بعد الوعود يأتي الحساب: هل نضج المواطن المغربي سياسيا؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تعود السياسة الى الواجهة بكل ما تحمله من وعود وخطابات وشعارات، ويبدأ السياسيون في طرق ابواب المواطنين من جديد، بعضهم بحصيلة يريد الدفاع عنها، وبعضهم بوعود جديدة يريد من خلالها اقناع الناخبين بمنحه فرصة اخرى. غير ان اللحظة المقبلة ينبغي ان تكون مختلفة عن سابقاتها، لان المواطن المغربي لم يعد مطالبا فقط بالاستماع الى ما سيقال له، بل اصبح مطالبا ايضا بطرح اسئلته الخاصة. فبعد سنوات من التدبير والانتظار والوعود، حان الوقت لكي يصبح المواطن طرفا فاعلا في تقييم التجربة السياسية، لا مجرد متلق لخطاب انتخابي يتكرر كل خمس سنوات.

في الديمقراطية، لا تكمن قوة المواطن فقط في امتلاك حق التصويت، وانما في قدرته على استعمال هذا الحق بطريقة واعية ومسؤولة. فالصوت الانتخابي ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وليس مجاملة لشخص او عائلة او صديق، وليس مقابلا لخدمة عابرة. انه تفويض سياسي يمنحه المواطن لمن يراه قادرا على تمثيله والدفاع عن مصالحه والمساهمة في تدبير الشأن العام. ولذلك فان قيمة الصوت ترتبط قبل كل شيء بوعي صاحبه بقيمته وبالنتائج التي يمكن ان تترتب عن اختياره.

وهنا تبدأ مسؤولية المواطن كما تبدأ مسؤولية السياسي.

لقد اعتدنا، في كثير من النقاشات، ان نضع السياسي في موقع المسؤول الوحيد عن ازمة العمل السياسي، فنحمله مسؤولية ضعف الاحزاب، وتراجع الثقة، وفشل بعض السياسات، وغياب البرامج، وننسى ان الديمقراطية علاقة متبادلة بين من يطلب التفويض ومن يمنحه. فإذا كان السياسي مطالبا بتقديم حسابه عن السنوات التي قضاها في موقع المسؤولية، فان المواطن مطالب ايضا بان يقدم لنفسه حسابا عن الطريقة التي اختار بها ممثليه.

فهل اختار على اساس البرنامج؟

هل تابع الحصيلة؟

هل سأل عن الوعود التي تحققت وتلك التي لم تتحقق؟

هل اختار الكفاءة ام اختار القرب الشخصي؟

وهل منح صوته لمن يملك مشروعا، ام لمن قدم له وعدا عابرا؟

هذه الاسئلة ليست موجهة الى المواطن من باب تحميله مسؤولية فشل السياسيين، وانما من باب التأكيد على ان المواطنة السياسية لا تكتمل بالشكوى من الواقع، بل تبدأ بالمساهمة في تغييره.

لقد كشفت التجارب الانتخابية السابقة ان جزءا من مشاكل الحياة السياسية لا يرتبط فقط بمن يصل الى المؤسسات، وانما ايضا بالطريقة التي يصل بها. فعندما يصبح معيار الاختيار هو القرابة او الولاء الشخصي او المنفعة الظرفية، فاننا نساهم، من حيث لا نريد، في تحويل الانتخابات من وسيلة لاختيار الافضل الى وسيلة لاعادة انتاج نفس العلاقات ونفس الممارسات.

وهنا تكمن خطورة الثقافة الانتخابية التي تختزل المواطن في دائرة صغيرة من المصالح.

فالسياسي الذي يعرف ان الناخب سيصوت له بسبب علاقة شخصية، قد لا يجد نفسه مضطرا لتقديم برنامج قوي. والسياسي الذي يعتقد ان الخدمات الفردية كافية لضمان الاصوات، قد لا يرى ضرورة لبناء مشروع سياسي. والسياسي الذي ينجح دائما بالاعتماد على شبكات النفوذ، قد لا يجد سببا لتجديد نفسه او مراجعة اسلوبه.

