المغرب يستعد لانتخابات جديدة… لكن هل استعدت الأحزاب لتغيير نفسها؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، ارتفعت حرارة الخطاب السياسي، وعادت الأحزاب إلى واجهة المشهد، وبدأت لغة الوعود تتصدر النقاش العمومي. تتجدد الشعارات، وتستيقظ الآلات التنظيمية، وتتحرك الحسابات الانتخابية، وتكثر التصريحات حول الإصلاح والتغيير وتجديد النخب. لكن وسط هذه الحركة السياسية المتكررة، يظل سؤال جوهري معلقا: هل تستعد الأحزاب فعلا لتجديد نفسها، أم أنها تستعد فقط لإعادة إنتاج المشهد السياسي بالوجوه والآليات ذاتها؟
إن الإشكال الحقيقي الذي يواجه الحياة الحزبية المغربية لا يرتبط فقط بنتائج الانتخابات، أو بتوزيع المقاعد، أو بالتنافس على رئاسة الحكومة والجماعات الترابية، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بوظيفة الأحزاب داخل النظام الديمقراطي. فالحزب السياسي ليس مجرد آلة انتخابية هدفها الوصول إلى المؤسسات، وإنما هو مدرسة لإنتاج الأفكار، وفضاء لتكوين النخب، ووسيط بين المجتمع والدولة، ومختبر لصياغة البدائل والبرامج والسياسات العمومية.
وحين تختزل الأحزاب دورها في تدبير المواسم الانتخابية، فإنها تفقد تدريجيا إحدى أهم وظائفها الديمقراطية: تأطير المواطنين وإنتاج قيادات قادرة على تمثيل التحولات الاجتماعية والاستجابة لتحديات الدولة والمجتمع.
أولا: هل الانتخابات موعد لتجديد النخب أم لإعادة إنتاجها؟
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن فهم تجدد الحياة السياسية دون التوقف عند مسألة تداول النخب. فقد أبرزت نظريات تداول النخب، خصوصا لدى فيلفريدو باريتو، أن المجتمعات لا تتوقف عن إنتاج نخب حاكمة، لكن استمرار حيوية النظام السياسي يرتبط بقدرته على تجديد هذه النخب وإدماج كفاءات جديدة في مراكز القرار.
وفي الحالة الحزبية المغربية، يطرح هذا التصور سؤالا أساسيا: هل تتيح التنظيمات السياسية مسارات حقيقية لصعود الكفاءات الجديدة، أم أن مواقع التأثير تظل في بعض الحالات مرتبطة بالأقدمية والعلاقات والقدرة على التحكم في التوازنات الداخلية؟
إن تجديد النخب لا يعني بالضرورة استبدال جميع القيادات أو إقصاء التجارب السابقة، كما لا يعني أن الشباب أكثر كفاءة لمجرد أنهم شباب. فالمعيار الديمقراطي السليم هو الجمع بين الخبرة والتجديد، وبين التراكم التنظيمي والاستحقاق، وبين احترام التجربة وفتح المجال أمام الكفاءات القادرة على تقديم قيمة مضافة.
لكن حين تصبح المواقع السياسية امتيازا يصعب الوصول إليه، وحين تتحول المنافسة الداخلية إلى صراع حول النفوذ بدل التنافس حول الأفكار والبرامج، فإن الحزب يفقد قدرته على تجديد قياداته، ويصبح أقرب إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج نفسها.
ثانيا: لماذا تتراجع الثقة في الأحزاب السياسية؟
تعد الأحزاب إحدى أهم مؤسسات الوساطة السياسية في الأنظمة الديمقراطية. فهي التي يفترض أن تنقل مطالب المجتمع إلى المؤسسات، وأن تحول الاحتياجات الاجتماعية إلى برامج سياسية قابلة للتنفيذ، وأن تساهم في تكوين رأي عام واع بالاختيارات والبدائل.
