المنصوري تخسر معركة الإقناع… وتربح تصويتا لا يحسم معركة الثقة الشعبية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
دخلت فاطمة الزهراء المنصوري إلى البرلمان أمس وهي تطلب ثقة النواب في برنامج حكومتها، لكنها وجدت نفسها أمام امتحان آخر: كيف تتعامل رئيسة حكومة مع معارضة لا تكتفي بالتصفيق، ولا تعتبر كل جواب حكومي نهاية للنقاش؟
يبدو أن المنصوري أرادت أن ترسم حدود اللعبة منذ البداية، وأن تقول للمعارضة إن هناك خطوطا لا ينبغي تجاوزها. لكن السياسة ليست اجتماعا حزبيا، والبرلمان ليس قاعة تنتظر فيها الحكومة انتهاء المتدخلين لتعود إلى خطابها الأصلي. هنا، لا يكفي أن تكون رئيسة الحكومة؛ المطلوب أن تتصرف بمنطق مؤسسة دستورية تمثل الجميع، بمن فيهم أولئك الذين لا يمنحونها ثقتهم.
المشكلة ليست في أن تدافع رئيسة الحكومة عن برنامجها، فهذا حقها وواجبها، وإنما في الطريقة التي تدير بها الخلاف. فالرد على المعارضة بالحجة شيء، وتحويل النقاش إلى سجال شخصي شيء آخر. وحين يصبح النائب المعارض موضوعا للرد بدل أن تكون أسئلته موضوع الجواب، فإن النقاش يغادر أرض السياسة إلى منطقة أقل فائدة للديمقراطية.
ريم شباط كانت واحدة من الوجوه التي فرضت نفسها في هذا النقاش، ليس لأن المعارضة تحتاج إلى بطل واحد، بل لأن الجلسة كشفت أن الحكومة لا تواجه مجرد اعتراض على بعض تفاصيل برنامجها، وإنما تواجه أسئلة عن أسلوب الحكم، وعن حدود المسؤولية السياسية، وعن الفرق بين إعلان النوايا وتقديم الالتزامات القابلة للقياس.
والمفارقة أن رئيسة الحكومة جاءت تطلب الثقة في برنامجها، فإذا بالجلسة تتحول إلى امتحان لطريقتها في التعامل مع من يشككون في قدرتها على تنفيذ ذلك البرنامج. وهذه هي السياسة: قد تدخل البرلمان لتشرح ما تريد فعله، فتجد نفسك مضطرة إلى شرح الطريقة التي تتحدث بها، والكيفية التي تدير بها الخلاف، ومدى استعدادك للاستماع إلى ما لا يروق لك سماعه.
## من برنامج الحكومة إلى دفتر الحساب
إدريس الأزمي لم يتعامل مع الجلسة باعتبارها مناسبة لتمرير ملاحظات عامة ثم العودة إلى مقعده. فقد ركز في مداخلته على ملفات سياسية وتشريعية وانتخابية، وطرح أسئلة تتعلق بنزاهة الحياة العامة وتضارب المصالح، إلى جانب انتقادات مرتبطة بالانتخابات وطريقة تدبير بعض الملفات.
وهنا تكمن أهمية المعارضة البرلمانية: أن تمنع الحكومة من اختزال النقاش في عدد الأصوات التي ستحصل عليها، وأن تفرض عليها الحديث عن القواعد التي ستشتغل بها، والضمانات التي ستقدمها، والملفات التي ستقبل إخضاعها للمراقبة.
فالتصويت على البرنامج الحكومي لا يمحو الأسئلة السابقة، ولا يمنح حصانة سياسية من الأسئلة اللاحقة. بل إن الحصول على الثقة يرفع سقف المسؤولية، لأن الحكومة تنتقل من مرحلة تقديم الوعود إلى مرحلة المطالبة بالنتائج.
أما مقترحات القوانين المرتبطة بتخليق الحياة العامة وتضارب المصالح، فإن قيمتها لا تقاس بعددها ولا بالضجة التي ترافق الإعلان عنها، بل بمدى جديتها، وبقدرتها على سد الثغرات القانونية، وباستعداد أصحابها للدفاع عنها حين تصل إلى مرحلة المناقشة والتصويت. فالمعارضة التي تكتفي بإشهار المقترحات أمام الكاميرات لا تختلف كثيرا عن حكومة تكتفي بإشهار البرامج في الوثائق الرسمية.
المطلوب إذن أن تتحول هذه الملفات إلى اختبار حقيقي للجميع: هل تقبل الأغلبية قواعد أكثر صرامة في الشفافية وتدبير تضارب المصالح؟ وهل ستدافع المعارضة عن مقترحاتها بالتفصيل، أم ستكتفي بتسجيل النقاط السياسية؟ هنا يبدأ العمل البرلماني الجدي، لا عند ارتفاع الأصوات.
## ريم شباط… حين تتحول التفاصيل إلى أسئلة سياسية
لم تكن مداخلة ريم شباط مجرد مناسبة لإثارة الجدل حول طريقة حديث رئيسة الحكومة. فقد أعادت إلى النقاش ملفات محلية تمس حياة المواطنين، من الماء والتجهيز والنقل إلى طريقة التعامل مع الوزيرة السابقة مديحة خيير.
وفي السياسة، كثيرا ما تكون التفاصيل اليومية أكثر إحراجا من العناوين الكبرى. يمكن للحكومة أن تتحدث طويلا عن الإصلاح والتنمية، لكن المواطن الذي ينتظر الماء، أو يشتكي من ضعف النقل، أو لا يرى تحسنا في الخدمات، لا يقرأ البرنامج الحكومي بالطريقة التي يقرأه بها واضعوه. إنه يقيسه بما يتغير في حياته، لا بما يتكرر في الخطب.
كما أن النقاش حول إعفاء مسؤول أو وزيرة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة شخصية، لا للمقال ولا للرد. من حق الحكومة أن تغير المسؤولين، ومن حق المعارضة أن تسأل عن أسباب القرار ومعاييره، وعن مدى احترام الكرامة الإنسانية في تدبير الخلاف. فالمنصب العام مسؤولية، لكنه لا يلغي حق صاحبه في المعاملة اللائقة.
وهنا كان يمكن للنقاش أن يقدم نموذجا أفضل: حكومة تشرح قراراتها دون انفعال، ومعارضة تنتقد دون أن تستبدل الحجة بالتجريح. لكن البرلمان، كما نعرفه، لا يقدم دائما أفضل صورة عن السياسة؛ أحيانا يكشف الفجوة بين ما تقوله المؤسسات عن نفسها وما تسمح به الممارسة تحت ضغط المواجهة.
## «صاك طنجة»… اتهامات انتخابية لا يكفي ترديدها
ومن بين الملفات التي أعاد النقاش السياسي طرحها ما ارتبط بما يعرف إعلاميا بقضية «صاك طنجة»، وهي قضية وردت في خطاب سياسي بوصفها شبهة مرتبطة بممارسات انتخابية.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين الاتهام السياسي، والوقائع التي تثبتها التحقيقات، وما قد تقرره الجهات القضائية المختصة. فلا يجوز التعامل مع اتهام متداول باعتباره حكما نهائيا، كما لا يجوز في المقابل إغلاق النقاش بمجرد أن الملف يحرج حزبا أو طرفا سياسيا.
إذا كانت هناك شبهات تتعلق بسلامة العملية الانتخابية، فالمطلوب هو توضيح الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية. فالثقة في الانتخابات لا تحميها الخطب، وإنما تحميها شفافية المساطر، وإتاحة المحاضر والطعون وفق القانون، والتحقيق الجدي في كل شبهة مثبتة.
والأمر نفسه ينطبق على النقاش بشأن نمط الاقتراع، وتقطيع الدوائر، ومكاتب التصويت، واستعمال المال الانتخابي. هذه قضايا لا ينبغي أن تبقى ذخيرة موسمية تستعملها الأحزاب عندما تكون في المعارضة، ثم تنساها حين تصل إلى مواقع القرار. الديمقراطية لا تختبر الأحزاب فقط قبل الانتخابات، بل تختبرها أيضا عندما تصبح قادرة على تغيير القواعد أو الإبقاء عليها.
