محمد السادس وحنكة تدبير قضية الصحراء: من تراكم المكتسبات الدبلوماسية إلى البلاغ الملكي الحاسم

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لم تكن قضية الصحراء المغربية يوما مجرد ملف دبلوماسي عابر في أجندة الدولة المغربية، بل ظلت قضية وطنية مركزية، تطلبت تدبيرا استراتيجيا طويل النفس، وقدرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية، واستثمار اللحظات السياسية المناسبة لتوسيع دائرة الدعم للموقف المغربي. وفي قلب هذا المسار، برزت الرؤية الملكية باعتبارها إطارا موجها للدبلوماسية المغربية، من خلال الانتقال التدريجي من منطق الدفاع عن الموقف إلى منطق ترسيخ المبادرة وتوسيع قاعدة المساندة الدولية لها.

إن الحديث عن حنكة الملك محمد السادس في تدبير هذا الملف لا ينبغي أن ينحصر في لغة الإشادة السياسية، بل يتعين أن يستند إلى قراءة طبيعة الاختيارات الدبلوماسية التي اعتمدها المغرب، وإلى كيفية بناء المكتسبات عبر الزمن، وتوظيف العلاقات الثنائية والشراكات الاستراتيجية، والانفتاح على التحولات التي عرفها النظام الدولي. فالدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي ترفع سقف الخطاب فحسب، وإنما التي تعرف كيف تحول الموقف السياسي إلى تراكم في المواقف والقرارات والعلاقات والمصالح.

ومن هذا المنظور، شكلت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محطة محورية في تطور المقاربة المغربية، لأنها نقلت النقاش إلى أرضية سياسية تقوم على تقديم تصور مؤسساتي للحل، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج المواقف المتقابلة. وقد عمل المغرب، عبر قنواته الدبلوماسية، على التعريف بهذه المبادرة وتوسيع دائرة الدول التي تعتبرها أساسا جديا وواقعيا لتسوية النزاع، مع ربط هذا المسار بمقاربة تنموية ومؤسساتية في الأقاليم الجنوبية.

غير أن المكتسبات الدبلوماسية لا تقاس بعدد التصريحات وحدها، ولا بمجرد حجم التأييد السياسي المعلن، بل بمدى قدرتها على التأثير في مسار التسوية الأممي، وعلى تحويل المواقف الدولية إلى أرضية أكثر وضوحا واستقرارا. وهنا تتجلى أهمية النفس الدبلوماسي الطويل: فالمواقف الدولية تتغير وفق حسابات المصالح والتحالفات، والاعترافات السياسية لا تعني بالضرورة نهاية المسار التفاوضي، كما أن الدعم المعلن يحتاج إلى متابعة مؤسساتية وقانونية حتى يصبح جزءا من معادلة الحل.

وفي هذا السياق، يكتسب البلاغ الملكي الأخير أهمية سياسية خاصة، ليس فقط من حيث توقيته، وإنما أيضا من حيث الرسائل التي حملها إلى الداخل والخارج. فقد جاء في لحظة دبلوماسية دقيقة، تفرض قراءة متأنية لما تحقق، وما لا يزال مطروحا، وما ينبغي الاستعداد له في المرحلة المقبلة. فالبلاغ الملكي ليس مجرد خطاب للاستهلاك الإعلامي، بل يمكن قراءته باعتباره توجيها سياسيا يحدد طبيعة المرحلة، ويؤكد أن تدبير القضية الوطنية يقتضي وضوحا في الموقف، وتماسكا في الجبهة الداخلية، واستمرارية في التحرك الخارجي.

إن الحسم في البلاغ لا ينبغي أن يفهم باعتباره إعلانا عن انتهاء كل التعقيدات المرتبطة بالملف، أو اختزالا للمسار الأممي في لحظة واحدة. فهناك فرق بين تحقيق مكسب دبلوماسي، وبين استكمال شروط التسوية السياسية، كما أن تعثر اعتماد قرار أممي أو عدم تجديد ولاية بعثة دولية في موعدها لا يعني، من الناحية القانونية والمؤسساتية، أن الملف خرج تلقائيا من جدول أعمال الأمم المتحدة، أو أن المسار السياسي انتهى. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا تتحول القراءة الوطنية للمستجدات إلى استنتاجات تتجاوز ما تسمح به الوقائع.

