إعفاءات المنصوري لا تصنع الرفاه: الحكومة توزع التخفيضات وتترك جذور الغلاء بلا علاج

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه
العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

كلما ضاقت القدرة الشرائية للمغاربة، خرجت الحكومة بحزمة جديدة من الإجراءات التي تقدمها باعتبارها بشائر انفراج اجتماعي. وهذه المرة، جاء الدور على الضريبة على الدخل: إعفاءات واسعة للأجراء، وتخفيضات تدريجية في الاقتطاعات، وأرقام تبدو للوهلة الأولى مغرية بما يكفي لصناعة عنوان مريح في نشرات الأخبار.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق التصفيق ليس كم درهما ستعيد الحكومة إلى جيب الأجير، بل لماذا أصبح هذا الجيب عاجزا أصلا عن مجاراة تكاليف الحياة؟ وهل يكفي تخفيض الضريبة لتخفيف أزمة القدرة الشرائية، أم أننا أمام معالجة جزئية لمرض اقتصادي واجتماعي أعمق من أن تعالجه وصفة ضريبية واحدة؟

فالحكومة تعلن أن الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن عشرة آلاف درهم ستصبح معفاة من الضريبة على الدخل ابتداء من فاتح يناير 2027، وأن نسبة الأجراء المعفيين سترتفع إلى 87 في المائة. كما تقدر الكلفة المالية للإجراء بنحو 5.5 مليارات درهم خلال السنة الأولى، وتتحدث عن مكسب شهري يقارب 500 درهم بالنسبة إلى غالبية المستفيدين المعنيين.

لا أحد يستطيع أن يجادل في أهمية الاحتفاظ بجزء أكبر من أجر العمل، ولا في حق الموظف والأجير في أن يستفيدا من دخل يحفظ كرامتهما. لكن الاعتراف بأهمية الإجراء لا يعني التسليم بأنه حل للأزمة، ولا يمنح الحكومة حق تحويل تعديل ضريبي إلى شهادة نجاح اجتماعي مسبقة.

فالإعفاء من الضريبة ليس زيادة في الأجر بالمعنى الاقتصادي الكامل، وإنما هو تخفيف لاقتطاع كان يطال الدخل. والفارق كبير بين أن تمنح الأجير جزءا مما كان يقتطع منه، وبين أن ترفع قدرته الفعلية على العيش، في سوق تتغير فيها أسعار المواد الأساسية والخدمات والسكن والنقل بوتيرة قد تبتلع أي تحسن محدود في دخله.

87 في المائة معفيون… ولكن ماذا عن كلفة الحياة؟

تقدم الحكومة نسبة 87 في المائة باعتبارها عنوانا مركزيا للإصلاح. وهي نسبة مهمة من حيث عدد الأجراء الذين سيستفيدون من الإعفاء الكلي، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الاجتماعي الأهم: كم أصبح يكلف العيش في المغرب، وكم يحتاج الموظف أو الأجير في نهاية الشهر لتغطية حاجيات أسرته؟

قد يكون راتب عشرة آلاف درهم رقما يبدو مريحا في النقاشات النظرية، لكنه لا يحمل القيمة نفسها بالنسبة إلى موظف يعيش بمفرده في مدينة صغيرة، وموظف يعيل أسرة ويؤدي كراء السكن ويتحمل مصاريف النقل والتعليم والعلاج في مدينة كبيرة. فالدخل الاسمي لا يكشف وحده مستوى العيش، ما لم نضع إلى جانبه عدد أفراد الأسرة، وتكاليف السكن، والالتزامات الشهرية، ومستوى الخدمات العمومية المتاحة.

ثم إن نسبة الإعفاء لا تعني أن جميع المستفيدين سيحصلون على المكسب نفسه. فالأثر يتوقف على وضعية كل أجير، ومقدار الضريبة التي كان يؤديها، وطريقة احتساب دخله الخاضع للضريبة. لذلك، فإن الحديث عن مكسب يقارب 500 درهم يجب أن يقرأ باعتباره تقديرا حكوميا لغالبية المعنيين، لا زيادة موحدة ستصل بالقيمة نفسها إلى كل موظف وأجير.

