تنسيقية «النواب الذين فرض عليهم الدفاع عن الحكومة»… حين يختلط دور البرلمان بدور الناطق الرسمي باسم الأغلبية

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لنفترض، على سبيل المجاز السياسي، أن بعض نواب الأمة قرروا تأسيس تنسيقية جديدة تحمل اسما غير مألوف: «تنسيقية النواب الذين فرض عليهم الدفاع عن الحكومة». تنسيقية لا يكون برنامجها اقتراح القوانين، ولا جدول أعمالها مراقبة القطاعات الحكومية، ولا أولوياتها تقييم السياسات العمومية، وإنما مهمتها الأساسية البحث عن المبررات كلما تعثرت الحكومة، وتقديم التفسيرات كلما ارتفعت الانتقادات، وتحويل كل مساءلة سياسية إلى فرصة للدفاع، وكل سؤال رقابي إلى مناسبة لتجديد إعلان المساندة.

قد يبدو الاسم ساخرا، لكنه يفتح نقاشا جديا حول طبيعة العلاقة بين الأغلبية الحكومية والبرلمان، وحول الحدود الفاصلة بين الالتزام السياسي للأحزاب المكونة للأغلبية وبين المسؤولية الدستورية للنائب باعتباره ممثلا للأمة. فهل أصبح الدفاع عن الحكومة، في بعض الممارسات والخطابات، يطغى على الوظيفة الأصلية للبرلماني؟ وهل تحولت الأغلبية، في لحظات معينة، من قوة سياسية مطالبة بمساندة برنامج حكومي إلى جدار دفاعي لا يسمح بمرور الأسئلة الصعبة؟

ليس من العيب أن يدافع النائب عن الحكومة التي يساندها، وليس مطلوبا من نواب الأغلبية أن يتصرفوا باعتبارهم معارضة مقنعة. فمن حقهم سياسيا أن يشرحوا اختيارات الحكومة، وأن يدافعوا عن حصيلتها، وأن يردوا على انتقادات المعارضة. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الدفاع موقفا مسبقا لا يتأثر بالوقائع، وعندما يتحول الانتماء للأغلبية إلى التزام غير مشروط بتبرير كل قرار، بصرف النظر عن نتائجه أو كلفته أو مدى استجابته لانتظارات المواطنين.

فالفرق كبير بين نائب يدافع عن الحكومة بالحجة والبيانات، ونائب يجد نفسه في موقع المدافع عنها قبل أن يطرح السؤال. وبين من يساند قرارا لأنه اقتنع بجدواه، ومن يسانده لأن موقعه السياسي يفرض عليه ذلك. وبين أغلبية تراقب أداءها من داخل المؤسسات وتصحح اختلالاتها، وأغلبية تتعامل مع كل نقد كما لو أنه استهداف سياسي ينبغي صده.

البرلمان ليس ملحقة للتواصل الحكومي

ينبغي التذكير بأن البرلمان في النظام الدستوري المغربي ليس فضاء سياسيا مخصصا لتبادل المجاملات بين الأغلبية والحكومة، ولا منصة لإعادة إنتاج الخطاب التنفيذي. فالفصل 70 من الدستور واضح في تحديد وظائف المؤسسة البرلمانية: ممارسة السلطة التشريعية، والتصويت على القوانين، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. وهذه ليست عناوين شكلية، بل اختصاصات دستورية تشكل جوهر التوازن المؤسساتي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

أما الفصل 101 فينص على تخصيص جلسة سنوية لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها، ويتيح آليات لعرض الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة أمام البرلمان. كما يتيح الفصل 102 للجان البرلمانية الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور الوزراء المعنيين وتحت مسؤوليتهم.

ومعنى ذلك أن النائب ليس مجرد صوت إضافي في حملة التواصل السياسي للحكومة، بل فاعل مؤسساتي يفترض أن يختبر القرارات بالنقاش، وأن يدرس مشاريع القوانين، وأن يتتبع تنفيذ الميزانيات، وأن يسائل الوزراء عن النتائج، وأن يقارن الالتزامات المعلنة بما تحقق فعليا على أرض الواقع.