وفي المقابل، عندما يدرك السياسي ان المواطن سيحاسبه على حصيلته، وعلى مواقفه، وعلى التزاماته، وعلى قدرته على الدفاع عن مصالح الناس، فان قواعد اللعبة تتغير.

وهذا هو المعنى الحقيقي للمحاسبة الديمقراطية.

المحاسبة لا تبدأ يوم تظهر نتائج الانتخابات، بل تبدأ قبل التصويت. تبدأ عندما يسأل المواطن المرشح عن برنامجه، وعن اولوياته، وعن مصادر تمويل وعوده، وعن قدرته على تنفيذ ما يقوله، وعن حصيلته السابقة اذا كان قد سبق له تحمل المسؤولية.

ثم تستمر المحاسبة بعد الانتخابات، عندما يصبح من حق المواطن ان يسأل المنتخب: ماذا فعلت؟ اين هي الوعود؟ ماذا قدمت؟ وما الذي منعك من تنفيذ ما التزمت به؟

ومن هذه الزاوية، فان الانتخابات ليست مناسبة لنسيان الماضي، بل هي لحظة لاستحضاره.

لا ينبغي ان يبدأ كل استحقاق انتخابي من الصفر.

الذاكرة السياسية للمواطن يجب ان تكون حاضرة.

يجب ان يتذكر من وعده.

ومن انجز.

ومن اخفق.

ومن كان حاضرا عندما احتاجه.

ومن لم يظهر الا عندما احتاج الى صوته.

لان المجتمع الذي ينسى كل خمس سنوات، يسهل ان يعيد انتاج نفس الاخطاء كل خمس سنوات.

ومن هنا فان السؤال الحقيقي الذي ينبغي ان يرافق المواطن خلال المرحلة المقبلة ليس: من اعرف؟

بل: من يستحق؟

وهذا فرق كبير.

قد يكون المرشح معروفا، وقد يكون قريبا، وقد تكون له شبكة واسعة من العلاقات، لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة انه قادر على تحمل مسؤولية التمثيل السياسي.

فالتمثيل يحتاج الى كفاءة.

ويحتاج الى معرفة بالقانون والمؤسسات.

ويحتاج الى قدرة على التشريع والمراقبة والترافع.

ويحتاج قبل ذلك كله الى حس بالمسؤولية.

ومن منظور القانون الدستوري، فان المنتخب لا يحصل على امتياز شخصي عندما يفوز في الانتخابات، وانما يحصل على تفويض لممارسة وظيفة عمومية داخل مؤسسة لها اختصاصات محددة. وبالتالي فان المقعد ليس ملكية خاصة، ولا ينبغي ان يتحول الى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية او عائلية او فئوية.

المنتخب الذي يدخل المؤسسة يجب ان يدرك انه اصبح مسؤولا امام المواطنين وامام القانون وامام المؤسسة التي ينتمي اليها.

وهذا الفهم هو الذي يجعل من الانتخابات ممارسة ديمقراطية حقيقية، وليس مجرد عملية لتغيير الاشخاص.

فاذا تغيرت الوجوه وبقيت نفس العقليات، فلن يتغير الكثير.

واذا تغيرت الاحزاب وبقيت نفس الممارسات، فلن يكون البديل بديلا حقيقيا.

واذا تغيرت الشعارات وبقي المواطن يتعامل مع صوته باعتباره خدمة شخصية، فاننا سنظل ندور في الحلقة نفسها.

ولهذا فان المطلوب اليوم ليس فقط تجديد النخب السياسية، وانما ايضا تجديد الثقافة السياسية التي تنتج هذه النخب.

نحتاج الى مواطن يعرف ان صوته مسؤولية.