أما الفئات التي ستواصل أداء الضريبة، والتي تمثل بحسب الأرقام المعلنة 13 في المائة من الأجراء، فمن حقها أيضا أن تعرف كيف سيتطور العبء الضريبي عليها، وكيف ستوزع التخفيضات بين شرائح الدخل المختلفة. فالعدالة الجبائية لا تقاس بعدد المعفيين فقط، وإنما كذلك بمدى تناسب المساهمة الضريبية مع القدرة على الأداء، وبكيفية تمويل الخدمات التي يحتاج إليها الجميع.

تخفيض الضريبة لا يخفض الأسعار تلقائيا

هنا بالضبط تكمن الفجوة بين الإعلان الحكومي والواقع الاجتماعي. فالضريبة على الدخل ليست سوى عنصر واحد في معادلة القدرة الشرائية، بينما تتوزع الأعباء اليومية على سلة واسعة من المصاريف، من الغذاء والسكن إلى النقل والطاقة والعلاج والتعليم.

حين ترتفع كلفة هذه الحاجيات، فإن تخفيف الاقتطاع الضريبي قد يمنح الأسرة هامشا إضافيا، لكنه لا يضمن أن يتحول ذلك الهامش إلى تحسن مستدام في مستوى العيش. وإذا ظلت الأسعار مرتفعة، والخدمات الأساسية مكلفة، والأجور عاجزة عن مواكبة الحاجيات، فإن جزءا من المكسب الضريبي سيجد طريقه سريعا إلى النفقات الضرورية.

والسؤال الذي لا ينبغي للحكومة أن تهرب منه هو: ما سياستها المتكاملة لحماية القدرة الشرائية؟ أين إجراءات تحسين المنافسة في الأسواق، ومحاربة الممارسات الاحتكارية حيث تثبت، وتقوية مراقبة الأسعار وفق القانون، وتوسيع العرض في القطاعات التي تعرف اختلالات؟ وأين التقييم المنتظم لأثر السياسات العمومية على كلفة عيش الأسر، بدل الاكتفاء بعرض مبالغ التخفيضات والدعم؟

إن المواطن لا يشتري القدرة الشرائية من جدول الضريبة، ولا يملأ ثلاجته بنسبة الإعفاء، ولا يؤدي كراء بيته بالوعود. إنه يحتاج إلى دخل كاف، وأسعار يمكن تحملها، وخدمات عمومية موثوقة، وسياسات اقتصادية ترفع الإنتاجية وتخلق فرص الشغل وتحمي الفئات الهشة من تقلبات السوق.

إصلاح يمتد إلى 2031… والمواطن يعيش فاتورة اليوم

ومن بين النقاط التي تستحق المساءلة أن الإصلاح المعلن لا يقتصر على تغيير فوري ونهائي لكل الأشطر الضريبية، بل يتضمن مسارا تدريجيا يمتد إلى السنوات المقبلة. فالحكومة تتحدث عن رفع سقف الدخل السنوي الصافي المعفى من الضريبة إلى 60 ألف درهم، وعن تقليص المعدل الهامشي الأعلى تدريجيا إلى 30 في المائة في أفق سنة 2031.

من حيث المبدأ، يمكن للتدرج أن يتيح ضبط الكلفة المالية للإصلاح وتوزيعها على عدة سنوات. لكن من حق المواطنين أن يسألوا عن المقابل الذي سيحصلون عليه خلال هذه المرحلة، وعن المعايير التي ستحدد ترتيب الأولويات، وعن الضمانات التي تجعل الالتزامات المعلنة قابلة للتنفيذ.

فالموظف الذي يواجه مصاريف اليوم لا يستطيع تأجيلها إلى 2031، والأسرة التي تثقلها كلفة السكن لا يمكن مطالبتها بالانتظار حتى يكتمل الجدول الضريبي النهائي. وإذا كانت الحكومة تتبنى إصلاحا تدريجيا، فعليها أن تقدم في المقابل جدولا واضحا للنتائج المنتظرة، وأن تنشر تقييما دوريا لما تحقق فعلا، لا أن تترك المواطنين أمام سلسلة من الوعود المؤجلة.

كما أن نجاح الإصلاح لا ينبغي أن يقاس فقط بما خفضته الدولة من اقتطاعات، بل بما إذا كان الأجراء قد تمكنوا من تحسين مستوى عيشهم، وبما إذا كانت الفوارق الاجتماعية قد تراجعت، وبما إذا كانت السياسة الجبائية قد أصبحت أكثر إنصافا ووضوحا.

الكهرباء والمعاشات والدعم… إجراءات متفرقة أم سياسة اجتماعية متكاملة؟

تتحدث الحكومة أيضا عن تحمل فواتير الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، لفائدة نحو ستة ملايين مشترك، بكلفة تقديرية تبلغ 2.8 مليار درهم خلال سنة 2027. كما أعلنت رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم شهريا ابتداء من يناير 2027، مع هدف الوصول إلى 3000 درهم في أفق 2031، إلى جانب رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم شهريا ابتداء من السنة نفسها.

هذه إجراءات قد يستفيد منها عدد من الأسر، ولا يصح التقليل من أثرها على من تنطبق عليهم شروط الاستفادة. لكن جمعها في حزمة واحدة لا يجعلها تلقائيا سياسة اجتماعية متكاملة. فكل إجراء يحتاج إلى تحديد دقيق للفئات المستفيدة، ومعايير الاستحقاق، ومصادر التمويل، وآليات التتبع، ومدى قدرته على مواجهة الحاجيات الفعلية.

وتحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز سقفا محددا قد يخفف العبء عن عدد كبير من المشتركين، لكنه لا يعالج بمفرده مجموع كلفة الطاقة التي تتحملها الأسر، كما أن رفع الحد الأدنى للمعاشات يظل خطوة تحتاج إلى تقييم في ضوء تكاليف المعيشة والحاجيات الصحية والاجتماعية للمتقاعدين.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، فإن قيمته الحقيقية لا تتحدد بالمبلغ المعلن وحده، وإنما بمدى وصوله إلى الأسر المستحقة، وبقدرته على تخفيف الفقر والهشاشة، وبمدى تكامله مع سياسات التشغيل والتكوين وتحسين الخدمات العمومية.

المطلوب إذن ليس أن تتوقف الحكومة عن تقديم الدعم أو تخفيف الضرائب، بل أن تتوقف عن التعامل مع هذه الإجراءات كما لو أن الإعلان عنها يساوي حل المشكلات التي استدعتها. فالسياسة الاجتماعية الناجحة لا تجمع التدابير في لائحة واحدة فحسب، بل تربط بينها ضمن رؤية واضحة، وتحدد أهدافها ومؤشرات قياسها، وتعلن نتائجها بشفافية.

من سيمول الإصلاح؟ ومن يتحمل العبء الأكبر؟

تقدر الحكومة كلفة الإجراء المتعلق بالضريبة على الدخل بنحو 5.5 مليارات درهم خلال سنة 2027، إلى جانب كلفة تحمل فواتير الكهرباء المقدرة بـ2.8 مليار درهم. وهذه مبالغ مهمة تستدعي نقاشا جديا حول مصادر التمويل، وأثر الإجراءات على موارد الدولة، وكيفية الحفاظ على تمويل الصحة والتعليم والنقل والبنيات الأساسية.

ليس من الإنصاف مطالبة الحكومة بتخفيف العبء الضريبي، ثم تجاهل السؤال عن كيفية تعويض الموارد التي ستتراجع. كما ليس من المقبول استخدام كلفة الإصلاح ذريعة لإرجاء كل نقاش حول الإنصاف الجبائي. المطلوب هو ميزان واضح: تخفيف الضرائب حيث يكون ذلك منصفا وفعالا، وتوسيع قاعدة الامتثال الضريبي، ومحاربة التهرب والغش، ومراجعة الامتيازات غير المبررة، وضمان أن يتحمل كل طرف نصيبه العادل من تمويل الخدمات العمومية.

وهنا تبرز أهمية الشفافية. فالمغاربة يحتاجون إلى معرفة الأثر المتوقع لهذه التدابير على مداخيل الدولة، وإلى أي حد ستستفيد منها مختلف شرائح الدخل، وما الإجراءات الموازية التي ستمنع أن يتحول تخفيف الضريبة على الأجراء إلى إصلاح معزول لا يغير الاختلالات الأوسع في توزيع العبء الجبائي.