لكن ذلك لا يقلل من الأهمية السياسية للحظة الراهنة. فعندما تتراكم المكتسبات، وتدخل القضية مرحلة جديدة من النقاش الدولي، يصبح المطلوب من الدولة ومؤسساتها الانتقال من منطق تدبير اللحظة إلى منطق إعداد شروط المرحلة المقبلة. وهذا يقتضي دبلوماسية أكثر حضورا وفعالية، قادرة على شرح المبادرة المغربية بلغة قانونية وسياسية واضحة، وعلى مخاطبة مراكز القرار والرأي العام الدولي، دون إغفال أهمية المؤسسات البرلمانية والجامعية ومراكز البحث والإعلام في بناء خطاب وطني متماسك ومقنع.

كما أن قوة الموقف المغربي في الخارج تظل مرتبطة بقوة النموذج الذي يقدمه في الداخل. فالدفاع عن السيادة لا ينفصل عن ترسيخ التنمية والعدالة المجالية وجودة الخدمات العمومية، ولا عن توسيع المشاركة السياسية والاقتصادية لسكان الأقاليم الجنوبية. إن التنمية ليست مجرد واجهة موازية للدبلوماسية، بل عنصر من عناصر المصداقية السياسية والمؤسساتية، ودليل على أن المشروع الوطني لا يقتصر على تثبيت الموقف القانوني، وإنما يتجه إلى بناء شروط العيش الكريم والمشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية تتجاوز إصدار البلاغات وتبادل المواقف. فالقضية الوطنية تحتاج إلى جبهة داخلية واعية، وإلى نخب قادرة على إنتاج الأفكار والحجج، وإلى خطاب لا يخلط بين الإجماع حول الثوابت الوطنية وإلغاء النقاش حول السياسات العمومية. كما تحتاج إلى دبلوماسية حزبية وبرلمانية موازية، وإلى حضور أكاديمي يشرح أبعاد المبادرة المغربية وتطورات الملف في ضوء القانون الدولي والعلاقات الدولية، بعيدا عن المزايدات أو الخطاب الانفعالي.

إن حنكة تدبير القضايا الاستراتيجية تظهر أيضا في القدرة على التمييز بين ما تحقق وما لا يزال قيد الإنجاز، وبين لحظة الاحتفاء بالمكتسب ولحظة الاستعداد للاستحقاق المقبل. فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية مواقف ومكاسب دبلوماسية مهمة، غير أن الحفاظ عليها وتعزيزها يقتضيان الاستمرار في العمل، وتطوير أدوات التواصل والإقناع، والاستثمار في الكفاءات، وربط الدبلوماسية بالتنمية وبالنجاعة المؤسساتية.

لقد وضع البلاغ الملكي الأخير النقاش أمام لحظة سياسية تستدعي استحضار المسار بكامله، لا الوقوف عند عنوان واحد أو قراءة متسرعة لحدث بعينه. فالرؤية الاستراتيجية لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل كذلك بقدرتها على تحويل التحولات إلى فرص، والمكتسبات إلى منطلقات، والرهانات إلى برامج عمل واضحة.

وفي المحصلة، فإن قضية الصحراء المغربية تدخل مرحلة تتطلب الجمع بين الثقة واليقظة، وبين الاعتزاز بالمكتسبات والواقعية في تقدير التحديات. لقد أظهرت التجربة أن الدبلوماسية مسار تراكمي لا يختزل في تصريح أو قرار، وأن الرؤية الملكية تحتاج، حتى تواصل إنتاج أثرها، إلى مؤسسات قوية ونخب مؤهلة وجبهة داخلية متماسكة. فالبلاغ الحاسم يكتسب قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى عمل سياسي ودبلوماسي وتنموي متواصل؛ أما المكتسبات، مهما بلغت أهميتها، فلا تحمي نفسها بنفسها، بل تحتاج إلى من يصونها ويطورها ويحولها إلى نتائج مستدامة.