الدولة القوية لا تخاف من المحاسبة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست قوة الدولة في قدرتها على إسكات النقد، ولا في إبعاد الأسئلة الصعبة عن المجال العام، وإنما في قدرتها على بناء مؤسسات تسمح بالنقد والمساءلة والتقييم والتصحيح دون أن يتحول ذلك إلى تهديد لاستقرارها أو لهيبتها. فالدولة التي تستمد قوتها من المؤسسات لا تخشى المحاسبة، لأنها تدرك أن المسؤولية ليست امتيازا دائما، وأن تدبير الشأن العام ليس مجالا للحصانة السياسية أو الإدارية، بل هو تفويض مؤقت يرتبط بالنتائج وبمدى احترام القانون وخدمة المصلحة العامة.
في الدولة الحديثة، لا ينبغي النظر إلى المحاسبة باعتبارها أداة للعقاب السياسي أو وسيلة لتصفية الحسابات، بل باعتبارها جزءا من منطق الحكامة. فحين يتولى مسؤول حكومي أو منتخب أو إداري مهمة عمومية، فإنه لا يحصل على سلطة مطلقة، وإنما يتحمل مسؤولية مرتبطة باختصاصات محددة وموارد عمومية وقرارات لها آثار مباشرة على حياة المواطنين. ومن هنا تصبح مساءلته عن النتائج أمرا طبيعيا داخل النظام المؤسساتي، وليس استثناء يحتاج إلى تبرير.
المشكلة تبدأ عندما تصبح المسؤولية موزعة إلى درجة يصعب معها تحديد من يتحمل تبعات القرار أو الإخفاق. فعندما تنجح السياسات العمومية، تتعدد الجهات التي تنسب النجاح إلى نفسها، لكن عندما تظهر الاختلالات، يبدأ البحث عن الأعذار والظروف والجهات الأخرى. وهنا تضعف إحدى أهم قواعد الدولة الحديثة: وضوح المسؤولية. فلا يمكن بناء الثقة في المؤسسات إذا كان المواطن يرى النتائج أمامه، لكنه لا يعرف من المسؤول عن تحقيقها، ومن يملك صلاحية تصحيحها، ومن ينبغي أن يقدم الحساب عنها.
والمحاسبة الفعالة لا تبدأ بالعقوبة، وإنما تبدأ بالشفافية. فقبل أن نحاسب مسؤولا، يجب أن نعرف ما الذي التزم به، وما هي الموارد التي وضعت رهن إشارته، وما هي الصلاحيات التي يمتلكها، وما هي النتائج التي تحققت فعلا. ومن دون هذه العناصر تتحول المحاسبة إلى انطباعات وأحكام شخصية، وقد تصبح رهينة للصراع السياسي أو للضغط الإعلامي، بدل أن تكون آلية موضوعية لتقييم الأداء العمومي.
ولهذا فإن الدولة التي تريد أن تقوي مؤسساتها تحتاج إلى ترسيخ ثقافة التقييم قبل ثقافة الاتهام. تقييم البرامج والسياسات، قياس النتائج، مقارنة الأهداف بالإنجازات، تحديد مكامن الخلل، ثم تحديد المسؤوليات وفق الاختصاصات والصلاحيات. بهذه الطريقة تصبح المحاسبة جزءا من دورة طبيعية للحكامة: قرار، تنفيذ، تقييم، مساءلة، تصحيح. أما عندما تغيب هذه الدورة، فإن الأخطاء تتكرر، وتصبح الإصلاحات نفسها مجرد ردود فعل مؤقتة على الأزمات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات ليس أن تتعرض للنقد، وإنما أن تفقد القدرة على التعلم من أخطائها. فالمؤسسة التي لا تقبل الاعتراف بوجود اختلالات، مهما كانت صغيرة، تتحول تدريجيا إلى مؤسسة تدافع عن صورتها أكثر مما تدافع عن فعاليتها. وفي المقابل، فإن المؤسسة التي تستطيع أن تقول إن هناك خطأ، وإن هناك تأخرا، وإن هناك قرارا يحتاج إلى مراجعة، تكون أكثر قوة لأنها تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات المرتبطة بالصورة أو بالموقع أو بالخوف من الاعتراف بالنقص.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تكون المحاسبة موجهة فقط إلى الحكومة أو المنتخبين، بل يجب أن تشمل مختلف مستويات تدبير الشأن العام، كل حسب اختصاصاته ومسؤولياته. فالمرفق العمومي، والمؤسسة العمومية، والجماعة الترابية، والإدارة، والهيئات المنتخبة، كلها حلقات في منظومة واحدة، وأي اختلال في واحدة منها يمكن أن ينعكس على ثقة المواطن في الدولة ككل.
