ريم شباط وصوت الشعب: أغلبية مريحة عدديا وأسئلة محرجة سياسيا
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست كل معركة سياسية داخل البرلمان محسومة بعدد المقاعد، وليست كل أغلبية تمتلك الأصوات قادرة بالضرورة على امتلاك الحجة وإقناع الرأي العام. ففي اللحظات التي تواجه فيها الحكومة أسئلة مباشرة بشأن التزاماتها، تتحول المؤسسة التشريعية من فضاء لتسجيل المواقف إلى ساحة لاختبار قوة الخطاب، ووضوح البرنامج، وقدرة المسؤولين على الدفاع عن اختياراتهم بالأرقام والوقائع، لا بمجرد الوعود والتطمينات.
وهذا ما جعل جلسة مناقشة البرنامج الحكومي والجواب عن مداخلات الفرق النيابية يوم الخميس 22 أكتوبر 2026 محطة سياسية تستحق القراءة المتأنية. فقد أعادت مداخلة ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي بمجلس النواب، طرح سؤال جوهري حول الفارق بين امتلاك الأغلبية العددية وامتلاك القدرة على الإقناع السياسي. وحين وضعت أمام رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ملفات التشغيل وغلاء الأسعار والصحة والتعليم والسيادة الطاقية وتدبير الماء ومحاربة الفساد، لم يكن جوهر النقاش مجرد تبادل للانتقادات، بل اختبارا لمدى انتقال البرنامج الحكومي من مستوى النوايا العامة إلى مستوى الالتزامات القابلة للقياس والمحاسبة.
ومن هنا، يمكن الحديث عن انتصار للمعارضة على مستوى قوة الأسئلة وفرض القضايا الاجتماعية في قلب النقاش، لا باعتباره انتصارا في التصويت البرلماني، الذي انتهى بمنح الثقة للبرنامج الحكومي، وإنما باعتباره لحظة نجحت فيها المعارضة في إحراج الخطاب الحكومي وإعادة توجيه الاهتمام إلى ما ينتظره المواطن من نتائج ملموسة.
ريم شباط.. حين تتحول المداخلة إلى مساءلة باسم المواطنين
قوة المداخلة السياسية لا تقاس بارتفاع نبرتها، ولا بعدد العبارات الحادة التي تتضمنها، وإنما بقدرتها على نقل النقاش من العموميات إلى الأسئلة التي يصعب تجاوزها. ومن هذه الزاوية، اكتسب تدخل ريم شباط أهميته من تركيزه على الفجوة المحتملة بين ما تعد به الحكومة وما تقدمه من ضمانات عملية للتنفيذ.
فحين يُسأل البرنامج الحكومي عن عدد فرص الشغل التي سيوفرها، والآجال التي ستلتزم بها الحكومة، والتدابير التي ستتخذها لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، والنتائج المنتظرة في الصحة والتعليم، فإن النقاش يغادر دائرة الخطاب السياسي المألوف ويدخل مجال المساءلة العمومية.
وهنا تتجلى قيمة المعارضة البرلمانية: أن تجعل القضايا التي تشغل الأسر المغربية حاضرة في صلب النقاش المؤسساتي، وأن تطالب الحكومة بتوضيح ما ستفعله، ومتى ستفعله، وبأي موارد، وكيف يمكن التحقق من إنجازه. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار لا تكفيه لغة التفاؤل، والشاب الباحث عن العمل لا ينتظر إعلان نوايا جديدا، والأسرة التي تعاني صعوبات الولوج إلى العلاج تحتاج إلى إجراءات واضحة يمكن تقييم نتائجها.
لقد بدت مداخلة شباط، وفق هذا المنظور، محاولة لربط النقاش البرلماني بالحياة اليومية للمواطنين، وهو ما يمنحها أهميتها السياسية. فتمثيل صوت الشعب ليس امتيازا يعلنه السياسي عن نفسه، بل مسؤولية تكتسب مشروعيتها من نوعية القضايا التي يطرحها، ومدى قربها من انشغالات الناس، واستمرارية الدفاع عنها داخل البرلمان وخارجه.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا الصوت إلى أثر سياسي مستدام يظل رهينا بمتابعة الملفات نفسها بعد انتهاء الجلسة، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، وتقديم مقترحات عملية لا تكتفي بتشخيص الاختلالات. فالمساءلة الناجحة لا تنتهي عند إحراج الحكومة، بل تبدأ حين تصبح الأسئلة المطروحة أساسا لتقييم أدائها مستقبلا.
