البرنامج الحكومي تحت مجهر المعارضة: وعود كبيرة وأسئلة معلقة عن كلفة التنفيذ

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لا تقاس قوة البرامج الحكومية بحجم الوعود التي تتضمنها، ولا بقدرتها على صياغة خطاب متفائل أمام البرلمان، بل بمدى استعدادها لتحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، يستحق نقاشا سياسيا جديا يتجاوز الترحيب المسبق أو الرفض المطلق، ويضع الوعود المعلنة أمام امتحان الواقعية والتمويل والإنجاز والمحاسبة.

لقد حمل البرنامج عناوين كبرى تتصل بالنمو الاقتصادي، وحماية القدرة الشرائية، وتشغيل الشباب، وإصلاح الصحة والتعليم، وتعزيز الدولة الاجتماعية، ومحاربة الفساد. وهي قضايا لا يختلف مغربيان حول أهميتها، لكن الاتفاق على الأهداف لا يعني الاتفاق على الوسائل، كما أن الاعتراف بحجم التحديات لا يعفي الحكومة من مسؤولية تقديم أجوبة واضحة بشأن كيفية معالجتها.

ومن موقع المعارضة، لا تتمثل المهمة في التشكيك في كل مبادرة حكومية لمجرد أنها صادرة عن الأغلبية، وإنما في مساءلة السلطة التنفيذية عن اختياراتها، واختبار مدى انسجام خطابها مع الإمكانات المتاحة، والتنبيه إلى الفجوة التي قد تنشأ بين الالتزام السياسي والنتيجة الاجتماعية. فالمعارضة الديمقراطية ليست خصما لمصلحة البلاد، بل شريك دستوري في مراقبة تدبير الشأن العام، وكشف مواطن القصور، واقتراح البدائل.

من الأرقام المعلنة إلى شروط الإنجاز

أعلنت الحكومة هدف تحقيق نمو اقتصادي بمعدل خمسة في المائة سنويا خلال الفترة 2027-2031، مع السعي إلى إبقاء التضخم في حدود اثنين في المائة، وحصر عجز الميزانية في مستوى لا يتجاوز ثلاثة في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة بحلول سنة 2031. وهي أهداف طموحة، لكن قيمتها السياسية والاقتصادية ستظل مرتبطة بمدى وضوح الأدوات المعتمدة لتحقيقها.

فالنمو الاقتصادي، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على نجاح السياسات العمومية. السؤال الأساسي هو: من سيستفيد من هذا النمو؟ وهل ستنعكس ثماره على الأجور وفرص الشغل ومستوى الخدمات العمومية، أم ستظل بعض الفئات والمجالات الترابية بعيدة عن عوائده؟ إن النمو الذي لا يوسع فرص العمل ولا يقلص التفاوتات ولا يحسن شروط العيش قد يرفع المؤشرات الاقتصادية، لكنه لا يضمن بالضرورة شعورا عاما بالإنصاف الاجتماعي.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإعلان نسبة مستهدفة، بل توضيح مصادر النمو المرتقب، وحجم مساهمة القطاعات المنتجة، وموقع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على خلق وظائف مستقرة وذات قيمة مضافة. كما ينبغي الكشف عن الفرضيات التي بنيت عليها التوقعات، والمخاطر التي قد تؤثر فيها، والآليات التي ستسمح بتصحيح المسار إذا ابتعدت النتائج الفعلية عن الأهداف المعلنة.

ولا تقل السياسة المالية أهمية عن ذلك. فالحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية هدف مشروع، لكنه ينبغي ألا يتحول إلى غاية منفصلة عن العدالة الاجتماعية. إن خفض العجز والمديونية لا يكتسبان معناهما الكامل إلا إذا اقترنا بتحسين جودة الإنفاق العمومي، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر تأثيرا في حياة المواطنين، وضمان ألا تتحمل الفئات الهشة كلفة الاختلالات المالية.

القدرة الشرائية: المعيار الأقرب إلى حياة المواطنين

تظل القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية في تقييم أي حكومة، لأنها ترتبط مباشرة بكلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج. وقد تعهد البرنامج الحكومي بالعمل على الحد من التضخم وتخفيف الأعباء عن الأسر، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التعهدات إلى تحسن يشعر به المواطن في سوقه وبيته ومصاريفه اليومية.

فاستقرار معدل التضخم عند مستوى مستهدف لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار التي ارتفعت سابقا، بل يعني أساسا تباطؤ وتيرة ارتفاعها. وهذا فارق اقتصادي ينبغي أن يكون واضحا في الخطاب العمومي، حتى لا تتحول المؤشرات الإحصائية إلى مصدر لالتباس بين استقرار الأسعار وانخفاضها.

