الدولة الاجتماعية بين الرؤية الملكية وتعثر التنزيل الحكومي: لماذا لا يشعر المواطن بالأثر؟
افتتاحية الصباح
بقام عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
منذ سنوات، وضع المغرب ورشا استراتيجيا كبيرا يتمثل في بناء الدولة الاجتماعية، باعتبارها خيارا وطنيا يهدف إلى تعزيز الكرامة والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق. وهو الورش الذي حظي بدفع قوي من طرف جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الحماية الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية، ودعم الفئات الهشة، أولوية مركزية ضمن النموذج التنموي للمملكة.
لقد كان واضحا أن الرؤية الملكية تتجه نحو مغرب أكثر إنصافا، يكون فيه المواطن في صلب السياسات العمومية، لا مجرد رقم داخل التقارير. كما حمل هذا الورش أملا حقيقيا لدى فئات واسعة من المغاربة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعرفها العالم.
غير أن الإشكال اليوم لا يتعلق بالرؤية في حد ذاتها، بل بمدى نجاح الحكومة في تنزيلها على أرض الواقع. فبين الطموح الكبير الذي حمله هذا المشروع الملكي، والإحساس اليومي للمواطن، تبدو هناك فجوة واضحة. لأن المواطن، رغم كل ما يعلن من برامج وإجراءات، ما زال يواجه نفس الضغوط المرتبطة بالغلاء، وضعف القدرة الشرائية، وصعوبة الولوج أحيانا إلى خدمات أساسية بالجودة المطلوبة.
فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بإطلاق الأوراش، بل بمدى تأثيرها المباشر على حياة الناس. حين يشعر المواطن أن العلاج ما زال مكلفا، وأن الشغل غير مستقر، وأن مستوى العيش يزداد صعوبة، يصبح من الطبيعي أن يطرح السؤال: أين أثر الدولة الاجتماعية؟
ولا يمكن إنكار وجود خطوات مهمة تم إطلاقها، سواء في مجال الحماية الاجتماعية أو الدعم المباشر أو إصلاح القطاع الصحي، لكن الإحساس العام لدى شريحة واسعة من المواطنين هو أن وتيرة التنزيل لم تكن في مستوى التطلعات، وأن الحكومة لم تنجح بالشكل الكافي في تحويل هذا الورش الملكي إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
بل إن بعض الاختلالات في التدبير والتواصل ساهمت في تعميق هذا الشعور. فحين يرتفع الخطاب حول “الدولة الاجتماعية”، بينما يستمر المواطن في مواجهة صعوبات متزايدة، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، ويبدأ الشك في التسلل إلى النقاش العمومي.
إن الدولة الاجتماعية ليست شعارا سياسيا، بل تعاقدا أخلاقيا ومؤسساتيا مع المواطن، أساسه الشعور بالحماية والكرامة والإنصاف. وهي لا تنجح فقط بالإعلانات أو الأرقام، بل بقدرتها على خلق أثر حقيقي ومستدام داخل المجتمع.
وفي النهاية، يبقى الرهان اليوم ليس على إطلاق مزيد من الوعود، بل على إعادة الثقة في هذا الورش الملكي الكبير عبر تنزيل حكومي أكثر نجاعة، وأكثر قربا من انتظارات المواطنين. لأن قوة أي مشروع إصلاحي لا تُقاس بحجم طموحه فقط، بل بمدى قدرة الناس على الشعور به في تفاصيل حياتهم اليومية.
فهل تنجح الحكومة في تصحيح مسار تنزيل الدولة الاجتماعية؟ أم سيظل هذا الورش الملكي الكبير يواجه تعثرات تُضعف أثره وثقة المواطنين فيه؟