كما أن المحاسبة لا تعني بالضرورة تغيير الأشخاص في كل مرة تظهر فيها مشكلة، وإنما تعني أولا تصحيح المسار. فقد تكون المسؤولية مرتبطة بقرار يحتاج إلى تعديل، أو بطريقة تدبير تحتاج إلى إصلاح، أو بضعف في التنسيق بين المؤسسات، أو بغياب آليات فعالة للتتبع والتقييم. وفي بعض الحالات قد تكون المسؤولية السياسية أو الإدارية واضحة وتستوجب ترتيبات مناسبة، لكن الأساس في كل الحالات هو أن تكون المحاسبة مرتبطة بالوقائع والاختصاصات والنتائج، لا بالخصومات الشخصية.
وهنا يظهر الفرق بين الدولة التي تبني المؤسسات والدولة التي تختزل المؤسسات في الأشخاص. في منطق الدولة، الأشخاص يتغيرون والمؤسسات تستمر، والمسؤول يغادر منصبه لكن قواعد المسؤولية والمساءلة تبقى قائمة. أما حين تصبح المؤسسة مرتبطة بشخص معين، فإن النقد الموجه إلى الأداء يتحول بسهولة إلى نقد للشخص، والدفاع عن الشخص يتحول بدوره إلى دفاع عن المؤسسة، فتضيع الحدود بين المنصب وصاحبه، وبين المصلحة العامة والمصلحة السياسية.
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار إداري، بل هو منطق أساسي في بناء الدولة المؤسساتية. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى قرارات وبرامج، بل يحتاج إلى معرفة أن هناك من يتحمل مسؤولية تنفيذها، وأن هناك مؤسسات تراقب نتائجها، وأن هناك آليات تسمح بتصحيح الاختلالات عندما تظهر. وهذه هي الحلقة التي تجعل الديمقراطية تتجاوز لحظة الانتخابات إلى ممارسة يومية للحكامة.
الدولة القوية، في النهاية، ليست الدولة التي تدعي أن كل شيء يسير بشكل مثالي، وإنما الدولة التي تمتلك مناعة مؤسساتية تجعلها قادرة على الاعتراف بالاختلال، والاستماع إلى النقد، ومراجعة القرار، ومساءلة المسؤول، وتصحيح المسار. فالهيبة الحقيقية للدولة لا تأتي من غياب النقد، وإنما من وجود مؤسسات قادرة على استيعابه وتحويله إلى فرصة للإصلاح.
وإذا كان المواطن يريد أن يشعر بأن المؤسسات تعمل من أجله، فإنه يحتاج قبل كل شيء إلى رؤية علاقة واضحة بين السلطة والمسؤولية والنتيجة. فلا سلطة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا محاسبة، ولا محاسبة حقيقية بلا شفافية وتقييم. وعندما تستقيم هذه العلاقة، تصبح المحاسبة وسيلة لحماية المؤسسات لا لإضعافها، وتتحول الثقة من خطاب سياسي إلى تجربة يومية يعيشها المواطن في الإدارة والمدرسة والمستشفى والجماعة وفي مختلف المرافق العمومية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تخاف الدولة من المحاسبة؟ بل: هل تملك الدولة مؤسسات تجعل المحاسبة ممارسة عادية ومنتظمة وعادلة؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن المحاسبة تصبح عنوانا للقوة وليس للضعف. أما حين تغيب المساءلة، وتتعدد الأعذار، وتضيع المسؤوليات بين المؤسسات والأشخاص، فإن الذي يتراجع في النهاية ليس موقع مسؤول بعينه، وإنما ثقة المواطن في الدولة نفسها.
فالدولة القوية لا تخاف من المحاسبة، لأنها تعرف أن هيبة المؤسسات لا تبنى بالصمت، وإنما بالقانون والشفافية والمسؤولية والقدرة الدائمة على التصحيح.