بين الحق في الطموح… وواجب الاستحقاق
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
الطموح صفة جميلة، بل هو الوقود الذي يدفع الإنسان إلى التقدم، ويمنحه القدرة على تجاوز الصعاب. فلا أحد يلوم شابا يحلم بأن يصبح مسؤولا، أو موظفا يسعى إلى الترقية، أو سياسيا يتطلع إلى تحمل مسؤولية أكبر. فالأحلام هي بداية كل نجاح، والطموح هو أول خطوة نحو الإنجاز.
لكن ما يثير القلق اليوم هو أن البعض أصبح يعتقد أن مجرد الطموح يمنحه الحق في الوصول، وأن الرغبة وحدها تكفي لتولي المسؤولية، متناسيا أن بين الطموح والاستحقاق مسافة لا يقطعها إلا العمل، والتكوين، والتجربة، والالتزام.
فالطموح حق، أما الاستحقاق فهو واجب.
لقد أصبحنا نعيش في زمن السرعة، حيث يريد كثيرون الوصول إلى القمة دون أن يمروا بسلالمها. يريدون قيادة المؤسسات قبل أن يتعلموا كيف تدار، ويريدون التأثير في الناس قبل أن يثبتوا قدرتهم على خدمة الناس، ويريدون جني الثمار قبل أن يغرسوا البذور.
وفي السياسة، كما في الإدارة، وفي المقاولة، وحتى داخل الجمعيات، لا يكفي أن يعلن الإنسان رغبته في القيادة، بل عليه أن يقنع الآخرين بأنه يستحقها. فالمنصب ليس جائزة تمنح للطموحين، وإنما أمانة توضع بين يدي الأكفأ والأقدر على تحمل المسؤولية.
لقد علمتنا التجارب أن كثيرا من الأزمات لم تكن بسبب نقص الطموح، وإنما بسبب غياب الاستحقاق. فعندما يتقدم الطموح على الكفاءة، يصبح القرار ضعيفا، وتضيع المؤسسات، ويدفع المواطن الثمن.
وفي المقابل، هناك رجال ونساء لم يسعوا يوما وراء المناصب، لكن كفاءتهم، وأخلاقهم، وعملهم الجاد، جعلت الناس تلتف حولهم، وتثق في قدرتهم على القيادة. لأن الاستحقاق الحقيقي لا يفرض نفسه بالكلام، بل يفرضه بالعمل.
وهذا لا يعني أن نغلق الباب أمام الطاقات الجديدة، بل على العكس، فكل مجتمع يحتاج إلى دماء جديدة وأفكار متجددة. لكن التجديد لا يكون بإقصاء الخبرة، كما أن الخبرة لا ينبغي أن تكون ذريعة لاحتكار المسؤولية. فالمعادلة الناجحة هي أن يلتقي طموح الشباب بحكمة التجربة، وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة، لا العمر، ولا العلاقات، ولا النفوذ.
إن الاستحقاق يبدأ من احترام التدرج، ومن الإيمان بأن كل مرحلة تضيف إلى الإنسان شيئا. فلا أحد يولد قائدا، بل تصنعه التجارب، وتعلمه الأخطاء، وتصقله المسؤوليات التي تحملها بإخلاص.
ولذلك، فإن المجتمعات التي تتقدم ليست هي التي تكثر فيها الطموحات، بل هي التي تجعل لكل طموح طريقا واضحا يقوم على الجدارة، والعمل، والمحاسبة. هناك فقط يشعر الجميع أن الفرص متاحة، وأن النجاح ليس امتيازا يمنح، بل ثمرة جهد يستحق التقدير.
وفي النهاية، يظل الطموح أمرا مشروعا، بل ضروريا، لكنه يفقد قيمته إذا لم يرافقه استعداد حقيقي لتحمل المسؤولية. فالوطن لا يحتاج إلى من يريد المنصب فقط، بل إلى من يستحقه، ويجعل منه وسيلة لخدمة الناس، لا غاية لتحقيق الذات.
فالطموح يفتح الأبواب، لكن الاستحقاق وحده هو الذي يبقيها مفتوحة. ومن أراد أن يصل، فليبدأ ببناء نفسه قبل أن يفكر في قيادة غيره.