المغرب بعد المكاسب الدبلوماسية: هل نملك رؤية لمغرب ما بعد الانتصارات السياسية؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة دقيقة من تاريخها الدبلوماسي، بعد سنوات من العمل المتواصل الذي قاده الملك محمد السادس، والذي أسفر عن تراكم مكتسبات سياسية ودبلوماسية عززت موقع المملكة ورسخت حضور مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في النقاش الدولي حول تسوية هذا النزاع. ولم تكن هذه المكتسبات وليدة ظرف دولي عابر، بل ثمرة رؤية استراتيجية اعتمدت النفس الطويل، وتنويع الشراكات، وتوظيف التحولات الإقليمية والدولية لخدمة المصالح العليا للمغرب.
غير أن أهمية المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في ما تحقق على مستوى قضية الوحدة الترابية، وإنما في الأسئلة التي تطرحها هذه التحولات حول مستقبل الدولة المغربية وقدرتها على الانتقال من تثبيت المكتسبات الدبلوماسية إلى استثمارها في بناء نموذج تنموي ومؤسساتي أكثر نجاعة. فالصحراء المغربية ليست مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل قضية وطنية تتقاطع فيها السيادة بالتنمية، والدبلوماسية بالإصلاح، والإجماع الوطني بمسؤولية المؤسسات.
ومن هنا، فإن الرهان لم يعد مقتصرا على مواصلة الدفاع عن الموقف المغربي في المحافل الدولية، بل أصبح مرتبطا كذلك بمدى قدرة الحكومة على ترجمة هذا الرصيد إلى مشاريع وفرص اقتصادية، وقدرة البرلمان على مواكبة التحولات بالرقابة والاقتراح، وقدرة الأحزاب على تجديد نخبها وإنتاج تصورات سياسية تواكب المرحلة. فالمكاسب الدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى محطة للاحتفاء فقط، بل إلى منطلق لمرحلة جديدة عنوانها التنمية والنجاعة والعدالة المجالية.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نملك رؤية وطنية متكاملة لمغرب ما بعد تراكم المكتسبات الدبلوماسية؟ وهل تستطيع مؤسساتنا تحويل الزخم الذي حققته قضية الصحراء المغربية إلى قوة تنموية واقتصادية واجتماعية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟
لقد راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة رصيدا دبلوماسيا مهما في ملف وحدته الترابية، مستندا إلى رؤية ملكية طويلة النفس، وإلى تحركات متعددة المستويات، وإلى توسيع شبكة الشراكات الدولية. وقد شكلت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محورا أساسيا في هذه المقاربة، باعتبارها تصورا سياسيا قدمه المغرب كأرضية للحل، وعمل على توسيع دائرة الدعم الدولي له.
غير أن النجاح الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للاطمئنان المفرط أو إلى مناسبة لإغلاق النقاش حول ما ينبغي القيام به داخليا. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن مصالحها في المحافل الدولية، بل كذلك بقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، واقتصاد منتج، وإدارة عمومية ناجعة، وسياسات اجتماعية تستجيب لانتظارات المواطنين. إن الرصيد الدبلوماسي يفتح آفاقا جديدة، لكنه لا يعفي من مسؤولية تحويل هذه الآفاق إلى برامج ومشاريع ونتائج قابلة للقياس.
وهنا تبرز أهمية الرؤية الملكية في تدبير القضايا الاستراتيجية، باعتبارها عاملا موجها للسياسة الخارجية المغربية، ومحددا لاتجاهات التحرك الدبلوماسي. لكن استمرارية هذا المسار تتطلب تعبئة مؤسساتية شاملة، لأن التحولات الدولية لا يمكن أن تواكبها الدبلوماسية الرسمية وحدها، مهما كانت أهميتها. فالحكومة مطالبة بترجمة التوجهات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية منسجمة، والبرلمان مطالب بممارسة أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية، والأحزاب مطالبة بإنتاج تصورات سياسية تتجاوز منطق التدبير الانتخابي الضيق.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم على الحكومة ليس فقط ماذا حقق المغرب دبلوماسيا، وإنما ماذا أعدت القطاعات الحكومية للاستفادة من التحولات الجارية؟ هل توجد رؤية اقتصادية متكاملة للأقاليم الجنوبية؟ وهل تم تحديد القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص شغل مستدامة؟ وهل تتوفر المشاريع الكبرى على مؤشرات واضحة لتقييم أثرها على السكان والاقتصاد المحلي؟ أم أننا سنظل نكتفي بالإعلان عن الاستثمارات والأوراش دون مساءلة كافية عن مردوديتها الاجتماعية والاقتصادية؟
فالتنمية ليست مجرد أرقام في التقارير الرسمية، ولا مجرد مشاريع تعرض في المناسبات، بل هي قدرة المواطن على الوصول إلى تعليم جيد، وعلاج لائق، وفرصة عمل تحفظ كرامته، وإدارة تستجيب لانتظاراته. ومن غير المقبول أن تتسع طموحات الدولة في الخارج بينما تظل بعض الاختلالات الاجتماعية والإدارية قائمة في الداخل. إن قوة المغرب الدبلوماسية ينبغي أن تجد امتدادها الطبيعي في قوة نموذجه التنموي والمؤسساتي.