غير أن أزمة الثقة تظهر عندما تتسع المسافة بين الخطاب الحزبي والممارسة السياسية. فالمواطن الذي يسمع وعودا متكررة بشأن التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، ثم لا يلمس تحسنا كافيا في حياته اليومية، يبدأ في التشكيك في جدوى الوساطة الحزبية نفسها.
ولا يمكن تفسير هذه الأزمة بعامل واحد، بل تتداخل فيها عدة عناصر، من بينها ضعف التواصل المستمر مع المواطنين، ومحدودية النقاش الفكري داخل بعض التنظيمات، وهيمنة الحسابات الانتخابية الظرفية، فضلا عن صعوبة تحويل البرامج المعلنة إلى التزامات قابلة للتقييم والمحاسبة.
إن الحزب الذي لا يملك تصورا واضحا لمشكلات المجتمع، ولا يقدم أجوبة عملية عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لن يستطيع استعادة الثقة بمجرد تغيير شعاره أو تجديد حملته التواصلية. فالمصداقية لا تصنعها البلاغة السياسية، بل يصنعها وضوح المشروع والقدرة على الدفاع عنه والالتزام بنتائجه.
ثالثا: هل أصبحت الولاءات أقوى من الكفاءات داخل بعض التنظيمات الحزبية؟
هذا السؤال يلامس إحدى أكثر القضايا حساسية في الممارسة الحزبية، وهي العلاقة بين الولاء التنظيمي والاستحقاق السياسي.
لا يمكن لأي حزب أن يستمر دون حد أدنى من الانضباط والالتزام بقرارات مؤسساته، فالتنظيم السياسي يحتاج إلى قواعد مشتركة وإلى قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الاختيارات الجماعية. لكن الانضباط التنظيمي شيء، وتحويل الولاء إلى معيار أساسي للترقي داخل الحزب شيء آخر تماما.
فحين تصبح القدرة على إرضاء مراكز النفوذ أهم من امتلاك المعرفة السياسية والقدرة على التحليل وصياغة البدائل، فإن الحزب يضعف رأسماله الفكري، ويخاطر بإبعاد الكفاءات التي يمكن أن تمنحه نفسا جديدا.
ومن منظور علم السياسة، لا يتعلق الأمر فقط بمشكلة أخلاقية أو سلوكية، بل بإشكال مؤسساتي يرتبط بقواعد الانتقاء والتداول وتوزيع السلطة داخل التنظيم. فالديمقراطية الداخلية ليست مجرد مؤتمرات دورية أو انتخابات تنظيمية، بل هي منظومة تضمن تكافؤ الفرص في الترشح، وشفافية معايير الاختيار، وحق الاختلاف، وإمكانية التداول على المسؤوليات.
إن الحزب الذي يطالب الدولة بالشفافية والمحاسبة، مطالب أولا بأن يمارس هذه القيم داخل مؤسساته. فلا يمكن الدفاع عن الديمقراطية في المجال العام مع التضييق على النقاش والتنافس في المجال الحزبي الداخلي.
رابعا: أين يوجد الشباب في معادلة صناعة القرار؟
يحتل الشباب موقعا مركزيا في الخطابات السياسية، خصوصا خلال الحملات الانتخابية والمناسبات التنظيمية. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه يتجاوز عدد الشباب الحاضرين في الأنشطة الحزبية أو الصور المنشورة على المنصات الرقمية: ما حجم تأثيرهم الفعلي في صياغة القرار السياسي؟
إن إدماج الشباب لا يتحقق بمجرد إسناد مهام تواصلية إليهم، أو استدعائهم لتأثيث اللقاءات، أو توظيف حماسهم خلال الحملات الانتخابية. الإدماج الحقيقي يعني تمكينهم من المشاركة في إعداد البرامج، والمساهمة في صياغة المواقف، والحضور في مواقع المسؤولية، وتحمل أدوار سياسية وتنظيمية ذات أثر ملموس.
كما ينبغي التمييز بين المشاركة الشكلية والمشاركة الفعلية. فقد يكون الشباب حاضرين عدديا داخل التنظيم، لكنهم غائبون عن دوائر القرار. وقد تمنح لهم مسؤوليات رمزية دون أن تتوفر لهم صلاحيات حقيقية. وفي هذه الحالة، يصبح الحديث عن تجديد النخب مجرد خطاب لا يغير بنية السلطة داخل الحزب.
إن الاستثمار في الشباب ليس تنازلا من القيادات الحالية، بل هو استثمار في استمرارية التنظيم وقدرته على فهم التحولات الجديدة. فالأحزاب التي لا تفتح مسارات للتكوين والتدرج وتحمل المسؤولية، تجد نفسها عاجزة عن إعداد بدائل قيادية حين تفرض التحولات السياسية والاجتماعية ذلك.
خامسا: هل تستطيع الأحزاب إنتاج نخب قادرة على قيادة مغرب التحولات؟
إن التحديات التي تواجه المغرب اليوم لا تسمح بالاقتصار على نخب سياسية تشتغل بمنطق التدبير اليومي أو الحساب الانتخابي الضيق. فالدولة تواجه تحولات اقتصادية وتكنولوجية ومجالية ودبلوماسية متسارعة، وتحتاج إلى مؤسسات سياسية قادرة على التفكير الاستراتيجي، وفهم تعقيدات السياسات العمومية، واستيعاب التحولات الدولية والإقليمية.
ومن هنا، يصبح تجديد النخب مسألة تتجاوز التوازنات الحزبية الداخلية، لتصبح شرطا من شروط جودة الحكامة السياسية والمؤسساتية. فالمسؤول السياسي المعاصر يحتاج إلى معرفة دستورية وقانونية، وإلمام بالاقتصاد والمالية العمومية، وقدرة على قراءة المؤشرات الاجتماعية، وفهم للعلاقات الدولية، فضلا عن امتلاك رؤية واضحة للمصلحة العامة.
ولا يعني ذلك تحويل الأحزاب إلى مؤسسات أكاديمية أو إقصاء الفاعلين السياسيين الذين لا يحملون شهادات عليا، بل يعني جعل المعرفة والكفاءة والقدرة على الإنجاز معايير أساسية في تحمل المسؤولية. فالخبرة السياسية قيمة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى احتكار دائم للمواقع، كما أن الشهادة العلمية لا ينبغي أن تكون امتيازا شكليا منفصلا عن القدرة على الممارسة والإنجاز.
إن المطلوب هو بناء توازن بين الشرعية الانتخابية والكفاءة التدبيرية، وبين التمثيلية الاجتماعية والقدرة على صياغة السياسات، وبين الخبرة المتراكمة والحاجة إلى تجديد القيادات.
سادسا: من يراقب الديمقراطية داخل الأحزاب؟
قد يكون من السهل على الأحزاب أن تنتقد ضعف الديمقراطية في المؤسسات، وأن تطالب الحكومة باحترام الشفافية والمحاسبة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ داخل التنظيم الحزبي نفسه.
هل توجد قواعد واضحة لاختيار المرشحين؟ هل تتاح فرص متكافئة أمام الأعضاء؟ هل تخضع القرارات الاستراتيجية للنقاش؟ هل تستطيع الكفاءات الجديدة الوصول إلى مواقع التأثير دون المرور عبر شبكات الولاء الشخصي؟ وهل تملك الهياكل المحلية والجهوية سلطة فعلية في صناعة القرار؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل تنظيمية ثانوية، بل ترتبط بجودة التمثيل السياسي وبمصداقية المؤسسات المنتخبة. فالأحزاب التي لا تضمن ديمقراطية داخلية حقيقية قد تجد صعوبة في إنتاج ممثلين قادرين على ممارسة الديمقراطية داخل المؤسسات الدستورية.