إن التصويت لصالح الحكومة لا يلغي حق النائب في مساءلتها، كما أن الانتماء إلى الأغلبية لا يعفيه من مسؤولية مراقبة الأداء الحكومي. بل إن الأغلبية نفسها يفترض أن تكون أول من يطالب الحكومة بتقديم المعطيات والتفسيرات، لأن نجاحها السياسي لا يقاس بقدرتها على حماية الوزراء من الأسئلة، وإنما بقدرتها على ضمان تنفيذ البرنامج الذي منحت الحكومة على أساسه ثقتها.

من الدفاع السياسي إلى تعطيل السؤال الرقابي

الممارسة البرلمانية السليمة لا تقوم على افتراض أن الحكومة على صواب دائما، كما لا تقوم على افتراض أن المعارضة على صواب دائما. إنها تقوم على الاحتكام إلى الحجة والمعلومة والنتيجة. فإذا قدمت الحكومة حصيلة إيجابية، فمن حق الأغلبية أن تعرضها وتدافع عنها. وإذا ظهرت اختلالات أو تأخر في تنفيذ الالتزامات، فمن واجب النواب، بمن فيهم نواب الأغلبية، أن يطلبوا التوضيح وأن يمارسوا الرقابة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا ليس: هل يدافع نواب الأغلبية عن الحكومة؟ بل: هل يمارسون الرقابة عليها بالقدر نفسه الذي يمارسون به الدفاع عنها؟ وهل يملكون الشجاعة السياسية لطرح الأسئلة التي قد لا تكون مريحة للوزراء؟ وهل يستطيعون التمييز بين الدفاع عن الاختيار الحكومي والدفاع عن الخطأ حين يقع؟

فالنائب الذي يكتفي بترديد مبررات الحكومة لا يضيف بالضرورة قيمة إلى النقاش البرلماني. أما النائب الذي يطالب بأرقام دقيقة، ويستفسر عن نسب الإنجاز، ويتتبع أثر الإنفاق العمومي، ويطلب تفسيرا للتأخر في تنفيذ مشروع أو برنامج، فإنه يمارس دوره الدستوري حتى وإن كان ينتمي إلى الحزب الذي يقود الحكومة.

وليس المقصود هنا تحويل الأغلبية إلى معارضة، وإنما تحريرها من الاعتقاد بأن المساندة السياسية تعني التخلي عن المساءلة. فالحكومة التي لا تجد داخل أغلبيتها من يطرح الأسئلة الصعبة قد تفقد إحدى أهم فرص التصحيح المبكر. والبرلمان الذي لا يستثمر أدواته الرقابية يفقد جزءا من قيمته في الحياة العامة.

المعارضة ليست خصما للمؤسسة… بل جزء من توازنها

من جهة أخرى، لا يمكن اختزال العمل البرلماني في العلاقة بين الحكومة والأغلبية. فالمعارضة ليست مجرد صوت احتجاجي، ولا دورها محصور في تسجيل المواقف الرافضة. إنها مكون دستوري وسياسي يساهم في مراقبة العمل الحكومي، وتقديم البدائل، واقتراح القوانين، وإثارة القضايا التي قد لا تحظى بالأولوية داخل الأغلبية.

والقيمة الحقيقية للبرلمان تظهر حين تتوفر شروط التنافس في الأفكار، وحين تستطيع المعارضة مساءلة الحكومة دون أن تتحول كل مساءلة إلى مواجهة شخصية، وحين تستطيع الأغلبية الدفاع عن اختياراتها دون أن تعتبر النقد تشويشا على عملها.

إن المؤسسة التشريعية تحتاج إلى أغلبية مقتنعة بما تسانده، ومعارضة قادرة على تقديم البدائل، ونواب يمارسون استقلالهم في التفكير والتقييم، ولجان برلمانية تشتغل على الملفات بعمق. أما إذا اختزلت الجلسات في تبادل الاتهامات أو في إعادة إنتاج خطابات جاهزة، فإن المواطن سيجد نفسه أمام مؤسسة تستهلك الوقت السياسي دون أن تمنحه بالضرورة ما ينتظره من تشريع ورقابة وتقييم.

كيف نستعيد المعنى الحقيقي للعمل البرلماني؟

إن استعادة الوظيفة المؤسساتية للبرلمان لا تتطلب تغيير النص الدستوري بقدر ما تتطلب تفعيل مقتضياته وتحسين الممارسة. ويمكن أن يبدأ ذلك من خطوات عملية واضحة:

أولا، تعزيز التقييم البرلماني للسياسات العمومية عبر تقارير دورية تتضمن أهداف البرامج ومؤشرات الإنجاز والكلفة المالية والأثر الاجتماعي والمجالي، بدل الاكتفاء بعرض الحصائل العامة.