وفي هذا السياق، تبرز الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاء استراتيجيا ينبغي أن تكون فيه التنمية عنوانا للمرحلة المقبلة. فالمطلوب ليس فقط مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، بل ضمان توزيع منصف لثمار التنمية، وتعزيز المشاركة المحلية، وتوسيع فرص المبادرة الاقتصادية أمام الشباب، وربط المشاريع بحاجيات السكان الفعلية. إن العدالة المجالية ليست مطلبا اجتماعيا ثانويا، بل ركيزة من ركائز بناء الثقة وتعزيز الاندماج الوطني.
أما الحكومة، فتجد نفسها أمام امتحان الانتقال من منطق تدبير الأزمات والملفات اليومية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي. فالمغرب يحتاج إلى سياسات عمومية متكاملة، لا إلى برامج قطاعية متفرقة تتنافس في الوعود وتختلف في آليات التنفيذ. ويحتاج إلى تقييم حقيقي للأداء، يربط المسؤولية بالنتائج، ويكشف مكامن التعثر، ويحدد المسؤوليات، ويقيس الأثر الفعلي للإنفاق العمومي على حياة المواطنين.
إن الرهان الاقتصادي لا يقل أهمية عن الرهان الدبلوماسي. فاستقطاب الاستثمارات يتطلب مناخا واضحا وشفافا، وإدارة فعالة، وقضاء يضمن الأمن القانوني، ومنافسة عادلة، ومحاربة فعلية للريع والزبونية. كما يتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على المبادرات الظرفية إلى اقتصاد منتج يخلق الثروة وفرص الشغل، ويمنح المقاولات الصغرى والمتوسطة مكانتها في الدورة الاقتصادية. فلا يمكن الحديث عن مغرب قوي استراتيجيا دون اقتصاد قادر على توفير شروط الاستقرار الاجتماعي والارتقاء بمستوى عيش المواطنين.
ولا يمكن إغفال مسؤولية الأحزاب السياسية في هذه المرحلة. فقد اعتادت الحياة الحزبية المغربية أن تستحضر القضايا الوطنية الكبرى في خطابها، لكنها مطالبة اليوم بأن تقدم أكثر من بيانات التأييد والمواقف العامة. فالأحزاب التي تطمح إلى التأثير في مستقبل البلاد ينبغي أن تمتلك مراكز تفكير، وبرامج قابلة للتنفيذ، ونخبا مؤهلة في الاقتصاد والقانون والدبلوماسية والسياسات العمومية. كما ينبغي أن تفتح المجال أمام الشباب والكفاءات، وأن تجعل من الديمقراطية الداخلية وسيلة لتجديد الأفكار والقيادات، لا مجرد إجراء تنظيمي شكلي.
إن أزمة السياسة لا تكمن فقط في ضعف المشاركة الانتخابية أو تراجع الثقة في المؤسسات، بل كذلك في محدودية القدرة على إنتاج البدائل. فعندما تتحول المنافسة الحزبية إلى صراع حول المواقع والوجوه، وتصبح الولاءات الشخصية أحيانا أكثر تأثيرا من الكفاءة والبرنامج، يفقد العمل السياسي جزءا من وظيفته الأساسية. والمغرب اليوم في حاجة إلى أحزاب تفكر وتناقش وتقترح وتراقب، لا إلى تنظيمات تكتفي بترديد الخطاب الرسمي أو الدخول في سجالات ظرفية لا تنتج قيمة مضافة.
