من يملك القرار… ومن يتحمل النتيجة؟ قراءة في الخطاب الملكي وشروط المرحلة المقبلة

0

ذ. مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية،
باحث في الحكامة والسياسات العمومية وقضايا الشباب والاقتصاد الجديد والتنمية

في الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان، في دورته الاولى من السنة التشريعية الاولى من الولاية التشريعية الثانية عشر، تستوقفنا عبارة «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» بقوتها، لكنها تستدعي أيضا قراءة في أسباب ما ترفضه، لماذا تتأخر إصلاحات تحظى بتوجيه استراتيجي واضح؟ وكيف يستمر التعثر رغم تعدد البرامج والمؤسسات؟ وأين تقع المسؤولية حين يكون الجميع معنيا بالتنفيذ، ولا تكون النتيجة منسوبة بوضوح إلى أحد؟
هذه الأسئلة تضعنا أمام ما يمكن تسميته فجوة التحويل داخل الدولة : المسافة بين اعتماد الأولوية وتحويلها إلى قرار، وبين القرار وتوفير شروط تنفيذه، وبين التنفيذ ووصول أثره إلى المواطن. وهي فجوة تستهلك الزمن والموارد، وقد تجعل الدولة تتقدم في مشاريعها الكبرى بينما تظل بعض تجارب المواطنين مع الخدمة والفرصة والإدارة محكومة بالانتظار.
ومن هنا، فإن أهمية الخطاب الملكي، في لحظة تشكيل الحكومة، تتجاوز تحديد الأوراش المقبلة إلى مساءلة طريقة اشتغال المؤسسات التي ستنهض بها، فطموح المغرب إلى ترسيخ موقعه كقوة اقتصادية صاعدة، في توازن مع العدالة الاجتماعية والمجالية، يحتاج إلى بنية تنفيذ تضاهي حجم هذا الطموح.
التشكيل الحكومي: اتفاق على السلطة أم اتفاق على اتجاهها؟
تشكيل الحكومة لحظة توزيع للمسؤوليات، لكنه قبل ذلك لحظة تأسيس للمسؤولية الجماعية، ويمكن لأغلبية أن تتوافر عدديا، بينما يظل تصورها لمصادر النمو، ولأولويات الإنفاق، وللعلاقة بين الاستثمار والإنصاف، غير محسوم، ولهذا، فإن السؤال الجوهري هو:
ما الاتفاق السياسي الذي سيحكم استعمال السلطة الحكومية؟
تحتاج الحكومة المقبلة إلى تصور يبين كيف ستلتقي الاستراتيجيات الصناعية والرقمية مع الأمن المائي والطاقي والغذائي، وكيف ستنعكس هذه الخيارات على التشغيل والقدرة على الارتقاء الاجتماعي. فكل أولوية تستدعي موارد، وكل تخصيص للموارد ينطوي على مفاضلة، وكل مفاضلة تعبر عن اختيار سياسي ينبغي شرحه وتحمل مسؤوليته.
وتبرز هنا قضية قلّما تحظى بما تستحقه من نقاش:” قدرة الحكومة على التحكيم داخلها”، فعندما تتعارض أولويات القطاعات، أو يتوقف مشروع على قرارات موزعة بين عدة إدارات، يصبح الإنجاز رهينا بوجود قيادة تملك الحسم، وقواعد تحدد من يقرر وفي أي أجل.
الانسجام الحكومي، بهذا المعنى، يظهر في القدرة على معالجة الاختلاف وإنتاج القرار، أما ترك التعارضات معلقة، فينقل كلفتها إلى المستثمر والمواطن والمجال الترابي.
اللاتمركز: اختبار قدرة المركز على تمكين التراب
يكتسب التشديد على نقل الصلاحيات والموارد دلالته من كونه يمس طريقة توزيع سلطة القرار داخل الدولة، فاللاتمركز يقتضي أن تصبح مصالح الدولة الترابية قادرة على التصرف ضمن اختصاصات فعلية، وأن تتوفر لها الموارد والكفاءات اللازمة.
غير أن نقل الاختصاص على الورق قد يتعايش مع استمرار التحكم المركزي في شروط ممارسته، فقد تُنقل المهمة، بينما تبقى الموافقة أو الميزانية أو سلطة تدبير الموارد البشرية في مستوى آخر. وعندئذ، تتحمل الإدارة الترابية ضغط المطالب دون أن تملك جميع أدوات الاستجابة.
لذلك، ينبغي أن يُقاس تقدم اللاتمركز بقرارات أصبح ممكنا اتخاذها وتنفيذها ترابيا، وبآجال تقلصت، وبمشاريع خرجت من الانتظار. كما أن الجهوية المتقدمة تحتاج إلى وضوح في اختصاصات المؤسسات المنتخبة وفي علاقتها بمصالح الدولة، حتى يثمر التكامل بينهما قدرة على التنمية.
ولا يعني ذلك إضعاف وظيفة المركز، فتمكين التراب يسمح للمركز بأن يركز على الاستراتيجية، وضمان الإنصاف، ووضع المعايير، والتقييم والتصحيح، لإن الدولة التي تتوزع فيها القدرة على التنفيذ وفق قواعد واضحة تستطيع الاستجابة لاختلاف الحاجيات دون التفريط في وحدة توجهها.
لكن الإنصاف يطرح شرطا إضافيا:” نقل الصلاحيات ينبغي أن يراعي تفاوت القدرة على ممارستها”، فالجهات والمجالات الترابية لا تتوفر بالقدر نفسه على الموارد والكفاءات، وإذا غاب الدعم الملائم وآليات التضامن، فقد يتحول التمكين إلى توسيع للفوارق.
فالعدالة المجالية تقتضي أن تتوفر لكل جهة الإمكانات الفعلية لتدبير شؤونها والاستجابة لحاجيات سكانها، حتى لا تتحول الفوارق في الموارد والكفاءات إلى تفاوت دائم في فرص التنمية.
الشباب: امتحان العلاقة بين الجهد والمستقبل
وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يحمل سؤالا أعمق من عدد البرامج الموجهة إليهم: هل يستطيع الشاب أن يبني توقعا معقولا لمستقبله انطلاقا من تعليمه وجهده وكفاءته؟
فالارتقاء الاجتماعي يتطلب وجود علاقة قابلة للفهم بين التعلم والتأهيل والعمل. وحين تضعف هذه العلاقة، تصبح الشهادة مؤجلة الأثر، وتغدو المبادرة محفوفة بعراقيل يصعب توقعها، ويتحول الانتظار إلى تجربة جماعية.
من هنا، فإن الثقة التي يتحدث عنها الخطاب لها أساس مؤسسي، يبنيها تعليم يفتح الأفق، وقواعد عادلة للولوج إلى الفرص، وإدارة يمكن فهم قراراتها، وسوق شغل يمنح للكفاءة قيمة. وهي تتأثر أيضا بكيفية توزيع الفرص بين المجالات والفئات، وبمدى شعور الشباب بأن شروط المنافسة منصفة.
ولهذا، أقترح أن تُقرأ سياسة الشباب من خلال مسار الفرصة:
أين يبدأ؟ وأين ينقطع؟ ومن يبقى خارجه؟
فقد يتحسن التكوين دون أن تتوسع فرص العمل، وقد تتوافر فرص لا يستطيع شباب بعض المناطق الوصول إليها بسبب النقل أو السكن أو ضعف المعلومة.
هذا المدخل يجعل إدماج الشباب مسؤولية مشتركة ذات نتيجة محددة، ويمنع اختزاله في حصائل قطاعية متفرقة، كما يستدعي إشراكهم في تشخيص العوائق وتقييم الحلول، لأن تجربة المستفيد تكشف أحيانا ما لا تظهره تقارير الإنجاز.
الاستراتيجيات الكبرى: اختبار الاختيارات وتوزيع عوائدها
إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات يطرح مسألة نوعية النمو الذي نريده، فالتوسع الصناعي والرقمي قد يرفع الإنتاجية، لكن أثره الاجتماعي والمجالي يتوقف على الروابط التي يبنيها مع الاقتصاد الوطني: تطوير الموردين المحليين، ونقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وإتاحة فرص للمقاولات، وتوسيع التشغيل.
