إعفاء وزاري بعد 48 ساعة: مسؤولية بنت الصالحين وأزمة الاختيار داخل الأغلبية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
لم تنتظر الحكومة المغربية الجديدة طويلا حتى تواجه أول اختبار سياسي يضع تماسك أغلبيتها وقدرتها على التنسيق أمام المساءلة. فإعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بعد يومين فقط من تعيينها، لا يمكن قراءته باعتباره تغييرا إداريا عابرا فحسب؛ إذ جاء في لحظة تأسيسية يفترض أن تنشغل فيها الحكومة بتثبيت الانسجام الداخلي وتقديم صورة واضحة عن جاهزيتها لتحمل المسؤولية. وهنا تبرز المفارقة: أغلبية أعلنت أن هدفها تشكيل حكومة قوية ومنسجمة، تجد نفسها منذ البداية أمام واقعة تثير أسئلة حول آليات اختيار أعضائها وحدود التنسيق بين مكوناتها.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في الإعفاء ذاته، فالتصحيح يظل جزءا من منطق المسؤولية المؤسساتية، وإنما في توقيته ودلالته السياسية. حين يُعلن عن تعيين وزيرة، ثم يُقبل طلب إعفائها بعد فترة وجيزة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت عملية انتقاء المرشحين قد خضعت للتدقيق اللازم، وما إذا كانت المشاورات بين قيادة الحكومة والأحزاب المشاركة في الأغلبية قد أنتجت اختيارات متماسكة بالفعل. ولا يعني ذلك الجزم بأن الإعفاء نتج عن خلاف حزبي أو خلل محدد، إذ لم يعلن البلاغ الرسمي أسباب القرار، لكنه يفتح نقاشا جديا حول جودة التنسيق الذي سبق التعيين.
وتزداد دلالة الواقعة عند وضعها في سياق البنية البرلمانية للأغلبية الجديدة. فالائتلاف المكون من أربعة أحزاب يستند إلى 207 مقاعد في مجلس النواب، مقابل 198 مقعدا تمثل عتبة الأغلبية المطلقة. وبذلك لا يتجاوز هامشه العددي تسعة مقاعد فوق هذه العتبة، وهو ما يجعل المحافظة على الانضباط والتنسيق بين مكوناته مسألة ذات أهمية سياسية واضحة. فالأغلبية هنا لا تملك ترف التعامل مع الخلافات الداخلية باعتبارها شأنا ثانويا؛ إذ إن أي غياب أو خلاف أو تباين في المواقف قد يرفع كلفة التفاوض بشأن بعض الاستحقاقات التشريعية، خصوصا حين يتعلق الأمر بالتصويت على مشاريع كبرى أو بالميزانية.
ومع ذلك، فإن ضيق الهامش العددي لا يكفي وحده للحكم بأن الأغلبية عاجزة أو محكوم عليها بالتفكك. فاستقرار الائتلافات الحكومية يرتبط كذلك بمدى التقارب بين مكوناتها، وبقوة الاتفاق السياسي الذي يجمعها، وبقدرتها على تسوية الخلافات عبر مؤسسات التنسيق الداخلية. لكن الإعفاء المبكر يطرح سؤالا استباقيا: إذا كان التوافق على التشكيلة الوزارية قد واجه مثل هذا الاختبار في أيامه الأولى، فكيف ستدبر الأغلبية الخلافات الأكثر تعقيدا حين تنتقل من توزيع المسؤوليات إلى اتخاذ القرارات التي تمس المصالح الحزبية والاجتماعية والاقتصادية؟
في هذا الإطار، تصبح مسؤولية رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، مسؤولية سياسية تتجاوز تدبير تداعيات الإعفاء. فهي تقود الائتلاف الحكومي، وتقع على عاتقها مهمة ضمان الحد الأدنى من الانسجام بين مكوناته، والتوفيق بين حق الأحزاب في اقتراح مرشحيها وبين ضرورة التأكد من ملاءمة الاختيارات لمتطلبات المنصب الوزاري. ولا يعني ذلك تحميلها وحدها كل تفاصيل القرار، أو افتراض مسؤولية قانونية غير ثابتة، بل التأكيد على أن قيادة الحكومة مطالبة بتوضيح كيفية تدبير عملية الاختيار والتنسيق، وما إذا كانت الواقعة ستفضي إلى مراجعة الإجراءات المعتمدة قبل التعيين.