## اليسار يرفع سقف المطالب… لكن ماذا عن طريق التنفيذ؟
من جهته، أعاد خطاب اليسار إلى الواجهة مفردات لا تحظى دائما بمكان مريح داخل المؤسسات: الطبقة الكادحة، والتفاوتات الاجتماعية، والإصلاح الدستوري، والملكية البرلمانية.
قد يختلف النواب حول هذه المطالب، وقد يرى بعضهم أنها بعيدة عن أولويات المرحلة أو لا تحظى بالتوافق اللازم، لكن وجودها في النقاش البرلماني جزء من التعدد السياسي الذي يفترض أن يحتمله البرلمان. فليس مطلوبا من جميع النواب أن يفكروا بالطريقة نفسها، ولا أن يتحدثوا باللغة السياسية نفسها.
ومع ذلك، فإن رفع سقف المطالب لا يعفي أصحابها من شرح الطريق المؤدي إليها. فالدعوة إلى إصلاح دستوري عميق تحتاج إلى تحديد المقتضيات المقصودة، والآليات المؤسساتية، وشروط النقاش المجتمعي، والنتائج المنتظرة. أما الاكتفاء بالشعارات، مهما كانت جذابة لجمهورها، فلا يحولها تلقائيا إلى برنامج قابل للتنفيذ.
والأمر نفسه ينسحب على مطلب العفو العام عن المعتقلين السياسيين، الذي يستدعي نقاشا قانونيا وحقوقيا واضحا: تحديد الحالات المعنية، والأساس القانوني المقترح، والضمانات اللازمة، والفصل بين المواقف السياسية والمساطر القضائية. فالقضايا الحقوقية لا تخدمها المزايدات، بل يخدمها الوضوح والجدية والالتزام بالمبادئ القانونية.
## السياسة الخارجية ليست هامشا في البرنامج الحكومي
أما القضايا المرتبطة بالعلاقات مع إسبانيا، وزيارة ملكها إلى سبتة ومليلية المحتلتين، وما يرافق العلاقات الثنائية من ملفات حساسة، فهي تذكرنا بأن البرنامج الحكومي ليس مجرد قائمة داخلية بالوعود الاجتماعية والاقتصادية.
السياسة الخارجية جزء من مسؤولية الحكومة، حتى عندما تكون بعض الملفات من اختصاصات مؤسسات دستورية أخرى أو تدار في إطار من التنسيق بينها. ومن حق البرلمان أن يسأل عن موقف الحكومة، وعن حدود مسؤوليتها، وعن الطريقة التي تنسق بها مع باقي المؤسسات في القضايا الوطنية الكبرى.
ليس المطلوب أن تتحول كل جلسة برلمانية إلى تكرار للخطاب الرسمي، ولا أن تتنافس الأحزاب في إعلان المواقف الأكثر ارتفاعا في النبرة. المطلوب هو معرفة ما الذي ستفعله الحكومة عمليا، وما الأدوات الدبلوماسية والسياسية التي ستعتمدها، وكيف ستشرح للرأي العام تطورات هذه الملفات.
فالصمت، حين يقع، يحتاج إلى تفسير، والتصريح، حين يصدر، يحتاج إلى مضمون. أما الاكتفاء بتبادل الشعارات الوطنية فلا يقدم وحده جوابا عن الأسئلة المعقدة التي تفرضها العلاقات الدولية.
## حكومة بأغلبية ومعارضة… لا حكومة بتصفيق مضمون
المشكلة الأعمق في النقاش البرلماني ليست أن الحكومة تواجه المعارضة، بل أن بعض الممارسات السياسية ما زالت تتعامل مع المعارضة وكأنها عائق ينبغي تجاوزه، لا مؤسسة دستورية ينبغي الإنصات إليها.