وينطبق الأمر على دور القطاع الخاص، فالارتقاء إلى فاعل استراتيجي يستدعي علاقة أوضح بين التحفيز العمومي والأثر التنموي المنتظر. وكلما أمكن تحديد هذا الأثر وتتبع تحققه، أصبحت الموارد العمومية أكثر قدرة على توجيه الاستثمار نحو قيمة مضافة مستدامة.
وفي مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، تظهر أهمية المفاضلات بوضوح، فالأمن الاستراتيجي يتطلب قدرة على توقع المخاطر وتأمين الإمدادات، لكنه يتطلب أيضا تدبير العلاقة بين الاستعمالات والحاجيات والكلفة والاستدامة. وهذه اختيارات تحتاج إلى معرفة دقيقة وإلى تنسيق، وإلى تفسير عمومي يحفظ الثقة في عدالة القرار.
السيادة الخارجية وقدرة الداخل
تتيح قراءة محور الشراكات الخارجية استخلاص ارتباط بين السيادة وقدرة الداخل على الصمود، فتنويع الشراكات، وتأمين المواد الأساسية، وتطوير الإنتاج والكفاءات، وتماسك المجتمع، كلها عوامل تعزز هامش القرار الوطني.
وفي ملف الهجرة، يطرح الحديث عن مراجعة نموذج التعاون سؤال توزيع المسؤوليات والأعباء والالتزامات بين الشركاء. ومن منظور الحكامة، تُقاس متانة الشراكة بوضوح هذه الالتزامات وبقابليتها للتنفيذ، وبقدرتها على معالجة أسباب الأزمات المتكررة.
هنا يلتقي الاقتصادي بالدبلوماسي والاجتماعي: فالشراكة التي تدعم التنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار تمنح التعاون أساسا أوسع، وتحتاج في المقابل إلى قدرة وطنية على تحديد المصالح وترجمتها إلى اختيارات متماسكة.
من تشتت المسؤوليات إلى قابلية المساءلة
الخيط الناظم لهذه القضايا هو سؤال المسؤولية، فعندما يملك طرف القرار، ويملك آخر التمويل، ويتولى ثالث التنفيذ، دون تنظيم واضح للعلاقة بينهم، يصبح التعثر قابلا لتفسيرات متعددة، وتضعف إمكانية المحاسبة.
لذلك، تحتاج المرحلة المقبلة إلى سلسلة مسؤولية معلنة تصل الهدف بالقرار والموارد والجهة المكلفة والأجل والأثر المنتظر، وعلى أساسها يمكن للبرلمان أن يراقب ويقيّم، وللحكومة أن تصحح، وللمواطن أن يفهم ما تحقق وما تعثر.
ويظل التمييز بين الأفق الاستراتيجي والاختيار الحكومي أساسيا، فالتوجيهات الملكية تحدد الوجهة، وتتحمل الحكومة مسؤولية تحديد وسائل بلوغها، والدفاع عن مفاضلاتها، وتقديم حصيلتها. وكل إحالة إلى هذه التوجيهات تستوجب بيان كيفية تفعيلها، حتى تظل المسؤولية السياسية واضحة وقابلة للممارسة.
إن ما يضعه الخطاب أمامنا هو سؤال الانتقال إلى دولة تستطيع وصل طموحها بأثرها: قرار يُتخذ في المستوى المناسب، وموارد تصل إلى موضع الحاجة، وفرصة يقدر الشاب على بلوغها، ومسؤولية يمكن تحديد صاحبها.
وسيبدأ امتحان الحكومة المقبلة من قدرتها على الإجابة عن ثلاثة أسئلة:
من يملك القرار؟ من يملك وسائل تنفيذه؟ ومن يتحمل مسؤولية النتيجة؟
ففي وضوح هذه العلاقة تكمن إمكانية تقليص الفجوة بين المغرب الذي نبنيه استراتيجيا، والمغرب الذي يعيشه المواطن يوميا.