ومن منظور العلوم السياسية، يمكن النظر إلى هذا الإعفاء باعتباره مؤشرا مبكرا على جودة التنسيق داخل الائتلاف، لا دليلا نهائيا على فشله. فالحكومات الائتلافية تقوم على معادلة دقيقة تجمع بين التمثيل الحزبي ومتطلبات الفعالية الحكومية. وإذا طغت الحسابات المتعلقة بتوزيع المناصب على معايير الكفاءة والتدقيق، فقد تصبح التعيينات نفسها مصدرا للتوتر بدلا من أن تكون مدخلا إلى الاستقرار. أما إذا كانت هناك آليات واضحة للمراجعة والتشاور وتحديد المسؤوليات، فيمكن احتواء مثل هذه الواقعة ومنعها من التحول إلى أزمة متكررة.
وتتصل هذه المسألة أيضا بمصداقية الالتزامات التي أعلنتها الأحزاب الأربعة عند تشكيل الأغلبية، ولا سيما ما يتعلق بتقديم مرشحين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والحس السياسي، وبناء حكومة منسجمة وقادرة على تنفيذ برنامجها. فهذه الالتزامات لا تُختبر في البيانات السياسية، وإنما في الممارسة العملية، بدءا من طريقة انتقاء المسؤولين، مرورا بقدرة مكونات الحكومة على تنسيق قراراتها، وانتهاء بمدى استعدادها لتحمل المسؤولية عند ظهور الاختلالات.
ولذلك، فإن الإعفاء يضع الأغلبية أمام اختبار مزدوج: اختبار جودة الاختيار، واختبار القدرة على إدارة الخلافات دون أن تنعكس على صورة الحكومة وفعاليتها. فإذا تعاملت مكونات الائتلاف مع الواقعة باعتبارها مناسبة لتوضيح المسؤوليات وتحسين آليات التنسيق، فقد تحد من آثارها وتستعيد التركيز على البرنامج الحكومي. أما إذا بقيت الأسئلة معلقة، أو تحولت الواقعة إلى تبادل للمسؤولية بين الأحزاب، فإنها قد تعمق الشكوك بشأن قدرة الأغلبية على إنتاج قرار مشترك ومستقر.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تستنزف هذه الأزمة المبكرة الوقت السياسي الذي تحتاج إليه الحكومة لمواجهة الأولويات الاجتماعية والاقتصادية. فانتظارات المواطنين تتعلق بالتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والعدالة المجالية، ولا يمكن الاستجابة لها دون حكومة تركز على التنفيذ وتملك آليات فعالة لتجاوز التباينات الداخلية. إن قيمة الاستقرار الحكومي لا تقاس فقط بقدرة الائتلاف على البقاء، بل بقدرته على تحويل اتفاقه السياسي إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة.
إن الاختبار الحقيقي للأغلبية الجديدة ليس أن تثبت أنها لا تعرف الخلاف، فذلك أمر يصعب تحقيقه في أي ائتلاف متعدد الأحزاب، بل أن تثبت امتلاكها وسائل مؤسساتية لتدبيره. كما أن الاختبار الحقيقي لرئيسة الحكومة لا يقتصر على احتواء تداعيات الإعفاء، بل يشمل تقديم توضيح مسؤول بشأن مسار الاختيار، وتحديد ما ينبغي مراجعته، وضمان ألا تتحول التوازنات الحزبية إلى عائق أمام جودة القرار العمومي.
في المحصلة، لا يكفي إعفاء وزيرة بعد يومين لإعلان فشل الحكومة أو الحكم بانهيار أغلبيتها، لكنه يكفي لطرح سؤال جدي حول مدى تماسكها في بداية ولايتها. فالأغلبية التي لا يتجاوز هامشها تسعة مقاعد فوق عتبة الأغلبية المطلقة تحتاج إلى أكثر من اتفاق لتوزيع الحقائب؛ تحتاج إلى ثقة متبادلة، وتنسيق فعال، ومسؤولية مشتركة. ومن هنا، فإن إعفاء ماديحة خيير ليس نهاية الاختبار، بل بدايته: فإما أن يتحول إلى فرصة لتقوية قواعد العمل الحكومي، وإما أن يبقى مؤشرا مبكرا على أن الانسجام المعلن لم يتحول بعد إلى ممارسة سياسية راسخة.