في الديمقراطيات البرلمانية، تستطيع المعارضة أن تراقب، وأن تحقق، وأن تقدم بدائل، وأن تستعد لتولي المسؤولية مستقبلا. ونموذج حكومة الظل في بريطانيا مثال معروف على هذا المنطق، حيث تعمل المعارضة على متابعة أداء الوزراء وتقديم تصورات بديلة. لكن نقل هذا النموذج لا يكون بمجرد استعارة اسمه؛ إنه يحتاج إلى خبرة في الملفات، وفرق متخصصة، وأرقام موثوقة، وبرامج بديلة يمكن مناقشتها ومحاسبة أصحابها عليها.
وفي المقابل، لا تستطيع الأغلبية أن تتذرع بامتلاكها الأصوات كي تختزل دور البرلمان في المصادقة. الأغلبية تحكم، والمعارضة تراقب، وكلاهما مطالب بتقديم الحجج والبدائل. وإذا كانت الحكومة ترى أن برنامجها يستحق الثقة، فعليها أن تقبل بأن يخضع لاختبار الأسئلة، لا أن تتوقع من الأسئلة أن تتوقف بعد التصويت.
أما الأحزاب التي تتبدل مواقعها بين الأغلبية والمعارضة، فإن معيار الحكم عليها ينبغي أن يكون مواقفها الفعلية من الملفات، لا مجرد موقعها في الصورة الجماعية. فالاصطفاف السياسي قد يتغير، لكن المسؤولية عن القرارات والتصريحات والمواقف تبقى قائمة.
## 204 صوتا لا تنهي النقاش
حصل برنامج الحكومة على ثقة مجلس النواب بـ204 أصوات مقابل 127 صوتا معارضا، وهو تصويت يمنح الحكومة السند البرلماني اللازم لمواصلة عملها. لكنه لا يعني أن جميع المغاربة صوتوا لها، ولا يسمح وحده باستخلاص نسبة التأييد الشعبي من دون الرجوع إلى نتائج الانتخابات والمعطيات الرسمية المتعلقة بالمشاركة والأصوات الصحيحة وتوزيعها.
وهنا ينبغي التمييز بين الشرعية الدستورية والتمثيل الانتخابي والتأييد الشعبي. لكل واحد من هذه المفاهيم دلالته، ولا يصح جمعها في رقم واحد أو استخدامها بالتبادل. فالحكومة قد تحصل على الأغلبية المطلوبة دستوريا، ومع ذلك تبقى مطالبة بتوسيع الثقة العامة من خلال الأداء والشفافية والنتائج.
إن عبارة «المغاربة وضعوا ثقتهم فينا» تظل تعبيرا سياسيا يحتاج إلى قراءة دقيقة في ضوء الأرقام الانتخابية، لا شعارا يغلق باب النقاش. ومن حق المعارضة أن تفحص هذه الأرقام وتناقش دلالاتها، بشرط اعتماد النتائج الرسمية وتحديد المقام الذي تقاس به النسب، لا الاكتفاء بأرقام متداولة لا يتضح أساس احتسابها.
في النهاية، ربحت الحكومة تصويتا مهما، واحتفظت بأغلبيتها البرلمانية، لكن امتحانها الحقيقي يبدأ بعد مغادرة القاعة. فالماء لا يصل إلى البيوت بقرار الثقة، والنقل لا يتحسن بالتصفيق، وفرص الشغل لا تولد من قوة الخطاب، وتخليق الحياة العامة لا يتحقق بمجرد إعلان النية.
أما المعارضة، فإن نجاحها لا يقاس بعدد المرات التي تحرج فيها رئيسة الحكومة، ولا بقدرتها على رفع حرارة الجلسات، بل بقدرتها على متابعة الوعود، وتدقيق الأرقام، واقتراح البدائل، ومواصلة الضغط حين تنطفئ الأضواء وتغادر الكاميرات.
فالبرلمان ليس حفلة للأغلبية، ولا منصة للمعارضة كي تكتفي بتسجيل المواقف. إنه المكان الذي ينبغي أن تتحول فيه الوعود إلى التزامات، والاتهامات إلى أسئلة قابلة للتحقق، والشعارات إلى قوانين، والسلطة إلى مسؤولية.
الثقة تمنح الحكومة حق الحكم، لكنها لا تمنحها حق إغلاق النقاش. وهذه، بالضبط، هي الوظيفة التي وجدت المعارضة من أجلها.