والبرلمان بدوره مطالب بأن يكون في مستوى التحولات. فالمؤسسة التشريعية ليست مجرد فضاء للتصويت على مشاريع القوانين أو لتبادل المواقف بين الأغلبية والمعارضة، بل هي فضاء لمراقبة السياسات العمومية وتقييم آثارها، ومساءلة الحكومة حول مدى تنفيذ التزاماتها. ومن الضروري أن يتحول النقاش البرلماني إلى نقاش قائم على المعطيات والأرقام والنتائج، وأن تتجاوز الأسئلة البرلمانية منطق تسجيل الحضور السياسي إلى مساءلة دقيقة عن جودة البرامج ومردوديتها.
أما الدبلوماسية الموازية، فلا ينبغي أن تظل محصورة في الأنشطة البروتوكولية واللقاءات الموسمية. إنها تحتاج إلى استراتيجية واضحة، وإلى تنسيق بين البرلمان والأحزاب والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، حتى يصبح الترافع عن المصالح الوطنية عملا مؤسساتيا مستمرا. فالمعركة الدبلوماسية الحديثة لا تدار بالتصريحات وحدها، وإنما بالمعرفة القانونية، والقدرة على الإقناع، وفهم التحولات الدولية، وبناء علاقات طويلة الأمد مع الفاعلين المؤثرين.
وفي قلب كل هذه الرهانات يوجد الشباب المغربي، الذي لا ينبغي أن يظل مجرد موضوع في الخطب والبرامج الحكومية، بل يجب أن يتحول إلى شريك فعلي في صناعة المستقبل. فالشباب يحتاج إلى تعليم يفتح آفاق الاندماج، وتكوين يستجيب لتحولات سوق الشغل، وفرص للمبادرة والاستثمار، ومشاركة سياسية حقيقية تسمح للكفاءات بالوصول إلى مواقع القرار. ولا يمكن بناء مغرب ما بعد المكتسبات الدبلوماسية بعقلية تعيد إنتاج النخب نفسها وتترك الطاقات الجديدة على هامش الفعل العمومي.
إن المرحلة المقبلة تتطلب كذلك مصالحة بين الخطاب والواقع. فلا معنى للحديث عن دولة صاعدة إذا ظلت الإدارة تعاني البطء والتعقيد، ولا معنى للترويج للاستثمار إذا استمرت بعض مظاهر عدم تكافؤ الفرص، ولا معنى لرفع سقف الطموحات الاجتماعية دون ضمان الموارد والاستدامة المالية. فالمصداقية السياسية لا تبنى بالوعود، بل بالقدرة على التنفيذ، وبالاعتراف بالاختلالات، وبإصلاحها وفق رؤية واضحة ومؤشرات قابلة للمحاسبة.
لقد أظهر المسار الدبلوماسي المغربي أن التراكم والعمل المتواصل قادران على تغيير مواقع الدول وتعزيز حضورها في محيطها الدولي. لكن التحدي الحقيقي اليوم هو أن تنتقل هذه الروح الاستراتيجية إلى مختلف السياسات العمومية، وأن يصبح منطق التخطيط والتقييم والنجاعة حاضرا في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والتشغيل. فالمغرب الذي يطمح إلى تثبيت مكانته الإقليمية والدولية يحتاج بالقدر نفسه إلى تقوية جبهته الداخلية، وإلى مؤسسات تحظى بثقة المواطنين، وإلى نخب قادرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات.
إننا لا نحتاج إلى الاختيار بين الدبلوماسية والتنمية، ولا بين الإجماع الوطني والنقاش الديمقراطي، ولا بين الاستقرار والإصلاح. بل نحتاج إلى الجمع بينها في مشروع وطني متكامل، يجعل من المكتسبات الدبلوماسية رافعة للتنمية، ومن المؤسسات فضاء للمساءلة والابتكار، ومن المشاركة السياسية مدخلا لتجديد النخب، ومن العدالة الاجتماعية أساسا لتعزيز الثقة في المستقبل.
إن المغرب بعد المكاسب الدبلوماسية ليس مطالبا بالاكتفاء بالاحتفاء بما تحقق، بل مطالب بأن يبرهن على قدرته على بناء ما هو آت. فالمكتسبات تمنح الدولة موقعا تفاوضيا وسياسيا، أما التنمية والنجاعة والعدالة والكفاءة فهي التي تمنح هذا الموقع مضمونه المستدام. لقد آن الأوان للانتقال من سؤال ماذا ربحنا في الخارج إلى سؤال ماذا سننجز في الداخل؛ لأن قوة الدول لا تقاس فقط بما تكسبه في معارك الدبلوماسية، وإنما بما تمنحه لمواطنيها من كرامة وفرص وثقة في المستقبل.