ثانيا، تطوير عمل اللجان الدائمة، وتمكينها من الاستماع المنتظم إلى المسؤولين الحكوميين والإداريين، ومناقشة نتائج البرامج القطاعية، وتتبع تنفيذ التوصيات السابقة.

ثالثا، جعل الأسئلة البرلمانية أكثر ارتباطا بالنتائج، من خلال الانتقال من الأسئلة العامة إلى أسئلة محددة حول آجال الإنجاز، والاعتمادات المصروفة، وعدد المستفيدين، وجودة الخدمات، وأسباب التعثر.

رابعا، تشجيع المبادرة التشريعية لدى النواب، سواء من الأغلبية أو المعارضة، وعدم اختزال البرلمان في مناقشة مشاريع القوانين التي تحيلها الحكومة. فالمبادرة التشريعية حق دستوري ينبغي أن يجد مكانه في الممارسة اليومية.

خامسا، ترسيخ ثقافة سياسية داخل الفرق البرلمانية تسمح بالنقاش الداخلي وتبادل الرأي، وتفرق بين الانضباط الحزبي المشروع وبين إلغاء الاجتهاد الفردي للنائب. فالتوافق داخل الأغلبية لا ينبغي أن يتحول إلى صمت مؤسساتي.

سادسا، تعزيز التواصل مع المواطنين، عبر نشر تقارير مبسطة حول عمل النواب ومساهماتهم التشريعية والرقابية، بما يسمح للناخبين بتقييم الأداء على أساس العمل الفعلي، لا على أساس الحضور الإعلامي وحده.

الخاتمة: النائب الذي لا يسائل الحكومة، من يسائل باسم المواطن؟

إن فكرة «تنسيقية النواب الذين فرض عليهم الدفاع عن الحكومة» ليست سوى استعارة ساخرة تضع أمامنا سؤالا أكبر من الاسم نفسه: هل نريد برلمانا يكتفي بتوفير الغطاء السياسي للحكومة، أم مؤسسة تمارس اختصاصاتها الدستورية كاملة، بما فيها مراقبة الحكومة التي تمنحها الأغلبية ثقتها؟

إن الدفاع عن الحكومة حق سياسي، لكنه ليس وظيفة دستورية حصرية للنائب. أما التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية فهي مسؤوليات لا تسقط بمجرد الانتماء إلى الأغلبية. والنائب الذي يساند الحكومة ليس مطالبا بأن يتخلى عن حقه في السؤال، كما أن النائب الذي يعارضها ليس معفيا من واجب تقديم البديل.

فالحكومة تحتاج إلى أغلبية تساندها، لكنها تحتاج أيضا إلى برلمان يراقبها؛ والأغلبية تحتاج إلى الدفاع عن اختياراتها، لكنها تحتاج كذلك إلى امتلاك القدرة على تصحيح أخطائها. أما المواطن فلا ينتظر من ممثليه أن يكونوا مجرد صدى للخطاب الحكومي أو امتدادا للخطاب المعارض، بل ينتظر منهم أن يكونوا صوتا للمصلحة العامة، وأن يجعلوا من المؤسسة التشريعية فضاء لمساءلة السلطة التنفيذية ومحاسبتها وتقييم أثر قراراتها.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يظل معلقا في قبة البرلمان هو: إذا كان بعض النواب يعتبرون أن مهمتهم الأولى هي الدفاع عن الحكومة، فمن سيتفرغ إذن للدفاع عن حق المواطن في حكومة تجيب، وبرلمان يسائل، وسياسات عمومية تخضع للتقييم؟

فالبرلمان ليس غرفة صدى للحكومة، والأغلبية ليست جهازا للعلاقات العامة، والنائب ليس مطالبا بأن يصفق قبل أن يفكر. إن قيمة التمثيل السياسي تبدأ حين يكون الولاء الأول للدستور والمصلحة العامة، وحين يصبح السؤال البرلماني ممارسة للمسؤولية لا إحراجا للحليف.

مرتكز دستوري: الفصل 70 يحدد الوظائف الثلاث للبرلمان، والفصل 101 ينص على جلسة سنوية لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها، والفصل 102 يتيح للجان الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية.