المسؤولية السياسية تبدأ حيث تنتهي الأعذار

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في الحياة السياسية، لا توجد حكومة تمتلك القدرة على تحقيق الكمال، ولا يوجد مسؤول يستطيع أن يمنع وقوع جميع الأزمات أو يتوقع كل التحولات. لكن هناك فارقا جوهريا بين مسؤول يواجه الاختلالات باعتبارها جزءا من مسؤوليته، ومسؤول يحول كل أزمة إلى مناسبة للبحث عن تفسير يخرجه من دائرة المساءلة.

وهنا تبدأ المسؤولية السياسية.

فالمسؤولية، في معناها الدستوري والسياسي، ليست مجرد الاعتراف بوجود خطأ، وليست أيضا مجرد تقديم تفسير لما وقع. إنها قبل كل شيء استعداد لتحمل نتائج القرار، وقبول المساءلة، والقدرة على تصحيح المسار عندما تثبت الوقائع أن الاختيار لم يكن صائبا.

ومن منظور القانون الدستوري، فإن السلطة لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية. فكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، اتسع معها نطاق مسؤوليته. وهذه قاعدة بسيطة، لكنها تمثل جوهر الدولة الحديثة: لا سلطة بلا رقابة، ولا قرار بلا محاسبة، ولا شرعية دائمة بلا إنجاز.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطاب السياسي من وسيلة لشرح السياسات إلى أداة للدفاع المستمر عن المسؤول. عندها يصبح الاعتراف بالفشل أمرا نادرا، ويتحول الخطأ إلى “ظرف خارجي”، والإخفاق إلى “إرث سابق”، والأزمة إلى “أثر دولي”، والنتائج السلبية إلى “سوء فهم” لدى المواطن.

وهكذا، تتكاثر الأعذار بينما تتراجع المسؤولية.

إن الحكومة لا تحاسب فقط على نواياها، وإنما على نتائج سياساتها العمومية. فقد تكون النية حسنة، وقد يكون البرنامج مكتوبا بعناية، وقد تكون الخطابات مليئة بالمصطلحات الجميلة، لكن المواطن في النهاية لا يعيش داخل البرامج الانتخابية ولا داخل البلاغات الحكومية؛ إنه يعيش داخل الواقع.

هو الذي يذهب إلى السوق، ويدفع فواتيره، ويبحث عن فرصة عمل، ويقف أمام الإدارة، ويراقب مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، ويقرر في النهاية ما إذا كانت وعود السياسة قد تحولت إلى واقع أم بقيت حبيسة الخطاب.

وهنا تظهر أهمية ما تسميه الأدبيات السياسية الحديثة الشرعية الإنجازية. فالشرعية الانتخابية تمنح الحكومة حق ممارسة السلطة، لكن الأداء هو الذي يمنحها القدرة على الحفاظ على ثقة المجتمع.

ولهذا، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة سياسية. الفوز الانتخابي لا يعني أن كل قرار صحيح، ولا أن كل سياسة ناجحة، ولا أن كل انتقاد يستهدف الديمقراطية. بالعكس، فإن الديمقراطية الحقيقية تبدأ بعد الانتخابات، عندما تصبح السلطة مطالبة بتقديم الحساب أمام المؤسسات والمواطنين.

إن المسؤول السياسي الذي يملك الشجاعة للاعتراف بخطئه لا يضعف مؤسسته، بل يقويها. أما المسؤول الذي يعتقد أن الاعتراف بالخطأ سيؤدي إلى سقوط صورته، فيغامر بتحويل خطأ قابل للإصلاح إلى أزمة أكبر، لأن حماية الصورة تصبح عندها أهم من حماية المصلحة العامة.

وهذا ما يجعل ثقافة الاعتراف بالخطأ جزءا من الحكامة الجيدة. فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى مسؤولين معصومين من الخطأ، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطأ، ومساءلة المسؤول عنه، وتصحيح آثاره، ومنع تكراره.

ومن هنا، فإن المساءلة ليست انتقاما من المسؤول، وليست تصفية حسابات سياسية. إنها آلية من آليات حماية الدولة.

وفي النظام الدستوري، لا ينبغي النظر إلى الرقابة البرلمانية، أو المعارضة، أو الإعلام، أو المجتمع المدني باعتبارها عوائق أمام الحكومة. بل هي مكونات أساسية في منظومة التوازن والرقابة، لأن ترك السلطة دون مساءلة يخلق بيئة مناسبة للقرار المنفصل عن الواقع.

وحتى في المجال الدبلوماسي، فإن الدول التي تعترف بأخطائها وتملك القدرة على مراجعة سياساتها تكون في كثير من الأحيان أكثر قدرة على الحفاظ على مصداقيتها. فالدبلوماسية ليست إنكارا للواقع، وإنما هي فن إدارة المصالح، وتصحيح الأخطاء، وبناء الثقة على المدى الطويل.

أما داخليا، فإن المواطن لا ينتظر من المسؤول أن يقول له دائما إن الأمور تسير على ما يرام. أحيانا، تكون الجملة الأكثر قوة التي يمكن أن يسمعها المواطن من مسؤول هي: أخطأنا، وهذه هي مسؤوليتنا، وهذا ما سنفعله لتصحيح الخطأ.

هذه الجملة لا تعني الضعف؛ بل تعني أن المسؤول يدرك أن المنصب ليس امتيازا، وإنما أمانة مؤقتة.

فالمناصب تزول، والحكومات تتغير، والأغلبية تتحول إلى معارضة، لكن آثار القرارات تبقى في المجتمع. ولذلك فإن المسؤول السياسي الحقيقي لا يفكر فقط في كيفية الدفاع عن حصيلته، وإنما في كيفية ضمان أن تكون قراراته قابلة للدفاع عنها أمام التاريخ.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة تفسير الإخفاق إلى ثقافة تحمل المسؤولية. فليس المطلوب أن نعاقب كل مسؤول أخطأ، وإنما أن نميز بين الخطأ الذي تم الاعتراف به وتصحيحه، والخطأ الذي يتحول إلى سياسة مستمرة بسبب الإصرار على إنكاره.

والفرق بين الاثنين هو الفرق بين مؤسسة تتعلم من أخطائها ومؤسسة تكررها.

إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تخشى أن تقول الحقيقة. والحكومة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى المساءلة. والمسؤول الذي يثق في عمله لا يحتاج إلى الهروب من الأسئلة.

وفي النهاية، لا يمكن بناء الثقة بالأعذار، ولا حماية المؤسسات بإنكار الاختلالات. المسؤولية السياسية تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها المسؤول عن البحث عمن يحمّله الخطأ، ويبدأ في البحث عما يستطيع فعله لتصحيحه.

فالسلطة تمنح المسؤول القدرة على اتخاذ القرار، لكن المسؤولية تلزمه بتحمل نتائجه. وبين الاثنين تتحدد قيمة رجل السياسة: هل كان يبحث عن حماية منصبه، أم كان مستعدا لحماية المصلحة العامة؟