المنصوري تحت ضغط الأسئلة.. هل تكفي الإجابة السياسية؟
في المقابل، وضعت المداخلات النقدية رئيسة الحكومة أمام مسؤولية الدفاع عن برنامجها وتوضيح اختياراتها. وقد اتسم بعض التفاعلات خلال الجلسة بنبرة حادة وسريعة، بما عكس مستوى التوتر السياسي الذي رافق النقاش. غير أن التحليل المؤسساتي يقتضي التمييز بين الانطباع الذي يتركه أسلوب الإجابة وبين مضمونها الفعلي؛ فالحكم على أداء رئيسة الحكومة ينبغي أن يستند أساسا إلى مدى وضوح الأجوبة، ودقتها، وقدرتها على معالجة الأسئلة المطروحة.
ومع ذلك، فإن المشهد يطرح سؤالا سياسيا مشروعا: لماذا تجد الحكومات أحيانا صعوبة في الانتقال من الدفاع عن برنامجها بصيغ عامة إلى تقديم التزامات محددة بشأن القضايا التي تهم المواطنين مباشرة؟
إن الجواب الحكومي لا يكتسب قوته من القدرة على الرد على كل انتقاد بانتقاد مضاد، بل من تقديم معلومات دقيقة، وتوضيح حدود الإمكانات، وتحديد الأولويات، والإقرار بالتحديات التي لا يمكن حلها في وقت وجيز. فالمسؤولية الحكومية تقتضي قدرا عاليا من الهدوء المؤسساتي، خصوصا عندما تكون الأسئلة مرتبطة بالقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وإذا كانت رئيسة الحكومة قد دافعت عن اختياراتها، فإن ذلك لا ينهي النقاش حول مدى كفاية هذه الاختيارات، ولا يعفيها من تقديم أجوبة قابلة للاختبار. فالبرلمان ليس مجرد منصة لعرض البرنامج ثم الدفاع عنه، بل مؤسسة دستورية لمناقشة السياسات العمومية ومساءلة السلطة التنفيذية بشأنها.
أغلبية مريحة في التصويت.. لكن ماذا عن الانسجام السياسي؟
من الضروري التمييز بين النتيجة البرلمانية والنتيجة السياسية للنقاش. فقد حاز البرنامج الحكومي ثقة مجلس النواب بـ204 أصوات مؤيدة مقابل 127 صوتا معارضا، وهي نتيجة تمنح الحكومة قاعدة برلمانية واضحة لمباشرة عملها. لكن هذه النتيجة، مهما كانت أهميتها الدستورية، لا تجيب وحدها عن سؤال تماسك الأغلبية وقدرتها على إدارة الاختلافات بين مكوناتها.
فالأغلبية العددية شرط أساسي للاستقرار الحكومي، لكنها ليست دليلا كافيا على وجود انسجام سياسي عميق. ويمكن لحكومة أن تمرر برنامجها بأصوات مريحة، بينما تظل مطالبة بإثبات قدرتها على توحيد مواقف مكوناتها، وتنسيق الأولويات، وتدبير الخلافات من دون أن تتحول إلى تناقضات تعطل السياسات العمومية.
ومن هنا، فإن هشاشة الأغلبية، إن أريد استعمال هذا التعبير في التحليل السياسي، لا ينبغي أن تستنتج من مجرد اختلاف في المواقف أو من مداخلة قوية للمعارضة، بل يجب اختبارها من خلال الممارسة: مدى الانضباط في التصويت، واتساق المواقف بشأن الإصلاحات الأساسية، وقدرة مكونات الأغلبية على الدفاع عن البرنامج نفسه، ووضوح المسؤولية عن القرارات والنتائج.
لكن المؤكد أن اتساع الأغلبية لا يمنح الحكومة حصانة سياسية من النقد. بل قد يرفع سقف التوقعات منها، لأن امتلاك قاعدة برلمانية مريحة يفترض أن يسهل تمرير الإصلاحات وتحمل المسؤولية عن تنفيذها. وإذا لم تنعكس هذه القوة العددية على جودة الأداء وتحسين الخدمات والاستجابة للمطالب الاجتماعية، فإن السؤال عن جدوى هذه الأغلبية سيصبح أكثر إلحاحا.
المعارضة لا تحتاج إلى إسقاط الحكومة كي تحقق أثرها
من الأخطاء الشائعة اختزال نجاح المعارضة في قدرتها على إسقاط الحكومة أو منع برنامجها من الحصول على الثقة. فالمعارضة في الأنظمة الديمقراطية تؤدي أدوارا متعددة: مراقبة السلطة التنفيذية، وكشف مواطن القصور، والدفاع عن الفئات التي ترى أن مصالحها غير ممثلة بما يكفي، واقتراح بدائل تشريعية وسياسية، وإبقاء القرارات الحكومية خاضعة للنقاش العام.
وبهذا المعنى، يمكن لمداخلة معارضة أن تحقق أثرا سياسيا مهما حتى عندما تصوت الأغلبية لصالح البرنامج الحكومي. فالتصويت يحسم المسطرة الدستورية، لكنه لا يحسم النقاش العمومي حول جودة البرنامج ولا يقرر مسبقا نجاحه في التنفيذ.
