الانتخابات التشريعية المقبلة.. رهان المستقبل واستعادة ثقة المواطن
لم تعد الانتخابات التشريعية المقبلة مجرد موعد جديد على أجندة الاستحقاقات السياسية، بل أصبحت محطة مفصلية تتقاطع فيها انتظارات المواطن مع أسئلة المستقبل ففي لحظة تعرف فيها بلادنا تحولات متسارعة وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام اختيار يتجاوز حدود الورقة الانتخابية، ليصبح سؤالًا حول أي مستقبل يريد، ومن يراه قادرًا على التعبير عن طموحاته والدفاع عن مصالحه.
إن يوم 23 شتنبر 2026 سيكون موعدًا ديمقراطيًا تتجه فيه الأنظار إلى صناديق الاقتراع، لكن خلف هذا الموعد تبرز قضية أكبر وهي كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة وكيف يمكن تحويل المشاركة الانتخابية من مجرد ممارسة دورية إلى وسيلة حقيقية للتأثير في السياسات العمومية وصناعة القرار
فبلادنا خلال السنوات الأخيرة، واجهت مجموعة من الضغوطات والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، انعكست بشكل متفاوت على الحياة اليومية للمواطنين كما أن صعوبة الظرفية الاقتصادية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد الانتظارات المرتبطة بالتعليم والصحة والشغل والخدمات الاجتماعية، كلها عوامل جعلت المواطن أكثر إلحاحًا في البحث عن إجابات وحلول ملموسة ولهذا، فإن الاستحقاق التشريعي المقبل يأتي في وقت لم يعد فيه المواطن يبحث فقط عن الخطاب السياسي، وإنما عن مشروع قادر على تحويل الوعود إلى سياسات، والبرامج إلى إجراءات، والشعارات إلى نتائج يشعر بها في حياته اليومية.
إن المواطن الذي يشعر بأن جزءًا من مطالبه لم يجد طريقه إلى الحل، قد يجد نفسه أمام خيارين: الاستمرار في الابتعاد عن السياسة، أو استعادة دوره باعتباره فاعلًا أساسيًا في العملية الديمقراطية. وبين الخيارين، يظل التصويت إحدى أهم الوسائل التي يمتلكها المواطن للتعبير عن اختياره وتحديد من سيمثله داخل المؤسسة التشريعية.
فصندوق الاقتراع ليس مجرد مكان توضع فيه الأوراق، وإنما هو المساحة التي يترجم فيها المواطن موقفه من الحاضر ورؤيته للمستقبل. ومن خلال صوته، يستطيع أن يختار البرامج والأفكار والكفاءات التي يرى أنها قادرة على الاستجابة لأولوياته.
وفي هذا السياق، تدخل الحركة الشعبية الاستحقاق التشريعي المقبل أمام رهان سياسي يرتبط بتقديم تصور واضح حول عدد من القضايا التي تشغل المواطن المغربي، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية، وإصلاح التعليم، والارتقاء بالمنظومة الصحية، ودعم فرص الشغل، وتعزيز التنمية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وتحت قيادة الأمين العام للحركة الشعبية، السيد محمد أوزين، يبرز هذا التوجه ضمن محاولة جعل القضايا الاجتماعية والاقتصادية في صلب النقاش السياسي، انطلاقًا من أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بما يقال في البرامج الانتخابية، وإنما بما يمكن تحقيقه على أرض الواقع.
فالتعليم ليس مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل هو أساس بناء الإنسان وصناعة المستقبل. والصحة ليست مجرد خدمة عمومية، وإنما حق يرتبط مباشرة بكرامة المواطن. أما العدالة الاجتماعية، فتظل أحد أهم الشروط لتحقيق تنمية متوازنة يشعر الجميع بثمارها.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أحزاب سياسية قادرة على تقديم حلول واقعية، وإلى برامج واضحة يمكن للمواطن أن يحاسب أصحابها على أساسها. كما تحتاج إلى خطاب يعيد للمواطن مكانته باعتباره محور العملية الديمقراطية، وليس مجرد صوت يُستدعى عند اقتراب موعد الانتخابات.
إن استعادة الثقة في العمل السياسي لن تكون سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فهي تبدأ بالإنصات الحقيقي للمواطن، وبالوضوح في تقديم البرامج، وبالقدرة على الوفاء بالالتزامات. والثقة، في النهاية، لا تُطلب من المواطن، وإنما تُكتسب بالممارسة والمسؤولية والإنجاز.
ولهذا، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 ينبغي أن تكون مناسبة لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وأن تتحول من مجرد تنافس انتخابي إلى تنافس حول المشاريع والرؤى والقدرة على خدمة المجتمع.
إن رهان المستقبل لا يُحسم فقط داخل المؤسسات، بل يبدأ من المواطن نفسه. فكل صوت يحمل موقفًا، وكل مشاركة تحمل اختيارًا، وكل اختيار يمكن أن يساهم في تحديد أولويات السنوات المقبلة.
وبين تعدد البرامج واختلاف الرؤى، تبقى المسؤولية الأولى للمواطن في أن يختار بوعي، وأن يجعل من صوته وسيلة للتعبير عن تطلعاته وانتظاراته. فالتغيير لا يصنعه العزوف، وإنما تصنعه المشاركة الواعية، ولا تبنى الثقة بالشعارات، وإنما بالبرامج والالتزام والعمل.
وفي هذا الموعد الديمقراطي، ستكون الكلمة للأحزاب والبرامج، لكن الكلمة الفصل ستبقى للمواطن، لأن رهان المستقبل يبدأ من صوته.
بقلم: نوفل بوصفي
طالب باحث في العلوم السياسية والدراسات الجيوستراتيجية
جامعة محمد الخامس أكدال