تشريعيات 2026: أي أغلبية بعد إعادة ترتيب الخريطة السياسية؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد مناسبة لتحديد ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب، بل شكلت لحظة لإعادة توزيع الأوزان السياسية وفتح مرحلة جديدة من التفاوض حول طبيعة الأغلبية الحكومية المقبلة. فقد أفرزت النتائج تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا، والحركة الشعبية بـ29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي بـ26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا، والاتحاد الدستوري بـ17 مقعدا. وهي خريطة تؤكد أن المرحلة المقبلة لن تحسم بمنطق الحزب الواحد، وإنما بمنطق التحالفات والتفاهمات السياسية والبرنامجية.

الصورة الجديدة تحمل مفارقة مهمة: الحزب الذي تصدر الانتخابات لا يملك وحده القدرة على تشكيل الحكومة، بينما تملك مجموعة من الأحزاب المتوسطة والصغيرة قدرة أكبر على التأثير في هندسة الأغلبية. وهنا تنتقل السياسة من لحظة الاقتراع إلى لحظة التفاوض، حيث لا يعود عدد المقاعد هو العنصر الوحيد المحدد، بل تصبح طبيعة العلاقة بين الأحزاب، وتقارب برامجها، وقدرتها على بناء تعاقد حكومي قابل للاستمرار، عناصر أساسية في تحديد شكل المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، يطرح موقف حزب العدالة والتنمية نفسه باعتباره معطى سياسيا ينبغي أخذه بعين الاعتبار. فالحزب، رغم حصوله على 54 مقعدا، عبر عن اصطفافه في المعارضة، وهو ما يجعل سيناريوهات تشكيل الحكومة تنطلق عمليا من القوى الأخرى، مع بقاء العدالة والتنمية قوة برلمانية مهمة داخل المؤسسة التشريعية. وهذا يوضح مرة أخرى أن الوزن البرلماني لا يعني بالضرورة المشاركة في السلطة التنفيذية، وأن موقع الحزب السياسي يرتبط أيضا بالقرار الذي يتخذه تجاه مرحلة ما بعد الانتخابات.

أما بالنسبة إلى هندسة الأغلبية، فإن الحسابات الأولية تفتح أكثر من سيناريو.

السيناريو الأول: استمرار الأغلبية السابقة مع توسيعها

تتوفر أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال مجتمعة على 228 مقعدا، وهو ما يعني أن إعادة تشكيل أغلبية تقوم على المكونات الثلاثة نفسها تظل ممكنة حسابيا. وإذا أضيفت إليها الحركة الشعبية، فإن المجموع يرتفع إلى 257 مقعدا.

لكن الاستمرار، حتى إذا كان ممكنا عدديا، لن يكون بالضرورة نسخة مطابقة لتجربة السنوات السابقة. فالانتخابات أعادت ترتيب مواقع القوى داخل هذه الأغلبية، وأصبح أي استمرار بحاجة إلى تفاهم سياسي جديد يأخذ بعين الاعتبار الرسائل التي أفرزها الاقتراع، سواء على مستوى المشاركة أو التمثيلية أو الأولويات الاجتماعية والاقتصادية.

السيناريو الثاني: أغلبية من الأصالة والمعاصرة والأحرار والحركة الشعبية مع مكون إضافي

تصل هذه التركيبة إلى 192 مقعدا، أي أنها تحتاج إلى ستة مقاعد فقط لتجاوز عتبة الأغلبية. وهذا يجعلها إحدى الصيغ الحسابية الممكنة في حال اتجهت المشاورات نحو إعادة تركيب الأغلبية بدل إعادة إنتاجها بالشكل السابق.

ميزة هذا السيناريو أنه يفتح المجال أمام مكون رابع صغير لاستكمال النصاب، لكنه في الوقت نفسه يفرض سؤالا حول مدى الانسجام السياسي والبرنامجي بين مختلف الأطراف. فالأغلبية البرلمانية قد تكون سهلة البناء حسابيا، لكن استقرارها يحتاج إلى أكثر من جمع الأرقام.

السيناريو الثالث: الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية مع مكون رابع

تصل هذه الصيغة إلى 191 مقعدا، ما يعني أنها تحتاج إلى سبعة مقاعد إضافية فقط. وهي بذلك تظل ضمن التركيبات الممكنة، خصوصا إذا اتجهت المشاورات نحو إعادة توزيع التوازنات داخل الحكومة المقبلة.

هذا السيناريو يبرز حقيقة أساسية في خريطة 2026: الحزب المتصدر سيكون بحاجة إلى التفاوض، بينما ستجد الأحزاب ذات الأوزان المتوسطة نفسها أمام فرصة للتأثير في طبيعة الأغلبية وشروط التعاقد الحكومي.

السيناريو الرابع: أغلبية موسعة

يمكن أيضا تصور أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، بما يرفع العدد إلى 283 مقعدا. غير أن اتساع الأغلبية لا يعني تلقائيا ارتفاع مستوى الانسجام. فكلما تعددت مكونات الحكومة، ازدادت الحاجة إلى تحديد واضح للأهداف المشتركة وآليات التنسيق والمسؤولية السياسية.

وهنا تظهر قاعدة سياسية أساسية: ليست كل أغلبية عددية أغلبية سياسية بالضرورة. فقد تتوفر الحكومة على أكثر من 198 نائبا، لكنها تظل معرضة للتوتر إذا لم تكن هناك أرضية سياسية وبرنامجية واضحة تجمع مكوناتها.

وبين مختلف هذه السيناريوهات، تبدو الحركة الشعبية واحدة من الأحزاب التي يمكن أن تحضر في أكثر من تركيبة حسابية، بحكم حصولها على 29 مقعدا. لكن قراءة هذا الموقع ينبغي أن تتم في إطار الخريطة كلها، لا باعتباره حالة استثنائية. فالاتحاد الاشتراكي بـ26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، وغيرها من المكونات، يمكن أن يكون لها بدورها دور في إعادة تركيب الأغلبية بحسب اتجاه المشاورات.

وهنا تصبح المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة الأحزاب على الانتقال من منطق الحساب العددي إلى منطق التعاقد السياسي. المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة من سيدخل الحكومة، وإنما يحتاج إلى معرفة لماذا اجتمعت هذه الأحزاب، وما البرنامج الذي يجمعها، وما الالتزامات التي ستتحمل مسؤولية تنفيذها.

فالرهان الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون فقط في تشكيل أغلبية مريحة داخل البرلمان، وإنما في القدرة على مواجهة ملفات أصبحت مركزية في النقاش العمومي: القدرة الشرائية، التشغيل، الطبقة الوسطى، الصحة، التعليم، الماء، الفوارق المجالية، العالم القروي، المناطق الجبلية، والحماية الاجتماعية.

ومن هذه الزاوية، تصبح المفاوضات الحكومية أكثر من عملية لتوزيع الحقائب. إنها لحظة لإعادة تعريف الأولويات السياسية للسنوات الخمس المقبلة. وكل حزب سيدخل هذه المفاوضات سيكون مطالبا بأن يجيب عن سؤال بسيط في صياغته، لكنه معقد في مضمونه: ماذا يريد أن يضيف إلى الحكومة المقبلة؟

إن الانتخابات تمنح الأحزاب أوزانا مختلفة، لكنها لا تمنحها وحدها مشروعا للحكم. المشروع يتشكل خلال التفاوض، ويتحول إلى برنامج حكومي، ثم يخضع للاختبار أمام البرلمان والمجتمع والرأي العام.

وفي هذا الإطار، فإن وجود 29 مقعدا للحركة الشعبية يجعلها رقما لا يمكن تجاهله في عدد من التركيبات الممكنة، لكن الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على مجموعة من الأحزاب الأخرى. ولذلك فإن الأهم ليس الحزب الذي سيصبح رقما حاسما في عملية الجمع، وإنما طبيعة التوافق الذي سيجعل هذا الجمع قابلا للاستمرار.

المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة تستطيع الوصول إلى 198 نائبا، بل إلى حكومة تستطيع أن تفسر للمغاربة لماذا اجتمعت مكوناتها، وما الذي ستفعله خلال السنوات الخمس المقبلة، وكيف ستقيس نجاحها، ومن سيتحمل المسؤولية السياسية عندما لا تتحقق الوعود.

ومن هنا يمكن فهم أهمية المرحلة المقبلة. فالصندوق الانتخابي أنهى مرحلة المنافسة، لكنه لم يحسم شكل التعاقد السياسي. والنتائج حددت الأوزان، لكنها لم تحدد وحدها طبيعة التحالفات. أما المشاورات، فهي التي ستكشف ما إذا كانت الأحزاب قادرة على بناء أغلبية تتجاوز منطق جمع المقاعد إلى منطق بناء مشروع سياسي قابل للحياة.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر أهمية بعد تشريعيات 2026 ليس: من سيدخل الحكومة؟

بل: أي أغلبية يحتاجها المغرب، وعلى أي أساس سياسي وبرنامجي ستقوم؟

فالحكومة التي ستولد من هذه الانتخابات ستظل مطالبة بأكثر من الحصول على ثقة البرلمان. ستكون مطالبة باستعادة ثقة المواطن، وهذه لا تمنحها صناديق الاقتراع مرة واحدة وإلى الأبد، وإنما تجددها النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.

وهكذا تبدأ السياسة الحقيقية بعد إعلان النتائج: عندما تتحول المقاعد إلى مسؤولية، والأغلبية إلى تعاقد، والبرامج إلى قرارات، والوعود إلى إنجاز.