أغلبية على حافة الاختبار: هل بدأ العد العكسي للحكومة؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لم تنتظر الأغلبية الجديدة طويلا حتى تضع نفسها أمام أول امتحان سياسي حقيقي. ففي جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، حصل مرشح الحزب المتصدر على 220 صوتا، في وقت يقدم فيه التحالف نفسه باعتباره أغلبية من 235 نائبا. وبين الرقمين مسافة لا يجوز التعامل معها باعتبارها تفصيلا حسابيا عابرا؛ إنها فجوة تستدعي التفسير، وتفتح الباب أمام سؤال أكثر إحراجا: هل تمتلك هذه الأغلبية تماسكها السياسي الفعلي، أم أن اتساعها العددي يخفي وراءه هشاشة قد تظهر كلفتها مع أولى الاستحقاقات الحكومية والتشريعية؟

إن الخطر الذي تثيره هذه البداية لا يتعلق فقط بخمسة عشر صوتا لم تظهر في الحصيلة المنتظرة، ولا يتعلق بانتخاب رئيس مجلس النواب في حد ذاته، بل بما يمكن أن تكشف عنه الواقعة إذا كانت تعبيرا عن ضعف التنسيق أو محدودية الانضباط داخل مكونات التحالف. فالأغلبية التي تدخل ولايتها بحسابات مريحة يفترض أن تكون أكثر قدرة على التعبئة في محطاتها الأولى، حين يكون حماس البدايات في أوجه، وحين لم تستنزفها بعد خلافات التدبير وتكاليف القرارات. وإذا لم يكن هذا الحماس كافيا لضمان التعبئة المنتظرة، فإن السؤال يصبح مشروعا حول قدرة التحالف على الصمود عندما تنتقل المنافسة من انتخاب مسؤول برلماني إلى تمرير قوانين وميزانيات واتخاذ قرارات قد تتعارض بشأنها مصالح الأحزاب وتقديراتها.

هنا يبدأ الحديث الجدي عن احتمال سقوط الأغلبية. فالأغلبية لا تسقط عادة في لحظة واحدة، ولا يبدأ تفككها بالضرورة بإعلان رسمي عن الانسحاب؛ فقد يبدأ الأمر بتراجع الانضباط، ثم يتطور إلى خلافات حول الأولويات، ثم إلى تصويتات تكشف أن التوافق الذي جمع المكونات لم يعد كافيا لضمان وحدة القرار. ومع تكرار التعثر، تتراجع قدرة القيادة على ضبط التوازنات، وتتحول كل محطة برلمانية إلى اختبار جديد لمدى استعداد الأحزاب للالتزام الجماعي. وعندما يصبح تأمين الأصوات عملية تفاوضية مرهقة قبل كل استحقاق، فإن الأغلبية تكون قد بدأت تفقد إحدى أهم وظائفها السياسية: توفير الاستقرار اللازم للحكم.

ولا يعني ذلك أن سقوط الحكومة أصبح أمرا محسوما، أو أن الفارق المسجل في جلسة واحدة يثبت وجود تمرد داخل الأغلبية. فغياب بعض النواب أو اختلاف مواقفهم قد تكون له أسباب متعددة، ولا يمكن الجزم بها من الحصيلة وحدها. غير أن هذه الدقة لا تلغي جوهر الإشكال؛ بل تجعل مساءلة التحالف أكثر ضرورة. فإذا كانت الأرقام المعلنة لا تتحول إلى تعبئة متماسكة حتى في أول اختبار، فما الضمانات التي ستمنع تكرار الأمر في محطات أكثر حساسية؟ وما الذي سيحدث عندما يتعلق التصويت بإصلاحات اجتماعية أو اقتصادية مكلفة، أو بميزانية تفرض اختيارات لا ترضي جميع المكونات بالقدر نفسه؟

إن الخطر الأعمق يكمن في طبيعة التحالف نفسه. فجمع أحزاب مختلفة المرجعيات والمسارات قد يحقق أغلبية عددية، لكنه لا ينتج تلقائيا أغلبية سياسية متماسكة. وما لم يكن هناك برنامج واضح، والتزام مشترك، وآليات متفق عليها لحسم الخلاف، فإن التعدد قد يتحول إلى مصدر دائم للتوتر. وعندها قد تجد الحكومة نفسها أمام مفارقة سياسية: أغلبية واسعة في الأرقام، لكنها محدودة الفاعلية في القرار؛ وتحالف قادر على تشكيل الحكومة، لكنه أقل قدرة على ضمان استمرار الانسجام أثناء تدبيرها.

