«الكوميسير» يربك فرحة الأغلبية: عرشان والمنصوري أمام اختبار التماسك السياسي

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست كل أغلبية برلمانية متماسكة بالضرورة، كما أن امتلاك الأصوات الكافية لتأمين الاستقرار الحكومي لا يعني امتلاك رؤية سياسية موحدة أو قدرة دائمة على تدبير الاختلاف. فقد تنجح الحسابات العددية في تشكيل أغلبية مريحة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الانسجام، ولا ضمان الثقة المتبادلة بين مكوناتها، ولا منع التناقضات من الظهور عندما تنتقل الحكومة من مرحلة توزيع المواقع إلى مرحلة تحمل المسؤولية ومواجهة الأسئلة السياسية والاجتماعية.

ومن هذه الزاوية، تكتسب التطورات التي شهدتها جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 دلالة تتجاوز حدود العتاب الشخصي الذي وجهه محمود عرشان إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري. فالمسألة ليست فقط ما قاله عرشان، بل ما تكشفه مداخلته عن طبيعة العلاقة بين الحكومة وبعض الأطراف التي ارتبطت بها سياسيا وبرلمانيا، وعن الحدود الفاصلة بين المساندة السياسية والرضا عن طريقة تدبير المشاورات، وبين توفير الدعم العددي والاقتناع الحقيقي بأسلوب القيادة الحكومية.

لقد انتقد عرشان طريقة تقديم اللقاء الذي جمعه بالمنصوري خلال مشاورات تشكيل الحكومة، معتبرا أن التغطية الإعلامية لم تعكس، بحسب روايته، حضور مسؤولين آخرين في اللقاء، كما سجل ملاحظات على بداية التدبير الحكومي، مع تأكيده أن غايته المعلنة هي نجاح التجربة. وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه صدر داخل فضاء مؤسساتي يفترض أن تكون فيه مناقشة البرنامج الحكومي مناسبة لتوضيح الأولويات وتقييم الالتزامات، لا مجرد محطة لاستعراض التوافقات السياسية.

إن القراءة السياسية الرصينة لا تقتضي تضخيم الواقعة وتحويلها إلى دليل قاطع على انهيار الأغلبية، لكنها لا تبرر أيضا التعامل معها بوصفها تفصيلا عابرا لا يحمل أي معنى. ففي السياسة، قد تكشف الخلافات المرتبطة بالتمثيل والاعتراف وطريقة إدارة المشاورات عن أسئلة أعمق تتعلق بموقع الشركاء، وحدود تأثيرهم، ومدى وضوح القواعد التي تنظم العلاقة بينهم وبين مركز القرار.

عندما تتقدم الحسابات العددية على وحدة المشروع السياسي

من منظور علم السياسة، لا تستمد الأغلبية الحكومية تماسكها من عدد المقاعد وحده، بل من ثلاثة عناصر مترابطة: وضوح المشروع المشترك، والثقة بين مكوناتها، ووجود آليات مؤسساتية لتدبير الاختلاف. وإذا غاب أحد هذه العناصر أو ضعف، فقد تستمر الأغلبية عدديا، بينما تتراجع قدرتها على إنتاج موقف سياسي منسجم.

وهنا يبرز السؤال المركزي الذي تفرضه المرحلة: هل تأسست أغلبية حكومة المنصوري على تقارب فعلي في الأولويات والبرامج، أم أن منطق تأمين قاعدة برلمانية مريحة كان له وزن حاسم في هندسة التوافقات؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد تصريح واحد أو خلاف بشأن التغطية الإعلامية. غير أن المواقف العلنية المتباينة تستحق القراءة في سياقها، خصوصا عندما تتعلق بطريقة تشكيل الأغلبية، وحدود مشاركة الأطراف في القرار، ومدى قدرتها على التعبير عن تحفظاتها من دون أن تتحول هذه التحفظات إلى أزمة في العلاقة السياسية.

إن الأغلبية المتماسكة ليست تلك التي تمنع الاختلاف أو تخفيه، بل تلك التي تمتلك مؤسسات وقواعد واضحة لتدبيره. أما إذا أصبح الخلاف بشأن تفاصيل المشاورات والتمثيل مدخلا إلى سجال علني، فإن ذلك يثير سؤالا مشروعا حول طبيعة التواصل السياسي داخل الأغلبية ومدى نضج آلياتها الداخلية.

«المساندة النقدية»: دعم للحكومة أم موقع سياسي بين الأغلبية والمعارضة؟

تتضح هذه الإشكالية أكثر عند استحضار قرار حزب الاتحاد الدستوري اعتماد صيغة «المساندة النقدية» لحكومة المنصوري، مع تأكيده الاحتفاظ باستقلالية قراره السياسي. وهي صيغة تحمل في ظاهرها محاولة للجمع بين المساهمة في إنجاح العمل الحكومي والاحتفاظ بحق نقده ومراقبته.