ونحتاج الى مرشح يعرف ان طلبه لهذا الصوت التزام.

ونحتاج الى حزب يعرف ان دوره لا يبدأ بالحملة الانتخابية ولا ينتهي بانتهاء الاقتراع.

ونحتاج الى مؤسسات تجعل من المحاسبة ممارسة حقيقية وليست مجرد شعار.

لقد تغير المجتمع المغربي كثيرا، وتغيرت طريقة المواطن في الوصول الى المعلومة، واصبح من الصعب على السياسي ان يعيش داخل صورة يصنعها لنفسه فقط. المواطن يستطيع اليوم ان يقارن، وان يبحث، وان يعود الى التصريحات السابقة، وان يراجع الوعود، وان يقارن بين ما قيل وما تحقق.

ولهذا فان السياسة القائمة على النسيان لم تعد صالحة.

ولا يمكن ان يطلب السياسي من المواطن ان يمنحه فرصة جديدة دون ان يقدم له اولا تفسيرا واضحا عن الفرصة السابقة.

ومن حق المواطن ان يقول للسياسي: لقد منحتك ثقتي، فماذا فعلت بها؟

هذا السؤال يجب ان يصبح جزءا من الثقافة الانتخابية المغربية.

لان الثقة ليست شيكا على بياض.

والتفويض ليس ملكية دائمة.

والانتخابات ليست مناسبة لتجديد الامتيازات.

انها لحظة لتجديد الشرعية على اساس الاختيار الحر.

وهنا يجب ان نعيد الاعتبار لفكرة البديل.

فالبديل السياسي ليس بالضرورة معارضة شخص لشخص، ولا حزب لحزب، ولا مجرد تغيير لون انتخابي بلون اخر. البديل الحقيقي هو تقديم مشروع مختلف، وكفاءات قادرة، واولويات واضحة، واساليب جديدة في ممارسة المسؤولية.

قد يكون البديل في تغيير الاشخاص، وقد يكون في تغيير البرامج، وقد يكون في تغيير طريقة التدبير، لكن المهم ان يشعر المواطن ان امامه خيارات حقيقية، لا مجرد نسخ مختلفة من الخطاب نفسه.

ومن هنا فان المواطن لا ينبغي ان يخاف من تغيير اختياره.

الديمقراطية لا تقوم على الوفاء الابدي للمرشح، وانما على الوفاء للمصلحة العامة.

ليس عيبا ان يغير المواطن موقفه عندما يكتشف ان اختياره السابق لم يكن موفقا.

وليس خيانة ان يمنح ثقته لمرشح جديد اذا وجد فيه الكفاءة والقدرة على تقديم الافضل.

بل ان التغيير في حد ذاته يمكن ان يكون رسالة سياسية قوية الى كل من يتولى المسؤولية: ان ثقة المواطن ليست مضمونة، وان المقعد لا يتحول الى حق مكتسب.

وهنا تظهر قيمة الانتخابات باعتبارها وسيلة سلمية لتجديد النخب ومراجعة الاختيارات.

فالسياسة التي لا تعرف التداول تتحول الى امتياز.

والسلطة التي لا تواجه المحاسبة تفقد جزءا من مشروعيتها.

والمنتخب الذي لا يخشى فقدان ثقة المواطنين قد يفقد الحافز الحقيقي على تحسين ادائه.

ولهذا فان المواطن عندما يذهب الى صندوق الاقتراع لا يختار فقط من سيمثله، بل يساهم ايضا في تحديد نوع السياسة التي يريدها.

اذا اختار البرنامج، سيجد السياسي نفسه مضطرا الى تقديم البرنامج.

اذا اختار الكفاءة، ستصبح الكفاءة قيمة انتخابية.

اذا اختار النزاهة، ستصبح النزاهة جزءا من المنافسة.

اما اذا اختار الولاء الشخصي او المصلحة العابرة، فلا ينبغي ان يتفاجأ عندما يجد ان السياسة نفسها تحولت الى شبكة من الولاءات والمصالح.

