السياسة ليست منصة للظهور… بل مدرسة للمسؤولية

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم دون مشاركة شبابه في الحياة السياسية. فالشباب ليسوا فقط طاقة انتخابية أو حضورا رقميا داخل مواقع التواصل الاجتماعي، بل قوة اقتراح وتغيير وتجديد للنخب والأفكار. ولذلك، فإن انخراط الشباب في العمل السياسي يبقى مؤشرا صحيا على حيوية المجتمع واهتمامه بمستقبله.

لكن، في مقابل هذا الوعي المتزايد بأهمية المشاركة السياسية، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة أخرى لا تقل أهمية: الرغبة في الوصول السريع. فبعض الشباب أصبح ينظر إلى السياسة باعتبارها طريقا مختصرا نحو الظهور أو المواقع أو الشهرة، بدل اعتبارها مسارا طويلا يقوم على التكوين والتجربة والتدرج وتحمل المسؤولية.

المشكلة هنا ليست في الطموح، لأن الطموح مشروع وضروري، بل في اختزال العمل السياسي في الصورة بدل المضمون، وفي المنصب بدل المسار. فالسياسة، في جوهرها، ليست سباقا نحو الكراسي، بل مدرسة حقيقية تبنى فيها الشخصية السياسية عبر الاحتكاك، والتعلم، وفهم المجتمع، والتدرج في المسؤوليات.

لقد كان العمل السياسي، في مراحل كثيرة، قائما على التدرج الطبيعي: من العمل الميداني، إلى التأطير، إلى تحمل المسؤوليات الصغيرة قبل الكبرى. وهو ما كان يسمح ببناء كفاءات تمتلك التجربة والقدرة على التدبير وفهم تعقيدات الواقع. أما اليوم، فهناك من يريد القفز مباشرة نحو الواجهة، دون المرور بمراحل التكوين الضرورية.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، التي جعلت الصورة والانتشار السريع جزءا من الثقافة العامة، حتى داخل السياسة. فأصبح البعض يقيس النجاح بعدد المتابعين أو الصور أو الظهور الإعلامي، بينما الحقيقة أن السياسة تُقاس بما يقدمه الإنسان من عمل وأفكار وقدرة على خدمة الناس.

كما أن العمل الحزبي والجمعوي، حين يمارس بوعي، يبقى فضاء مهما لتكوين الشباب سياسيا ومجتمعيا. لأنه يعلمهم الإنصات، والعمل الجماعي، والصبر، وفهم معنى المسؤولية. فمن لم يتعلم كيف يخدم الناس، سيكون من الصعب عليه أن يقودهم.

إن أخطر ما يمكن أن يقع في السياسة هو إنتاج مسؤولين بلا تجربة، أو وجوه تبحث عن الظهور أكثر من البحث عن الحلول. لأن تدبير الشأن العام ليس تجربة عابرة، بل مسؤولية تؤثر على حياة الناس ومستقبلهم.

وفي المقابل، يحتاج الشباب أيضا إلى فضاءات حقيقية للتكوين والتأطير وفتح المجال أمامهم بشكل جدي، لا فقط استعمالهم كواجهة أو أرقام انتخابية. فبناء جيل سياسي جديد لا يتم بالشعارات، بل بالاستثمار في الإنسان وتكوينه ومنحه الفرصة لينضج داخل الممارسة.

في النهاية، السياسة ليست “لقطة” عابرة، ولا منصة للشهرة، بل مسار طويل من التعلم والخدمة والتضحية. والنجاح الحقيقي فيها لا يقاس بسرعة الوصول، بل بالقدرة على تحمل المسؤولية حين تأتي اللحظة المناسبة.

فهل ننجح في إعادة الاعتبار لمنطق التكوين والتدرج داخل العمل السياسي؟ أم سنواصل إنتاج جيل يريد قيادة السفينة… قبل أن يتعلم كيف يبحر؟