والأهم أن تكون هناك محاسبة على النتائج. فإذا أعلنت الحكومة أن إجراء ما سيحسن القدرة الشرائية، فعليها أن تقدم لاحقا معطيات قابلة للتحقق بشأن أثره الفعلي، لا أن تكتفي بإعادة الأرقام نفسها كلما احتاجت إلى الدفاع عن حصيلتها.

ما الذي ينبغي أن تطالب به المعارضة؟

لا يكفي أن ترفض المعارضة الإعفاءات الضريبية لمجرد أن الحكومة أعلنتها، كما لا ينبغي أن تصادق عليها سياسيا لمجرد أنها تبدو مفيدة. دورها هو أن تفحص تفاصيل الإصلاح، وتحدد المستفيدين منه، وتختبر عدالته، وتطالب ببيانات واضحة عن كلفته ونتائجه.

وعليها أن تسأل الحكومة عن العلاقة بين تخفيض الضريبة وتطور الأجور، وعن أثر التضخم وتكاليف السكن والنقل على الأسر، وعن حجم الموارد التي يمكن استعادتها عبر محاربة التهرب الضريبي، وعن مدى عدالة توزيع العبء بين الدخول المختلفة. كما ينبغي أن تطالب بتقييم سنوي مستقل لمدى تحسن القدرة الشرائية، حتى لا يتحول النقاش إلى منافسة بين أرقام حكومية وشعارات معارضة.

فالمعارضة الجادة لا تكتفي بالقول إن الإجراء غير كاف، بل تشرح لماذا هو غير كاف، وما الذي ينبغي أن يرافقه، وكيف يمكن قياس أثره، وما البدائل القابلة للتنفيذ التي تقترحها. بهذا المعنى، تصبح مراقبة الحكومة عملا مؤسساتيا يهم حياة المواطنين، لا مجرد سجال سياسي حول من يملك العبارة الأكثر تأثيرا.

المطلوب أكثر من إعفاء ضريبي

إن تخفيف الضريبة على الدخل قد يكون خطوة مفيدة، لكنه ليس نهاية الإصلاح الاجتماعي ولا دليلا مستقلا على نجاح السياسة الاقتصادية. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على تحويل هذه التدابير إلى تحسن ملموس ومستدام في حياة الناس، وعلى معالجة الأسباب التي تجعل الأسر تشعر بأن دخلها يتآكل حتى عندما تتحسن بعض المؤشرات المالية.

تحتاج البلاد إلى سياسة للأجور ترتبط بالإنتاجية وتطور تكاليف العيش، وإلى خدمات عمومية تقلل ما تضطر الأسر إلى إنفاقه من مالها الخاص، وإلى سوق أكثر شفافية ومنافسة، وإلى عدالة ضريبية لا تجعل الأجير المصرح بدخله الحلقة الأسهل في التحصيل، وإلى دعم اجتماعي يصل إلى مستحقيه ضمن رؤية تحمي الكرامة وتوسع فرص الإدماج الاقتصادي.

أما تحويل كل إعفاء إلى انتصار حكومي، وكل تخفيض إلى دليل على أن الأزمة أصبحت وراءنا، فليس سوى اختزال لمشكلة معقدة في عنوان مريح. المواطن لا يطلب من الحكومة أن تعفيه من الضريبة فقط، بل يريد أن يعرف كيف سيعيش بأمان مالي أكبر، وكيف سيؤمن حاجيات أسرته، وكيف سيجد خدمة صحية وتعليما ونقلا لائقا دون أن تتحول هذه الحاجيات إلى استنزاف دائم لدخله.

الإعفاء الضريبي يترك بعض المال في جيب الأجير، لكنه لا يبني وحده قدرة شرائية قوية. وما تحتاج إليه البلاد ليس حكومة تتقن إعلان التخفيضات فحسب، بل حكومة تقدم حسابا واضحا عن الأسعار والأجور والخدمات والعدالة الجبائية، وتثبت بالأرقام أن حياة المواطنين تتحسن فعلا، لا أن جدول الضرائب وحده هو الذي تغير.