ان المسؤولية هنا مشتركة، لكن ذلك لا يعني مساواة المواطن بالمسؤول في حجم المسؤولية. فالسياسي الذي يتولى تدبير الشأن العام يتحمل مسؤولية اكبر، لانه يملك سلطة القرار ويستفيد من التفويض. لكنه في المقابل لا يستطيع ان يستمر في موقعه اذا قرر المواطن، في اطار القواعد الديمقراطية، ان يمنح ثقته لغيره.

وهنا تتجسد قوة المواطن.

قد لا يملك المواطن وزارة.

وقد لا يملك ميزانية.

وقد لا يملك سلطة القرار.

لكنه يملك لحظة انتخابية يستطيع فيها ان يقول نعم او لا.

ويملك ان يجدد الثقة او يسحبها.

ويملك ان يختار من يراه اكثر قدرة على تمثيله.

وهذا الحق يجب ان يمارس بوعي، لا بانفعال، وبالذاكرة لا بالنسيان، وبالمشروع لا بالمجاملة.

ان الاستحقاق المقبل ينبغي ان يكون فرصة لاعادة الاعتبار لهذه المعاني.

نريد انتخابات تجعل السياسي يخاطب عقل المواطن قبل عاطفته.

ونريد مواطنا يسأل عن البرنامج قبل الصورة، وعن الحصيلة قبل الوعد، وعن الكفاءة قبل الشهرة، وعن النزاهة قبل النفوذ.

نريد ان تصبح المنافسة بين الافكار لا بين الولاءات.

وبين المشاريع لا بين الاشخاص.

وبين من يستطيع ان يقدم الحلول ومن يكتفي بتقديم الخطابات.

فالمغرب لا تنقصه الطاقات، ولا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه الافكار. ما نحتاجه هو ان نعطي هذه الكفاءات فرصة حقيقية للوصول الى مواقع المسؤولية، وان نخلق بيئة سياسية تكافئ من يعمل، وتحاسب من يفشل، وتفتح الباب امام من يملك بديلا حقيقيا.

لقد حان الوقت لكي ننتقل من المواطن الذي يسأل: ماذا سيقدم لي هذا المرشح؟ الى المواطن الذي يسأل: ماذا يستطيع هذا المرشح ان يقدم للوطن؟

ومن السياسي الذي يسأل: كم صوتا استطيع ان اجمع؟ الى السياسي الذي يسأل: كيف سأكون في مستوى هذه الثقة؟

هذه النقلة هي التي يمكن ان تعيد للانتخابات معناها.

وهي التي يمكن ان تعيد للسياسة بعضا من الثقة التي فقدتها.

وفي النهاية، فان الانتخابات المقبلة لن تكون فقط امتحانا للمرشحين والاحزاب، بل ستكون ايضا امتحانا لنضجنا كمواطنين.

فمن حق المواطن ان يحاسب.

ومن واجبه ايضا ان يختار بوعي.

ومن حقه ان يغير.

ومن مسؤوليته ان يبحث عن الافضل.

وبعد خمس سنوات من الوعود والتجارب، لم يعد مقبولا ان يبدأ النقاش من جديد بالسؤال: من سيعدنا اكثر؟

بل يجب ان يبدأ بسؤال اكثر بساطة وعمقا:

من اثبت انه يستحق ثقتنا؟

ومن فشل في تحمل المسؤولية؟

ومن يقدم بديلا حقيقيا؟

لان السياسة لا تتغير فقط عندما يتغير السياسيون، بل تتغير ايضا عندما يتغير المواطن في طريقة اختياره.

وحين يدرك المواطن ان صوته ليس مجرد ورقة في صندوق، بل قرار في مستقبل وطن، عندها فقط تبدأ المحاسبة الحقيقية، ويصبح التغيير اختيارا واعيا لا مجرد رد فعل.