الأحزاب لا تحتاج إلى تغيير الوجوه فقط… بل إلى فتح الأبواب أمام الكفاءات

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية**

ليست أزمة السياسة في المغرب أزمة برامج انتخابية فحسب، ولا أزمة شعارات ترفع خلال الحملات ثم تختفي بعد إغلاق صناديق الاقتراع، بل هي، في جانب جوهري منها، أزمة تجديد للنخب، وأزمة ثقة بين المجتمع والأحزاب التي يفترض أن تؤطره وتمثله وتنقل مطالبه إلى المؤسسات. وحين يشعر الشباب بأن الطريق إلى مواقع القرار لا يمر بالضرورة عبر الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، بل قد يتوقف عند حسابات الولاء وشبكات المصالح وموازين النفوذ داخل التنظيمات، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد ضعف المشاركة السياسية: أي مستقبل نريده لحياة حزبية لا تمنح أبناءها الجدد فرصة حقيقية للصعود؟

لقد آن الأوان لفتح نقاش صريح حول معايير اختيار المرشحين للانتخابات، وطريقة توزيع المسؤوليات داخل الهياكل الحزبية، وحدود قدرة الأحزاب على تجديد نفسها من الداخل. فالوطن لا يعاني نقصا في الطاقات ولا فقرا في الكفاءات؛ ففي الجامعات ومراكز البحث والإدارات والمقاولات والمجتمع المدني توجد أجيال تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على اقتراح الحلول. لكن امتلاك الكفاءة شيء، وإيجاد الطريق إلى مواقع القرار شيء آخر. وبين الأمرين تقف، أحيانا، حواجز تنظيمية وسياسية تجعل الانتماء الحزبي رحلة طويلة من الانتظار، بينما تظل مواقع المسؤولية محكومة بحسابات لا يكون الاستحقاق دائما معيارها الأول.

حين تصبح الانتخابات مكافأة للولاء بدل أن تكون امتحانا للكفاءة

لا يكفي أن تعلن الأحزاب رغبتها في استقطاب الشباب، ولا أن تملأ صور المرشحين بوجوه جديدة خلال الحملات الانتخابية، إذا كانت القرارات الحاسمة المتعلقة بالتزكيات والترشيحات وتوزيع المسؤوليات تصنع داخل دوائر ضيقة لا تتيح للأعضاء والمناضلين المشاركة الفعلية في تحديد الخيارات. فالتجديد الحقيقي لا يبدأ يوم تقديم لوائح الترشيح، بل يبدأ داخل الفروع المحلية، وفي المؤتمرات، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي احترام حق الأعضاء في التنافس على المسؤولية دون أن تتحول المنافسة إلى اختبار للولاء للأشخاص.

إن الحزب الذي يريد أن يكون مدرسة للديمقراطية لا يمكنه أن يطالب المجتمع باحترام الاختيار الديمقراطي، بينما لا يمنح أعضاءه ما يكفي من فرص الاختيار والمحاسبة والتداول على المسؤولية. كما أن الحزب الذي يرفع شعار الكفاءة لا ينبغي أن يكتفي باستدعاء أصحاب الشهادات والخبرات عند الحاجة إلى تزيين برنامجه أو تقوية صورته الإعلامية، ثم يتركهم خارج دائرة القرار حين يتعلق الأمر بالتزكيات والمناصب التنظيمية.

فالانتماء السياسي ليس عقد ولاء دائم للأشخاص، والكفاءة ليست زينة تضاف إلى الخطاب الحزبي. إنهما، في التجربة الديمقراطية السليمة، عنصران ينبغي أن يلتقيا داخل مؤسسات قادرة على استقطاب الطاقات وتقييمها ومحاسبتها على أساس الأداء والالتزام والقدرة على خدمة الصالح العام.

الشباب لا يريد مقعدا رمزيا… بل فرصة فعلية للمشاركة في القرار

من الخطأ اختزال أزمة علاقة الشباب بالسياسة في ضعف اهتمامهم بالشأن العام. فالشاب الذي يناقش قضايا البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وجودة التعليم والصحة والعدالة المجالية، ويشارك في النقاش العمومي عبر الفضاء الرقمي أو المبادرات المدنية، لا يمكن وصفه ببساطة بأنه غير مبال بالسياسة. قد يكون، في حالات كثيرة، رافضا للقنوات التي تعرض عليه للمشاركة، أو غير مقتنع بأن انخراطه في حزب ما سيمنحه القدرة على التأثير في القرارات.