غير أن هذه الصيغة، من الناحية المؤسساتية، تطرح أسئلة تتعلق بحدود المسؤولية السياسية. فالمساندة من خارج الحكومة تختلف عن المشاركة فيها، كما أن ممارسة الرقابة من موقع المعارضة تختلف عن توفير الدعم الذي تحتاج إليه الحكومة لتأمين أغلبيتها. وبين الموقعين توجد مساحة سياسية قد تكون مفيدة إذا كانت قواعدها واضحة، لكنها قد تصبح ملتبسة إذا لم يعرف المواطنون متى يكون الطرف مساندا، ومتى يكون معارضا، وما المعايير التي تحكم انتقاله من موقف إلى آخر.

وقد أعلن الاتحاد الدستوري أن اختياره يستند إلى تقاطع بين برنامجه الانتخابي وبرنامج حزب الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على استقلالية القرار. لكن القيمة العملية لهذا الاختيار لن تتحدد بالصيغة المعلنة وحدها، بل بكيفية ممارسته داخل البرلمان: هل ستترجم المساندة إلى دعم محدد للسياسات المتفق عليها؟ وهل سيظل النقد مستقلا وفعالا؟ وكيف ستتعامل الحكومة مع المواقف المخالفة عندما تتصل بقضايا جوهرية في البرنامج الحكومي؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ضوء ارتباط الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية بفريق برلماني مشترك، وفق ما أوردته تقارير عن ترتيبات التمثيل البرلماني. فالتقارب في العمل البرلماني لا يلغي استقلالية المواقف السياسية، ولا يعني بالضرورة التطابق في تقدير العلاقة مع الحكومة. ومن ثم، فإن أي قراءة لموقف عرشان ينبغي أن تميز بين موقعه في المجموعة البرلمانية، وانتمائه السياسي، ومضمون التصريحات التي أدلى بها فعليا.

عرشان والمنصوري: خلاف في التدبير أم مؤشر على خلل في التواصل؟

إن ما أثاره محمود عرشان خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي يتصل، في جوهره، بطريقة تدبير المشاورات وصورة اللقاءات الرسمية أمام الرأي العام. وقد عبّر عن استيائه مما اعتبره تقديم اللقاء بصورة لا تعكس حضور جميع المشاركين فيه، كما تحدث عن تقصير في بداية العمل الحكومي، مع تأكيده رغبته في نجاح التجربة.

وتقتضي القراءة الموضوعية عدم تحميل هذه التصريحات أكثر مما تحتمل. فهي لا تثبت، بمفردها، أن الأغلبية فقدت تماسكها، لكنها تكشف عن وجود اعتراض علني على جانب من أسلوب إدارة العلاقة السياسية. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأن تشكيل الحكومة لا ينتهي بإعلان أعضائها أو تقديم برنامجها؛ بل تبدأ بعده مرحلة أكثر تعقيدا، تتطلب تدبير العلاقات بين الفاعلين، وتحديد المسؤوليات، والحفاظ على قنوات تواصل تتيح معالجة الخلاف قبل انتقاله إلى الفضاء العام.

ومن الناحية الدستورية، تظل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان عن برنامجها واختياراتها، بينما يظل لكل فاعل سياسي حق التعبير عن موقفه وممارسة الرقابة في الحدود التي يتيحها موقعه المؤسسي. لذلك، فإن الاختلاف مع رئيسة الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى أزمة شخصية، كما لا ينبغي أن يؤدي الحرص على استقرار الأغلبية إلى تقييد حق الشركاء في النقد أو مطالبتهم بالوضوح.

إن الاختبار الحقيقي للمنصوري لا يكمن في قدرتها على احتواء كل اعتراض، بل في قدرتها على تحويل الاختلاف إلى نقاش مؤسساتي منتج، وفي ضمان أن تكون العلاقة بين رئاسة الحكومة ومكونات محيطها السياسي قائمة على قواعد واضحة، لا على الانطباعات المتبادلة أو التنافس على الصورة والتمثيل.

أين يظهر فشل الأغلبية، وكيف يمكن قياسه؟

إن الحديث عن «فشل الأغلبية» يحتاج إلى معيار سياسي ومؤسساتي محدد، لا إلى حكم انفعالي يستند إلى واقعة منفردة. فالفشل قد يظهر في العجز عن الوفاء بالالتزامات، أو تضارب المواقف بشأن السياسات الأساسية، أو تعطيل القرارات، أو ضعف التنسيق بين المكونات، أو تحول الخلافات الداخلية إلى نمط متكرر يعرقل العمل الحكومي.

أما تماسك الأغلبية، فلا يقاس بغياب الانتقادات، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات واضحة، وتفسير اختلافاتها، والالتزام بما اتفقت عليه، ومحاسبة نفسها على النتائج. وقد تكون الأغلبية واسعة عدديا، لكنها تواجه صعوبات في إنتاج توافق سياسي مستدام؛ كما يمكن لأغلبية تضم مواقف مختلفة أن تحافظ على تماسكها إذا توفرت لديها قواعد فعالة للحوار والتفاوض.

