بين أن تكون مهما… وأن تكون نافعا

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

في زمن أصبحت فيه الأضواء تغري الكثيرين، بات كثير من الناس يسعون إلى أن يكونوا مهمين أكثر من سعيهم إلى أن يكونوا نافعين. أصبح المنصب هدفا، والظهور غاية، وعدد المتابعين مقياسا للنجاح، بينما تراجعت قيمة الإنسان بما يقدمه من أثر حقيقي في حياة الآخرين.

فالفرق كبير بين أن تكون مهما وأن تكون نافعا. قد يمنحك المنصب مكانة، وقد تمنحك الشهرة حضورا، لكن النفع وحده هو الذي يمنحك الاحترام، ويجعل ذكرك يبقى بعد رحيلك.

كم من مسؤول شغل أعلى المناصب، وكانت له سلطة واسعة، لكن بمجرد مغادرته لم يعد أحد يذكره، لأنه لم يترك أثرا يروى، ولا مشروعا يخلد، ولا موقفا يستحق أن يستعاد. وفي المقابل، هناك أشخاص لم يحملوا يوما ألقابا كبيرة، ولم يتصدروا المشهد، لكنهم تركوا بصمات لا تمحى في قلوب الناس، لأنهم كانوا نافعين قبل أن يكونوا مشهورين.

إن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد المناصب التي تقلدها، ولا بحجم الصور التي التقطت له، ولا بعدد الكلمات التي قيلت في حقه، وإنما بما قدمه من خير، وما أحدثه من تغيير، وما زرعه من أمل في نفوس من حوله.

الأستاذ النافع قد لا يعرفه إلا تلاميذه، لكنه يصنع أجيالا كاملة. والطبيب النافع قد لا يظهر على الشاشات، لكنه ينقذ أرواحا كل يوم. والموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص قد لا يصفق له أحد، لكنه يخفف معاناة مئات المواطنين. والأب الذي يربي أبناءه على القيم، والأم التي تبني أسرة متماسكة، قد لا تكتب أسماؤهما في الصحف، لكنهما يساهمان في بناء وطن بأكمله.

وفي الحياة العامة، لا يحتاج الوطن إلى مسؤول يبحث عن الأهمية، بقدر ما يحتاج إلى مسؤول يشعر بأن قيمة منصبه فيما يقدمه للمواطن، لا فيما يمنحه له المنصب من امتيازات. فالمسؤولية ليست وسيلة لصناعة الصورة، بل فرصة لصناعة الأثر.

وللأسف، أصبحنا نعيش زمنا يخلط فيه البعض بين الشهرة والقيمة، وبين النفوذ والاحترام. فأصبح الاهتمام بما يظهر للناس أكبر من الاهتمام بما ينفعهم، وأصبح التسويق للإنجاز أحيانا يسبق الإنجاز نفسه. ومع مرور الوقت، يفقد العمل معناه، عندما يصبح الهدف هو الظهور، لا الخدمة.

إن التاريخ لا يحتفظ بأسماء كل من مروا من المناصب، لكنه يحتفظ بمن غيروا حياة الناس. لا يتذكر عدد الخطب التي ألقيت، بل يتذكر القرارات التي صنعت الفرق، والمواقف التي جسدت الصدق، والأعمال التي بقي أثرها بعد رحيل أصحابها.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد على نفسه ليس: كيف أصبح مهما؟ بل: ماذا أضفت لمن حولي؟ ماذا قدمت لوطني؟ ماذا سيبقى مني بعد أن أغادر مكاني؟

فالإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يمنح. ولا بما يأخذ، بل بما يترك. وقد يكون أعظم إنجاز في حياة شخص هو أنه جعل حياة الآخرين أفضل، ولو بكلمة طيبة، أو موقف صادق، أو خدمة أداها بإخلاص.

وفي النهاية، سيأتي يوم يغادر فيه الجميع مناصبهم، وتنطفئ الأضواء، وتتوقف التصفيقات، ولا يبقى إلا الأثر. عندها لن يسأل التاريخ كم كانت سلطتك، ولا كم كان نفوذك، بل سيسأل: ماذا قدمت؟ ومن استفاد من وجودك؟

فليس النجاح أن تكون مهما في نظر الناس، بل أن تكون نافعا لهم. لأن الأهمية يصنعها المنصب، أما النفع فيصنعه الإنسان.