنائية، بينما الندرة تفرض على المؤسسات أن تكون أكثر دقة في الاختيار وأكثر صرامة في ترتيب الأولويات. ومن هذه الزاوية، يصبح الأمن المائي قضية تتجاوز بناء المنشآت إلى بناء عقل مؤسساتي جديد، يقوم على البيانات، والاستباق، والتقييم، والشفافية، وربط المسؤولية بالنتائج.
لكن الأخطر من الندرة نفسها هو أن تتحول قضية الماء إلى مصدر لفقدان الثقة. فالمواطن لا ينظر إلى الماء باعتباره رقما في تقرير تقني، وإنما باعتباره حقا أساسيا يرتبط بجودة الحياة والكرامة والاستقرار. وكلما شعر بأن توزيع الموارد غير عادل، أو أن بعض المجالات تتحمل كلفة الندرة أكثر من غيرها، فإن القضية تنتقل من المجال التقني إلى المجال السياسي. وعندها لا تعود الحكامة المائية مجرد مسألة تدبير، بل تصبح جزءا من العلاقة بين المواطن والدولة.
لهذا السبب، فإن العدالة المائية ينبغي أن تصبح جزءا من العدالة الترابية. فلا يمكن بناء تنمية متوازنة في ظل تفاوتات كبيرة في الولوج إلى الموارد الأساسية. ولا يمكن الحديث عن تقليص الفوارق المجالية إذا ظلت بعض المجالات أكثر هشاشة أمام الجفاف والضغط المائي من غيرها. إن الأمن المائي، بهذا المعنى، لا يتعلق فقط بتوفير الماء، وإنما بضمان قدرة مختلف المجالات على الصمود أمام الندرة.
ثم هناك البعد الجيوسياسي الذي سيزداد حضورا في السنوات المقبلة. فالماء، مثل الطاقة والغذاء، يتحول تدريجيا إلى عنصر من عناصر القوة الاستراتيجية. والمجالات التي تتقاسم الموارد المائية لا تستطيع أن تفصل دائما بين الأمن المائي والعلاقات الدولية. ولذلك فإن الدبلوماسية المائية مرشحة لأن تصبح إحدى الأدوات المهمة في السياسة الخارجية، بما يجعل التفاوض والتعاون وتبادل الخبرات وبناء الشراكات جزءا من منظومة حماية المصالح الوطنية.
ومن منظور دبلوماسي أوسع، فإن الدولة التي تنجح في بناء نموذج فعال لتدبير ندرة الماء لا تحمي أمنها الداخلي فقط، وإنما يمكنها أيضا أن تحول تجربتها إلى مصدر للقوة الناعمة. فالمعرفة والخبرة والتكنولوجيا والقدرة على تدبير الأزمات يمكن أن تتحول إلى أدوات للتعاون الدولي، خصوصا في المجالات التي تواجه تحديات مناخية ومائية متشابهة.
غير أن كل ذلك يظل مرتبطا بسؤال أساسي: هل نمتلك الشجاعة السياسية لإعادة النظر في بعض أنماطنا الحالية؟
فأزمة الماء لا تعالج فقط بمشاريع جديدة، وإنما أحيانا بقرارات صعبة تتعلق بما نزرع، وكيف نستهلك، وأين نبني، وكيف ننتج، وما الذي يجب أن نحافظ عليه للأجيال المقبلة. وهذه القرارات تحتاج إلى دولة تمتلك القدرة على الإقناع، وعلى بناء التوافق، وعلى مواجهة المصالح المتعارضة، وعلى شرح حقيقة أن الموارد الطبيعية ليست بلا نهاية.
وهنا تظهر أهمية القانون أيضا. فحين يصبح الماء موردا استراتيجيا، فإن قواعد تدبيره واستهلاكه وحمايته ومراقبته تكتسب أهمية دستورية ومؤسساتية متزايدة. والقانون لا ينبغي أن يكون مجرد إطار لتنظيم الاستعمال، بل أداة لضمان الاستدامة والإنصاف وحماية المصلحة العامة. فالموارد التي تخص المجتمع بأكمله لا يمكن أن تترك لمنطق السوق وحده، كما لا يمكن أن تدار بمنطق الإدارة وحدها؛ إنها تحتاج إلى توازن دقيق بين الحق، والواجب، والمصلحة العامة، والاستدامة.
لقد حان الوقت إذن للخروج من النظر إلى الماء باعتباره ملفا موسميا يظهر كلما اشتد الجفاف ثم يتراجع من النقاش العام عندما تتحسن التساقطات. هذه المقاربة لم تعد صالحة. الماء يحتاج إلى موقع دائم داخل التفكير الاستراتيجي للدولة، لأن التحدي ليس في مواجهة سنة جافة، وإنما في إدارة مستقبل أصبحت فيه الندرة احتمالا دائما يجب الاستعداد له.
والسؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه اليوم ليس كم مشروعا مائيا أنجزنا، ولا كم مليار درهم استثمرنا، وإنما: ما مقدار قدرتنا على بناء أمن مائي مستدام؟
فهناك فرق كبير بين دولة تطارد أزمة الماء كل سنة، ودولة تبني استراتيجية تجعلها أقل تعرضا لهذه الأزمة. الأولى تدير الحاضر، أما الثانية فتصنع المستقبل.
وفي النهاية، فإن الماء قد يكون الاختبار الأكثر هدوءا والأكثر قسوة لقدرة الدولة على التفكير استراتيجيا. فهو لا يطلق صافرات الإنذار، ولا يظهر دائما في شكل أزمة سياسية مباشرة، لكنه يتسلل إلى الاقتصاد والفلاحة والأسعار والهجرة والاستقرار والمجال. وحين تتراكم هذه التأثيرات، يصبح من الصعب الفصل بين الأمن المائي والأمن الوطني.
لقد تغيرت طبيعة السيادة في القرن الحادي والعشرين. لم تعد السيادة فقط أن تحمي الدولة حدودها، بل أن تحمي شروط الحياة داخلها. ولم تعد قوة الدولة تقاس فقط بما تملك من موارد، بل بقدرتها على حماية مواردها المحدودة وتدبيرها بعدالة وكفاءة واستباق.
الماء، في نهاية المطاف، ليس مجرد مورد نستهلكه اليوم؛ إنه رهان على الدولة التي نريد أن تكون موجودة غدا. ومن لا يملك رؤية لإدارة مائه، قد يجد نفسه يوما مضطرا إلى إدارة أزمته.