وهنا ينبغي على الأحزاب أن تراجع سؤالها التقليدي: لماذا لا ينخرط الشباب في صفوفنا؟ وأن تطرح بدلا منه سؤالا أكثر صعوبة: ماذا نقدم لهم حتى يثقوا في مؤسساتنا، ويجدوا داخلها مساحة للتعبير والمبادرة والتنافس النزيه؟

إن استعادة الثقة لا تتحقق بخطاب عاطفي عن الأجيال الصاعدة، ولا بتنظيم لقاءات موسمية مع الطلبة والشباب، ولا بإسناد أدوار شكلية إليهم في الحملات الانتخابية. تتحقق عندما يصبح الشاب قادرا على الوصول إلى المسؤولية بناء على مسار واضح، وعندما تكون التزكية نتيجة منافسة داخلية شفافة، وعندما يستطيع العضو أن ينتقد أداء القيادة دون أن يتحول اختلافه إلى سبب لإبعاده أو تهميشه.

والأهم أن تجديد النخب لا يعني إقصاء السياسيين ذوي التجربة لمجرد تقدمهم في العمر. فالتجربة السياسية رصيد مهم حين تقترن بالقدرة على التطور وتقبل النقد ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة. أما الخلل فيظهر حين تتحول التجربة إلى احتكار دائم للمواقع، وحين يصبح التداول على المسؤولية استثناء، ويصبح حضور الوجوه نفسها قاعدة يصعب تغييرها.

القانون يفتح الباب… لكن الأحزاب هي التي تقرر إن كانت ستسمح بالعبور

عرف الإطار القانوني المنظم للأحزاب والانتخابات في المغرب تعديلات تستهدف، ضمن أمور أخرى، تشجيع مشاركة الشباب والنساء وتعزيز حضورهم في الحياة السياسية. غير أن النصوص القانونية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها إنتاج ثقافة ديمقراطية داخل التنظيمات؛ فالقواعد تحدد الإطار، بينما تحدد الممارسة الحزبية مدى احترام روحها وأهدافها.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق التحفيز القانوني إلى منطق التمكين السياسي الفعلي. ويعني ذلك أن تعلن الأحزاب معايير واضحة للتزكية، وأن تتيح منافسة داخلية حقيقية، وأن تقدم لأعضائها معلومات دقيقة حول كيفية اتخاذ القرارات، وأن تجعل المسؤوليات التنظيمية قابلة للمساءلة والتداول. كما يعني أن تتعامل مع الشباب باعتبارهم شركاء في صياغة البرامج، لا مجرد فئة انتخابية يراد استقطاب أصواتها عند اقتراب موعد الاقتراع.

ومن الضروري أيضا ألا تختزل الكفاءة في الشهادات الجامعية وحدها؛ فالسياسة تحتاج إلى المعرفة القانونية والاقتصادية، لكنها تحتاج كذلك إلى النزاهة، والقدرة على التواصل مع المواطنين، وفهم الواقع المحلي، والاستعداد للعمل الميداني، واحترام المؤسسات. لذلك فإن فتح المجال أمام الكفاءات ينبغي أن يقوم على معايير متعددة وواضحة، حتى لا يتحول شعار الاستحقاق نفسه إلى وسيلة جديدة لإقصاء فئات اجتماعية أو احتكار القرار من طرف نخبة مغلقة.

منطق الأعيان والمال لا ينبغي أن يطغى على منطق الاستحقاق

من بين الأسئلة التي تستحق نقاشا جديا داخل الحياة الحزبية، مدى تأثير الموارد المالية والشبكات المحلية والعلاقات الشخصية في اختيار المرشحين. فالقدرة على تمويل الحملة أو امتلاك شبكة واسعة من العلاقات لا تعني بالضرورة امتلاك الكفاءة التشريعية أو القدرة على مراقبة الحكومة أو صياغة السياسات العمومية.

وبالمقابل، لا ينبغي افتراض أن كل مرشح يمتلك الموارد أو الحضور المحلي يفتقر إلى الكفاءة، كما لا ينبغي منح أصحاب الشهادات والخبرات حصانة من النقد لمجرد مؤهلاتهم. المطلوب هو منافسة عادلة تتيح للمواطنين مقارنة المرشحين على أساس برامجهم ومساراتهم ونزاهتهم وقدرتهم على تمثيل السكان، وتمنح الكفاءات التي لا تتوفر على إمكانات مالية كبيرة فرصة واقعية لدخول المنافسة.