ويزداد احتمال التعثر حين تتقدم حسابات الأحزاب الخاصة على المسؤولية الجماعية. فكل حزب داخل الأغلبية مطالب بالحفاظ على صورته أمام ناخبيه وقواعده، وقد يجد نفسه أمام إغراء التمايز عن شركائه عندما تصبح القرارات الحكومية مكلفة سياسيا. وإذا غابت قواعد واضحة للتوفيق بين استقلالية الأحزاب ومتطلبات العمل الحكومي، فقد تتحول الرغبة في حماية الرصيد الحزبي إلى عامل يضعف الرصيد الجماعي للأغلبية. وهنا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف طبيعي داخل ائتلاف، بل يصبح خطرا عندما يعطل القرار أو يبدد المسؤولية أو يجعل كل مكون يتصرف كما لو كان خارج التحالف عند تحمل الكلفة، وداخله عند اقتسام المكاسب.

أما سياسيا ودستوريا، فإن سقوط الأغلبية لا ينبغي اختزاله في مجرد تراجع عددي أو في احتمال فقدان الحكومة لموقعها. فقد يسبق السقوط الفعلي ما يمكن وصفه بالتآكل الوظيفي للأغلبية: استمرارها شكليا، مع تراجع قدرتها على إنتاج القرارات وتمرير القوانين وضمان الانسجام بين مكوناتها. وقد تتحول الحكومة، في هذه الحالة، إلى مؤسسة قائمة من الناحية الشكلية، لكنها محكومة بتوازنات متقلبة ومساومات متكررة، بحيث يصبح الحفاظ على بقائها هدفا يزاحم تنفيذ البرنامج الذي تشكلت من أجله. وهذه هي الكلفة السياسية الأخطر: ألا تسقط الحكومة بالضرورة، لكنها تفقد تدريجيا القدرة على الحكم بالفعالية التي ينتظرها المواطنون.

وإذا بلغ التآكل مرحلة عجز الأغلبية عن توفير الدعم البرلماني اللازم، فإن الأزمة قد تنتقل من ضعف الأداء إلى أزمة استقرار سياسي ومؤسساتي، بحسب طبيعة الخلافات وتطورها والمسارات الدستورية المتاحة. عندها لن يكون السؤال محصورا في عدد الأصوات التي فقدها مرشح في جلسة انتخابية، بل في قدرة التحالف على الاستمرار باعتباره إطارا مشتركا لاتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. ومن الخطأ التعامل مع هذا السيناريو باعتباره حتميا، كما سيكون من الخطأ استبعاد مخاطره لمجرد أن مجموع المقاعد يمنح الأغلبية هامشا عدديا مريحا.

إن حماس البدايات كان يفترض أن يمنح هذا التحالف أفضلية سياسية، لا أن يعفيه من إثبات تماسكه. ومن ثم، فإن أول حصيلة لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للتهويل، لكنها أيضا لا تستحق التبرير السريع. المطلوب هو أن توضح قيادات الأغلبية حقيقة التنسيق بين مكوناتها، وأن تبين ما إذا كان الفارق المسجل حالة ظرفية أم مؤشرا على خلل يستدعي المعالجة. والأهم أن تقدم ما يثبت أن التحالف لا يقوم فقط على تفاهمات تشكيلية، بل على تعاقد سياسي قادر على الصمود عندما تتعارض الحسابات وتصبح القرارات أكثر كلفة.

إن الاختبار الحقيقي لهذه الأغلبية ليس أن تثبت قدرتها على الوصول إلى السلطة، فقد تحقق ذلك بالفعل، بل أن تثبت قدرتها على البقاء متماسكة بعد الوصول إليها. فالتشكيل يمكن أن تحسمه المفاوضات، أما الاستمرار فيحسمه البرنامج والثقة والانضباط والقدرة على إدارة الخلاف. وكل أغلبية تؤجل معالجة تناقضاتها إلى حين ظهورها في التصويت، إنما تترك استقرارها رهينة لامتحانات متلاحقة قد تتجاوز قدرتها على الاحتواء.

إن سقوط الأغلبية لا يبدأ دائما بإعلان الانسحاب؛ قد يبدأ حين تصبح أرقامها أكبر من قدرتها على التعبئة، وحين يتقدم التوافق على المناصب على التوافق حول السياسات، وحين يتحول كل استحقاق إلى اختبار لبقائها. وما حدث في بداية المسار لا يكفي للحكم بأن النهاية قد اقتربت، لكنه يفرض سؤالا لا يجوز تجاهله: هل أمامنا أغلبية تستعد للحكم، أم أغلبية ستقضي وقتها في محاولة إثبات أنها ما زالت أغلبية؟