وتقتضي المعالجة الجدية للقدرة الشرائية الجمع بين مراقبة الأسواق ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وتحسين سلاسل التوزيع، وتقوية الإنتاج الوطني، وتعزيز المنافسة، وتطوير آليات الدعم الموجه إلى مستحقيه. كما تستوجب تقييما شفافا لأثر التدابير الحكومية على مختلف فئات الدخل، بدلا من الاكتفاء بإعلانات عامة يصعب قياس نتائجها.

ومن حق المعارضة أن تسأل الحكومة عن الجدول الزمني لهذه الإجراءات، وعن كلفتها المالية، وعن الفئات التي ستستفيد منها، وعن المؤشرات التي ستعتمد للحكم على فعاليتها. فالمواطن لا ينتظر تفسيرا تقنيا للأزمة بقدر ما ينتظر سياسة واضحة تحد من تآكل دخله وتحمي كرامته الاقتصادية.

الشباب والتشغيل: لا تنمية بلا أفق اجتماعي

يشكل تشغيل الشباب أحد الاختبارات الحاسمة أمام الحكومة الجديدة. فالبطالة لا تختزل في رقم إحصائي، بل تعكس تعثر الانتقال من التعليم إلى العمل، وصعوبة الولوج إلى فرص مستقرة، وشعور فئات من الشباب بأن مؤهلاتها لا تجد مكانها داخل الاقتصاد الوطني.

إن الحديث عن ريادة الأعمال والتكوين المهني وتشجيع الاستثمار يظل ضروريا، لكنه لا يكفي ما لم يقترن بإصلاحات تجعل التكوين أكثر ارتباطا بحاجات الاقتصاد، وتيسر تمويل المقاولات الناشئة والصغيرة، وتحسن ظروف العمل، وتوسع فرص التشغيل خارج المراكز الاقتصادية الكبرى. كما أن سياسة التشغيل لا ينبغي أن تقاس بعدد البرامج التي تطلقها الحكومة، بل بعدد فرص العمل الصافية التي تحدثها، ومدى استقرارها وجودتها، وقدرتها على إدماج النساء والشباب في وضعيات هشة.

وفي هذا السياق، يتعين على الحكومة أن تقدم مؤشرات دورية تسمح بتتبع النتائج حسب الفئات العمرية والجهات والقطاعات، وأن تميز بين الوظائف المعلنة والوظائف التي تحققت فعليا، وبين التشغيل المؤقت والتشغيل المستدام. فالمساءلة لا تكون ممكنة حين تظل الأهداف فضفاضة أو حين يصعب على البرلمان والرأي العام التحقق من النتائج.

الصحة والتعليم والعدالة المجالية: امتحان الدولة الاجتماعية

إن أي حديث عن دولة اجتماعية قوية يفقد كثيرا من معناه إذا لم ينعكس على المدرسة العمومية والمستشفى العمومي والخدمات الأساسية في المدن والقرى. فالتغطية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا تعوض غياب العلاج الجيد، ولا تحل محل تعليم منصف، ولا تضمن وحدها تكافؤ الفرص بين المواطنين.

وتواجه الحكومة مسؤولية الانتقال من توسيع نطاق البرامج الاجتماعية إلى تحسين جودتها ونجاعتها. وهذا الانتقال يتطلب موارد بشرية مؤهلة، وتدبيرا أكثر كفاءة للمرافق العمومية، وتقييما مستمرا لحاجات المؤسسات، وربطا أوضح بين الاعتمادات المالية والنتائج المحققة.

أما العدالة المجالية، فلا يمكن اختزالها في توزيع مشاريع متفرقة أو إعلان استثمارات جديدة. إنها تقتضي أن يحصل المواطن، أينما كان، على حد معقول من الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية، وأن تكون الأولويات مبنية على مؤشرات موضوعية تكشف الخصاص الفعلي. ومن واجب الحكومة أن توضح كيف ستوزع الاستثمارات بين الجهات، وما المعايير المعتمدة في ترتيب الأولويات، وكيف ستتم معالجة الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.

وهنا تبرز ضرورة نشر بيانات منتظمة حول آجال المواعيد الطبية، وجودة التعلمات، والاكتظاظ، وتوفر الأطر والتجهيزات، إلى جانب مؤشرات تنفيذ المشاريع. فالتقييم الموضوعي لا يضعف العمل الحكومي، بل يساعد على كشف مكامن الخلل وتصحيحها قبل أن تتحول إلى أزمات مستمرة.

محاربة الفساد: من الالتزام السياسي إلى ضمانات المساءلة

تكتسب تعهدات محاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع أهمية خاصة، بالنظر إلى أثر هذه الممارسات في الثقة بالمؤسسات وفي عدالة توزيع الفرص والموارد. غير أن محاربة الفساد لا تتحقق بمجرد إعلان النوايا، بل تتطلب قواعد واضحة، ومؤسسات قادرة على العمل باستقلالية وفعالية، وشفافية في الصفقات العمومية، وآليات للتصريح بالمصالح ومراقبتها، وتتبعا فعليا لتنفيذ التوصيات الرقابية.

ومن منظور دستوري، لا ينبغي النظر إلى الرقابة البرلمانية باعتبارها إجراء شكليا يرافق تقديم البرنامج الحكومي، بل باعتبارها جزءا من منظومة المسؤولية السياسية. فالبرنامج الذي يعرض أمام البرلمان يجب أن يظل قابلا للمساءلة خلال تنفيذه، عبر تقارير دورية، وأجوبة دقيقة عن الأسئلة الرقابية، ومعطيات تسمح بمقارنة الالتزامات بالنتائج.

كما أن توسيع الاستثمار الخاص، الذي تراهن عليه الحكومة لرفع مساهمته إلى ثلثي الاستثمار الوطني، يحتاج إلى بيئة تنافسية تضمن تكافؤ الفرص، وتحد من تضارب المصالح، وتمنع تحول الامتيازات الاقتصادية إلى قنوات للريع. فالمطلوب ليس فقط استقطاب رؤوس الأموال، بل ضمان أن يسهم الاستثمار في الإنتاج والتشغيل ونقل المعرفة، وأن تتم الاستفادة من الحوافز العمومية وفق معايير معلنة وقابلة للتقييم.

أغلبية واسعة لا تعني إعفاء من الرقابة

إن توفر الأغلبية الحكومية على قاعدة برلمانية مريحة قد يسهل تمرير القوانين وتنفيذ الإصلاحات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقليص النقاش أو التعامل مع الرقابة باعتبارها عائقا سياسيا. فالأغلبية تمنح الحكومة القدرة على تحمل المسؤولية، ولا تمنحها حصانة من النقد أو مساءلة عن الاختيارات والنتائج.

وفي المقابل، لا تستمد المعارضة قوتها من الاعتراض الدائم، بل من قدرتها على تقديم نقد مؤسس واقتراح بدائل قابلة للتنفيذ. ويقتضي ذلك تفكيك الفرضيات المالية والاقتصادية للبرنامج، ومقارنة الأهداف بالوسائل، وطرح أسئلة دقيقة بشأن ترتيب الأولويات، وآثار القرارات على الفئات الاجتماعية المختلفة، ومدى انسجام السياسات القطاعية فيما بينها.

ومن مسؤولية المعارضة أيضا أن تميز بين ما يستحق الدعم حين يخدم المصلحة العامة، وما يستوجب الرفض أو التعديل حين يفتقر إلى ضمانات التنفيذ أو يهدد التوازن الاجتماعي. فالمعارضة الجادة لا تسعى إلى إفشال الحكومة، بل إلى منع إخفاق السياسات العمومية، وحماية حق المواطنين في معرفة ما أنجز وما تعثر، ولماذا.

المطلوب تعاقد واضح مع المواطنين

إن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 يضع أمام المغرب مجموعة من الأهداف المهمة، لكن نجاحه لن يحسمه مستوى الخطاب ولا كثافة الالتزامات، وإنما قدرة الحكومة على تقديم خطة تنفيذ واضحة، بآجال محددة، وموارد معلومة، ومؤشرات قابلة للتحقق، وآليات للمحاسبة عند التأخر أو الإخفاق.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى نشر لوحة قيادة عمومية تتضمن الأهداف السنوية لكل قطاع، والميزانيات المخصصة، ونسب الإنجاز، والنتائج الاجتماعية والاقتصادية المحققة، مع إتاحة البيانات للبرلمان والباحثين والمواطنين. كما ينبغي أن تكون التقارير الحكومية مناسبة لتقييم الأداء لا مجرد استعراض للأنشطة، وأن تتيح مناقشة أسباب التعثر والمسؤوليات المرتبطة به.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تدرك أن الثقة لا تُطلب بخطاب سياسي، بل تُبنى بالوضوح والإنجاز والإنصاف. كما تحتاج إلى معارضة مسؤولة لا تكتفي بتسجيل المواقف، بل تساهم في رفع جودة النقاش العمومي وتقديم البدائل، من دون التفريط في حقها الدستوري في المراقبة والنقد.

في المحصلة، لا يكمن السؤال في ما إذا كان البرنامج الحكومي يتضمن أهدافا طموحة؛ فهو يتضمنها بالفعل. السؤال هو ما إذا كانت هذه الأهداف مدعومة بوسائل واقعية، وما إذا كانت الحكومة مستعدة لعرض نتائجها على الرأي العام بشفافية، وما إذا كان المواطن سيجد أثرا ملموسا لهذه الالتزامات في دخله وفرص عمله ومدرسته ومستشفاه.

ذلك هو الامتحان الحقيقي للحكومة، وهو أيضا المعيار الذي ينبغي أن يحكم موقف المعارضة: لا رفضا مسبقا لكل ما تقترحه السلطة التنفيذية، ولا قبولا غير مشروط بوعودها، بل رقابة يقظة، ونقدا مؤسسا، وبدائل عملية، دفاعا عن المصلحة العامة وحق المواطنين في سياسات عمومية عادلة وفعالة.