إن الديمقراطية تفقد جزءا من معناها حين يشعر المواطن بأن فرص الوصول إلى المؤسسة المنتخبة متفاوتة قبل بدء المنافسة نفسها. ولذلك تكتسب الشفافية في التزكيات، والرقابة على تمويل الحملات، وتكافؤ الفرص داخل الأحزاب، أهمية لا تقل عن أهمية يوم التصويت. فالثقة لا تتكون فقط عند صناديق الاقتراع، بل تتشكل منذ اللحظة التي يقرر فيها الحزب من يستحق أن يحمل اسمه ويدافع عن برنامجه أمام المواطنين.

التجديد ليس عملية تجميل… بل إصلاح لطريقة اشتغال السياسة

إن الرهان الحقيقي أمام الأحزاب المغربية لا يتمثل في تغيير بعض الوجوه مع الإبقاء على طرق الاشتغال نفسها، بل في مراجعة العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين الخبرة والتجديد، وبين المال والكفاءة، وبين الانتماء الحزبي وحق الاختلاف. فالأحزاب التي تريد الاستمرار لا يكفيها أن تحافظ على هياكلها التنظيمية؛ عليها أن تثبت قدرتها على إنتاج أفكار جديدة، واحتضان كفاءات متنوعة، وتجديد قياداتها، وتكوين أجيال قادرة على تحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن الإصلاح الحزبي ينبغي أن يبدأ بإجراءات عملية قابلة للتقييم: نشر معايير التزكية قبل اعتماد المرشحين، وتنظيم منافسات داخلية شفافة، وتوسيع صلاحيات الفروع المحلية، وتقديم تقارير دورية عن مشاركة الشباب في أجهزة القرار، وتوفير تكوين سياسي وتشريعي حقيقي، وضمان حق الأعضاء في النقد والمساءلة. فهذه الإجراءات أكثر دلالة من الاكتفاء بترديد شعار تشبيب الأحزاب، لأنها تنقل التجديد من مستوى النوايا إلى مستوى القواعد والمؤسسات.

ولا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية كل مظاهر العزوف السياسي، فالثقة تتأثر أيضا بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، وبأداء المؤسسات، وبمدى إحساس المواطنين بأن المشاركة تحدث فرقا في حياتهم. لكن الأحزاب تظل مطالبة بمراجعة ما يقع داخلها، لأنها لا تستطيع المطالبة بتجديد الحياة العامة دون أن تبدأ بتجديد حياتها التنظيمية.

الوطن يحتاج إلى من يفتح المستقبل، لا إلى من يحرس المواقع

إن المغرب في حاجة إلى نخب سياسية تجمع بين الخبرة والقدرة على التجديد، وبين المعرفة والارتباط بقضايا المواطنين، وبين الطموح الشخصي والاستعداد لخدمة الصالح العام. ولا يمكن بناء هذه النخب عبر الانتظار الطويل أو منطق الأبواب المغلقة، بل من خلال مؤسسات حزبية تجعل المسؤولية استحقاقا قابلا للتنافس، وتتعامل مع الكفاءة باعتبارها فرصة لتقوية التنظيم، لا تهديدا لمواقع القائمين عليه.

لقد حان الوقت لأن تنتقل الأحزاب من سؤال عدد المقاعد التي تستطيع الفوز بها إلى سؤال نوعية الأشخاص الذين تقترحهم لتمثيل المواطنين، ومن حسابات الحفاظ على المواقع إلى الاستثمار في أجيال جديدة من السياسيين. فالمقعد البرلماني ليس مكافأة تنظيمية، والتزكية ليست ملكية خاصة، والقيادة الحزبية ليست موقعا أبديا؛ إنها جميعا مسؤوليات عمومية ينبغي أن تخضع لمبادئ الاستحقاق والمساءلة والتداول.

أما الشباب، فلا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم فقط، بل إلى مؤسسات تمنحهم فرصة التعبير والمشاركة والتنافس والوصول إلى القرار. وحين يرى الشاب أن كفاءته واجتهاده ونزاهته يمكن أن تفتح أمامه الطريق، يصبح الانخراط السياسي خيارا له معنى، لا مغامرة في مسار مغلق.

إن تجديد النخب ليس ترفا تنظيميا يمكن تأجيله إلى مؤتمر مقبل، بل شرط من شروط استعادة الثقة في العمل الحزبي والمؤسسات التمثيلية. فالوطن لا ينقصه من يطمح إلى المسؤولية، وإنما يحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف تختار الأكفأ، وتفسح المجال أمام الأجيال الجديدة، وتمنح المواطنين دليلا ملموسا على أن السياسة ما زالت قادرة على أن تكون طريقا لخدمة المجتمع، لا مجرد وسيلة للوصول إلى المواقع.