وقد نجحت المداخلات النقدية في إبراز سؤال مركزي: هل يحتوي البرنامج الحكومي على التزامات محددة بما يكفي حتى يستطيع البرلمان والرأي العام محاسبة الحكومة عليها؟ وهذا سؤال يتجاوز الخلاف بين الأغلبية والمعارضة، لأنه يرتبط بحق المواطنين في معرفة ما التزمت به الحكومة، والآجال التي حددتها، والنتائج التي ينبغي أن تحققها.
أما ريم شباط، فإن القيمة السياسية لمداخلتها لن تتحدد فقط بما أثارته من تفاعل خلال الجلسة، بل بقدرتها على الاستمرار في تتبع الملفات التي طرحتها، ومساءلة الحكومة بشأنها، وربط الوعود المعلنة بالنتائج الفعلية. فالصوت الذي يدافع عن المواطنين يكتسب قوته من الاستمرارية والجدية، لا من لحظة إعلامية عابرة.
من انتصار المرافعة إلى امتحان البدائل
إن النقد السياسي، مهما كانت قوته، يظل ناقصا إذا لم يقترن بتصورات قابلة للتنفيذ. فالمطالبة بخفض الأسعار تستدعي توضيح التدابير الممكنة، وانتقاد البطالة ينبغي أن يقترن باقتراحات في التشغيل والتكوين والاستثمار، والدفاع عن المدرسة والمستشفى العموميين يحتاج إلى تحديد الأولويات والموارد وآليات التقييم.
وهنا يكمن التحدي أمام المعارضة: كيف تحول قوة المرافعة إلى برنامج رقابي متواصل، وكيف تنتقل من طرح الأسئلة إلى اقتراح البدائل، وكيف تضمن أن تظل الملفات الاجتماعية حاضرة بعد انفضاض الجلسات البرلمانية؟
كما أن مسؤولية الحكومة لا تقل وضوحا. فبدلا من التعامل مع النقد باعتباره خصومة سياسية، يتعين عليها أن تعتبره فرصة لاختبار متانة برنامجها. وكلما كانت الأجوبة دقيقة ومسنودة بمعطيات قابلة للتحقق، ازدادت قدرة الحكومة على الدفاع عن اختياراتها، حتى في مواجهة أشد المداخلات نقدا.
إن الديمقراطية البرلمانية لا تقوم على انتصار دائم لطرف وهزيمة دائمة لطرف آخر، بل على تنافس سياسي يفضي إلى تحسين السياسات العمومية، وتوسيع إمكانات المحاسبة، وإبقاء المصلحة العامة في صدارة النقاش.
الخلاصة: قوة المعارضة في الحجة، وقوة الحكومة في الإنجاز
أعادت جلسة 22 أكتوبر 2026 التأكيد على أن الأغلبية العددية لا تنهي الصراع السياسي، وأن حصول الحكومة على الثقة لا يعفيها من اختبار الإقناع والإنجاز. فقد منحت نتيجة التصويت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري الشرعية البرلمانية اللازمة لمباشرة برنامجها، لكنها أبقت أسئلة المعارضة قائمة بشأن دقة الالتزامات، وواقعية الأهداف، وسبل تحسين حياة المواطنين.
وفي قلب هذا النقاش، برزت مداخلة ريم شباط بوصفها إحدى المداخلات التي دفعت إلى مساءلة البرنامج الحكومي من زاوية الأرقام والإجراءات والملفات الاجتماعية. ويمكن اعتبار ذلك مكسبا للمعارضة على مستوى النقاش والمرافعة، من دون الخلط بينه وبين نتيجة التصويت التي حسمتها الأغلبية لصالح الحكومة.
أما القول بهشاشة الأغلبية، فيظل فرضية سياسية تحتاج إلى اختبارها عبر الممارسة المقبلة، ومدى قدرتها على الحفاظ على الانسجام وتحويل تفوقها العددي إلى نتائج ملموسة. فالحكومة لا تُقاس بقوة ردودها داخل البرلمان، بل بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، والمعارضة لا تُقاس فقط بحدة خطابها، بل بقدرتها على جعل السلطة خاضعة للمساءلة وتقديم بدائل جدية.
وفي النهاية، إذا كان للبرلمان أن يكون صوت المجتمع، فإن قيمة ريم شباط أو غيرها من البرلمانيين لا تكمن في ادعاء احتكار هذا الصوت، بل في مدى نجاحهم في حمل قضاياه بوضوح واستمرار. أما المواطن المغربي، فلا ينتظر انتصارا خطابيا لهذا الطرف أو ذاك بقدر ما ينتظر أن تتحول المعارك البرلمانية إلى سياسات أفضل، وفرص عمل أوسع، وخدمات عمومية أكثر جودة، وعدالة اجتماعية لا تظل وعدا مؤجلا.
ذلك هو المعيار الحقيقي: أن تنتصر الحجة في البرلمان، وأن ينتصر المواطن في الواقع.