كما أن غياب الشفافية في الانتقاء الحزبي يفتح المجال أمام تنامي الشعور بالإقصاء، ويضعف الحافز لدى الكفاءات الشابة للمشاركة، ويجعل الانتماء التنظيمي في نظر البعض أقل ارتباطا بالمشروع السياسي وأكثر ارتباطا بحسابات الوصول إلى المواقع.
سابعا: ما المطلوب لإعادة الاعتبار للعمل الحزبي؟
إن تجاوز أزمة الثقة وتجديد النخب يقتضيان إصلاحا يتجاوز تغيير الوجوه والشعارات، ويتجه نحو إعادة بناء الوظائف الأساسية للحزب السياسي.
أولا، اعتماد معايير شفافة وديمقراطية لاختيار المرشحين للمسؤوليات الانتخابية والتنظيمية، مع إتاحة فرص حقيقية أمام الكفاءات الجديدة.
ثانيا، تقوية التكوين السياسي والمؤسساتي للأعضاء، حتى لا يظل الحزب مجرد فضاء للتعبئة الانتخابية، بل يتحول إلى مدرسة لإعداد القيادات وصناعة السياسات العمومية.
ثالثا، ضمان استقلالية النقاش الداخلي واحترام الاختلاف، لأن الحزب الذي يخشى الأسئلة الصعبة لن يستطيع إنتاج أجوبة مقنعة للمجتمع.
رابعا، ربط المسؤوليات الحزبية والانتخابية بتقييم الأداء، وإقرار آليات واضحة للمحاسبة والتداول، حتى لا تتحول المواقع التنظيمية إلى امتيازات دائمة.
خامسا، تطوير العلاقة مع الجامعات ومراكز البحث والخبراء، والاستفادة من المعرفة العلمية في إعداد البرامج والتصورات، دون المساس باستقلالية البحث العلمي أو تحويله إلى مجرد واجهة تبريرية للقرارات الحزبية.
وأخيرا، الانتقال من استدعاء الشباب في المناسبات إلى إشراكهم في صناعة القرار، ومن استعمال الكفاءات في الخطاب إلى تمكينها من المسؤولية، ومن تقديم الوعود إلى تقديم برامج قابلة للقياس والتقييم.
خاتمة: الأحزاب التي لا تجدد نفسها تخاطر بفقدان المستقبل
إن الرهان الانتخابي المقبل لا ينبغي أن يختزل في معرفة الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، أو الجهة التي ستقود الحكومة، أو الأسماء التي ستتصدر المشهد السياسي. فهذه كلها نتائج مهمة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأعمق المتعلق بمستقبل الوساطة الحزبية وقدرتها على تمثيل المجتمع وإنتاج نخب جديدة.
إن المغرب يحتاج إلى أحزاب لا تخشى تجديد قياداتها، ولا تعتبر الاختلاف تهديدا لوحدتها، ولا تنظر إلى الكفاءات باعتبارها منافسا لمراكز النفوذ، بل باعتبارها رصيدا استراتيجيا لتطوير أدائها. كما يحتاج إلى تنظيمات سياسية قادرة على الانتقال من منطق الولاء للأشخاص إلى الالتزام بالمؤسسات والبرامج والقواعد الديمقراطية.
فالأزمة الحقيقية ليست أن الأحزاب قد تخسر الانتخابات، بل أن بعضها قد يخسر ثقة المجتمع دون أن يراجع طريقة اشتغاله. وليست المشكلة في وجود قيادات قديمة أو جديدة، بل في غياب قواعد عادلة تسمح بتداول المسؤولية على أساس الكفاءة والاستحقاق والقدرة على الإنجاز.
إن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى أحزاب تتنافس على السلطة، بل إلى أحزاب تنتج الأفكار، وتجدد النخب، وتؤهل الكفاءات، وتمنح الشباب فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة القرار. أما الحزب الذي يطلب من المجتمع أن يتغير، بينما يرفض تغيير نفسه، فإنه لا يدافع عن المستقبل، بل يؤجل أزمته إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل.