البرلمان المغربي أمام امتحان اللحظة الوطنية: من الإجماع حول الصحراء إلى دبلوماسية المؤسسات وصناعة المكتسبات

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست كل اللحظات السياسية متشابهة، فهناك لحظات تفرض على المؤسسات أن تتجاوز منطق التدبير اليومي، وأن تستحضر حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها. وقضية الصحراء المغربية تعيش اليوم واحدة من هذه اللحظات المفصلية، في ظل التحولات التي شهدها مسارها داخل مجلس الأمن، والبلاغ الملكي الذي أعلن موقف المملكة من عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، وما تلاه من دعوة البرلمان بمجلسيه إلى عقد جلسة مشتركة لمناقشة آخر تطورات القضية الوطنية يوم الاثنين 2 نونبر 2026.

إن انعقاد هذه الجلسة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد موعد برلماني لتجديد المواقف المعروفة، أو مناسبة لإلقاء خطابات سياسية تتنافس في التعبير عن الاعتزاز بالوحدة الترابية. بل هو اختبار حقيقي لقدرة المؤسسة التشريعية على مواكبة التحولات الدبلوماسية، والانتقال من الإجماع المبدئي إلى الإسناد المؤسساتي، ومن التضامن السياسي إلى إنتاج المبادرات والأفكار والآليات التي تعزز موقع المغرب في معركة الدفاع عن وحدته الترابية.

لقد أبانت الرؤية الملكية في تدبير قضية الصحراء المغربية عن اعتماد مقاربة طويلة النفس، تقوم على التراكم الدبلوماسي، وتنويع الشراكات، وتوسيع دوائر الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهي مقاربة لم تكتف بالدفاع عن الموقف الوطني في المحافل الدولية، بل سعت إلى جعل المبادرة المغربية أرضية سياسية للنقاش حول الحل، مستندة إلى ما راكمته المملكة من علاقات استراتيجية ومواقف دولية داعمة.

والتحول الأبرز في هذا المسار يتمثل في الانتقال من مجرد تدبير نزاع إقليمي ممتد إلى محاولة تغيير المحددات التي حكمت التعاطي الدولي معه لعقود. وهذا ما عبر عنه البلاغ الملكي الأخير حين اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطورا مهما وخطوة ذات دلالة في اتجاه الطي النهائي للملف داخل أروقة الأمم المتحدة، وربط ذلك بالانتقال من منطق التدبير إلى مقاربة التحول العميق في محددات القضية.

لكن القراءة السياسية الرصينة لهذا التطور تقتضي التمييز بين الموقف المغربي المعلن، وبين المسارات القانونية والمؤسساتية التي لا تزال تحتاج إلى متابعة وتوضيح. فعدم اعتماد مشروع القرار الأمريكي بسبب الفيتو الروسي، وفشل المشروع الروسي في الحصول على الأصوات اللازمة، أديا إلى عدم تجديد ولاية البعثة في الموعد المحدد. وهي واقعة ذات أهمية سياسية ودبلوماسية، لكنها لا تعني تلقائيا أن جميع المسارات الأممية قد أغلقت بصورة نهائية، أو أن كل الترتيبات المرتبطة بمستقبل الملف قد حسمت دون الحاجة إلى خطوات لاحقة.

ومن هنا تبرز أهمية البلاغ الملكي باعتباره توجيها سياسيا للمرحلة المقبلة، وليس مجرد تعبير عن موقف من تطور أممي. فالبلاغ أعاد التأكيد على استمرار الدينامية الدبلوماسية المغربية على المستويين الثنائي والإقليمي، وعلى التشبث بوقف إطلاق النار، كما أبرز اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهذه الرسائل تضع مختلف المؤسسات الوطنية أمام مسؤولية مواكبة التحول، كل من موقعه واختصاصه.

وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي البرلمان، باعتباره فضاء دستوريا للتعبير عن الإرادة التمثيلية للأمة، ومؤسسة قادرة على تحويل الإجماع الوطني إلى قوة سياسية ومؤسساتية. فالدستور المغربي لا يحصر وظيفة البرلمان في التشريع والتصويت على القوانين، بل يمنحه كذلك أدوارا في مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، ويفتح أمامه إمكانات المساهمة في النقاش العمومي حول القضايا الاستراتيجية التي تهم مستقبل البلاد.

إن البرلمان، بمجلسيه، مطالب اليوم بأن يثبت أن الدبلوماسية الموازية ليست مجرد عبارة تدرج في البيانات الختامية، وإنما ممارسة مؤسساتية لها أدواتها وأهدافها واستمراريتها. فالدفاع عن القضية الوطنية لا يقتصر على اللقاءات البروتوكولية مع الوفود الأجنبية، بل يتطلب بناء علاقات منتظمة مع البرلمانات الوطنية والإقليمية، وتطوير شبكات التواصل مع المؤسسات التشريعية الدولية، وتقديم المعطيات القانونية والسياسية والتنموية التي تشرح الموقف المغربي وتبرز مرتكزات مبادرة الحكم الذاتي.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ستتحول الجلسة المشتركة إلى محطة لإنتاج تصور برلماني متكامل للدبلوماسية الموازية، أم ستظل محكومة بمنطق الخطابات والتصريحات التي تنتهي بانتهاء الجلسة؟ إن قيمة العمل البرلماني لا تقاس بحرارة الكلمات، وإنما بقدرته على إنتاج أثر مؤسساتي قابل للقياس والمتابعة.

والأمر نفسه ينطبق على الأحزاب السياسية. فقضية الصحراء المغربية أكبر من الحسابات الانتخابية، وأوسع من التنافس حول من يملك الخطاب الأكثر حماسة. وهي تقتضي من الأحزاب أن تنتقل من إعلان الاصطفاف إلى تحمل مسؤولية التأطير والترافع والتكوين. فالأحزاب التي لا تنتج خبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية، ولا تستثمر في الكفاءات الشابة، ولا تملك تصورا واضحا للدبلوماسية الحزبية، ستجد نفسها عاجزة عن تقديم قيمة مضافة في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى تعدد قنوات الإقناع والتواصل.

ولا يعني الإجماع حول الثوابت الوطنية إلغاء الاختلاف في تقييم الأداء الحكومي أو في مناقشة السياسات العمومية. بل إن قوة الجبهة الداخلية تكمن في قدرتها على الجمع بين وحدة الموقف الوطني وحق المؤسسات والأحزاب في النقاش والمساءلة. فالدفاع عن الوحدة الترابية لا يتعارض مع المطالبة بالشفافية والنجاعة، كما أن دعم الدبلوماسية الرسمية لا يعفي الفاعلين السياسيين من مسؤولية اقتراح البدائل وتطوير أدوات العمل.

ومن جهة أخرى، فإن الدبلوماسية لا يمكن أن تنفصل عن الواقع التنموي والمؤسساتي في الأقاليم الجنوبية. فالمصداقية الدولية لا تبنى بالخطاب وحده، بل تتعزز بما يلمسه المواطن من تنمية وفرص اقتصادية وخدمات عمومية جيدة ومشاركة فعلية في تدبير الشأن المحلي. إن جعل الأقاليم الجنوبية فضاء للنمو والاستثمار والابتكار، وتعزيز العدالة المجالية، وتمكين الكفاءات المحلية من المساهمة في القرار، كلها عناصر تمنح الموقف الوطني قوة إضافية، وتجعل التنمية جزءا أصيلا من معادلة الدفاع عن القضية الوطنية.

كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حضور أكبر للجامعات ومراكز البحث والخبراء. فالقضية الوطنية ليست موضوعا سياسيا فقط، بل هي أيضا مجال للبحث القانوني والدبلوماسي والاستراتيجي. والمغرب في حاجة إلى إنتاج معرفة رصينة حول تطور المواقف الدولية، ومبادرة الحكم الذاتي، وأبعاد النزاع الإقليمية، والآثار القانونية والمؤسساتية لأي تحول في المسار الأممي. فالمعركة الدبلوماسية الحديثة لا تدار بالبلاغات وحدها، وإنما بالحجة والمعرفة والقدرة على مخاطبة الآخر بلغته ومفاهيمه ومؤسساته.

إن الجلسة المشتركة للبرلمان المغربي ينبغي أن تكون مناسبة لتحديد مسؤوليات واضحة: ماذا ستفعل المؤسسة التشريعية لتعزيز الدبلوماسية الموازية؟ كيف ستواكب الأحزاب السياسية هذا المسار؟ ما دور الجامعات ومراكز البحث؟ وكيف يمكن تحويل الدعم الدولي إلى شراكات ومبادرات ومواقف مؤسساتية مستدامة؟ هذه هي الأسئلة التي تمنح الجلسة معناها الحقيقي، وتجعلها تتجاوز حدود المناسبة السياسية.

لقد راكم المغرب مكتسبات دبلوماسية مهمة في قضية الصحراء، وكان للرؤية الملكية دور مركزي في توجيه هذا المسار وتحديد أولوياته. غير أن الحفاظ على المكتسبات لا يتحقق بالاكتفاء باستحضارها، بل يحتاج إلى تعبئة وطنية مستمرة، وإلى مؤسسات تشتغل بفعالية، وأحزاب تنتج الأفكار، ونخب تمتلك الكفاءة، ومجتمع يعي طبيعة التحولات والتحديات.

إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى الانتقال من الإجماع في المواقف إلى التكامل في الأدوار. فالملك يقود الرؤية الاستراتيجية، والدبلوماسية الرسمية تدير مسارات التفاوض والعلاقات الدولية، والبرلمان والأحزاب والجامعات مدعوة إلى توسيع دائرة الإسناد والترافع والإقناع. وبهذا التكامل وحده يمكن تحويل المكتسبات إلى قوة مستدامة.

إن الصحراء المغربية ليست قضية خطاب موسمي، بل مسؤولية وطنية ممتدة. والبرلمان الذي يجتمع اليوم لمناقشة مستجداتها مطالب بأن يجعل من هذه اللحظة بداية لعمل مؤسساتي متواصل، لا مجرد محطة لتسجيل المواقف. فالإجماع الحقيقي لا يقاس بعدد التصفيقات، وإنما بقدرته على إنتاج الفعل، وصناعة المبادرة، وحماية المكتسبات، والاستعداد لما تفرضه المرحلة المقبلة من رهانات.