ومن هذا المنطلق، فإن ما حدث اليوم يمثل مناسبة لطرح أسئلة جدية حول تماسك الأغلبية، لكنه لا يكفي وحده لإعلان انهيارها. وسيكون الحكم أكثر دقة إذا ربطنا هذه الواقعة بما سيظهر لاحقا من مواقف في التصويت على القوانين، والتفاعل مع الإصلاحات الكبرى، والالتزام بالأولويات المعلنة، ومدى انتظام التنسيق بين مختلف الأطراف.

وهذا هو الفرق بين التحليل السياسي والشعارات: الأول يحدد المؤشرات التي تسمح باختبار الفرضية، والثاني يعلن النتيجة قبل اكتمال الأدلة.

المعارضة أمام مسؤولية تحويل التناقضات إلى مساءلة

إن أي توتر داخل الأغلبية يفتح المجال أمام المعارضة لممارسة دورها الدستوري في الرقابة والمساءلة، لكنه لا يعفيها من مسؤولية تقديم قراءة متماسكة لما يجري. فالمطلوب ليس استثمار كل خلاف لإعلان نهاية الحكومة، وإنما مساءلة رئيسة الحكومة عن طبيعة التوافقات التي قامت عليها أغلبيتها، وعن مدى وضوح التزامات الأطراف المساندة، وعن الكيفية التي ستضمن بها الحكومة الانسجام بين مكوناتها في أثناء تنفيذ البرنامج.

كما ينبغي توجيه النقاش إلى القضايا التي تمس المواطنين مباشرة: القدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والعدالة المجالية، وجودة الخدمات العمومية. فهذه الملفات هي التي ستحدد في نهاية المطاف القيمة الفعلية للأغلبية الحكومية، وليس عدد المقاعد الذي تملكه أو قدرتها على احتواء الخلافات في اللحظات السياسية الحساسة.

ومن واجب المعارضة أيضا المطالبة بتوضيح حدود «المساندة النقدية» حتى لا تتحول إلى مفهوم فضفاض يصعب معه تحديد المسؤولية السياسية. فإذا كانت هذه المساندة تعني دعما مشروطا لسياسات معينة، فمن حق الرأي العام معرفة شروطها ومجالاتها. وإذا كانت تعني الاحتفاظ بمسافة مستقلة عن الحكومة، فمن الضروري أن تظهر هذه الاستقلالية في الممارسة الرقابية وفي المواقف المعلنة، لا أن تظل مجرد صيغة سياسية عامة.

الخلاصة: الأغلبية لا تختبر عند التشكيل بل عند الاختلاف والإنجاز

تكشف التطورات المرتبطة بمداخلة محمود عرشان عن أهمية التمييز بين الأغلبية العددية والأغلبية السياسية المتماسكة. فالأولى يمكن أن تتأسس عبر حسابات المقاعد والتوافقات، أما الثانية فتحتاج إلى ثقة متبادلة، ووضوح في توزيع الأدوار، واتفاق على الأولويات، وآليات فعالة لتدبير الخلاف.

إن انتقاد عرشان لطريقة تدبير المشاورات، وقرار الاتحاد الدستوري اعتماد المساندة النقدية، يضعان أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أسئلة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والفاعلين السياسيين المحيطين بها. لكنها أسئلة ينبغي أن تبقى مفتوحة على التحقق، لا أن تتحول إلى أحكام نهائية قبل أن تكشف الممارسة البرلمانية والحكومية عن اتجاهاتها الفعلية.

فإذا استطاعت الحكومة تحويل الاختلاف إلى حوار منظم، وتحديد قواعد العلاقة مع الأطراف المساندة، وربط برنامجها بمؤشرات إنجاز قابلة للمحاسبة، فإن التباينات قد تصبح جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. أما إذا تكررت الخلافات من دون معالجة مؤسساتية، وظهرت تناقضات مستمرة في المواقف والالتزامات، فإن الحديث عن أزمة التماسك سيجد ما يعززه من الوقائع.

وفي كل الأحوال، لا ينبغي أن يكون معيار النجاح هو مجرد بقاء الأغلبية قائمة، بل قدرتها على الحكم بفعالية، واحترام قواعد المسؤولية، والاستجابة لانتظارات المواطنين. فالأغلبية التي تملك الأصوات ليست بالضرورة أغلبية تملك الانسجام، والحكومة التي تؤمن الدعم السياسي ليست بالضرورة قد ضمنت الثقة. وبين الحسابات البرلمانية والشرعية السياسية، يبقى الإنجاز الفعلي والشفافية والمساءلة هي المعايير التي لا يمكن لأي حكومة أن تستغني عنها.