حليمة العسالي: حارسة الذاكرة الحركية وصانعة الاستمرارية
بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
“إن أعظم اختبار للقيادة ليس الوصول إلى السلطة، بل القدرة على الحفاظ على استمرارية المؤسسة بعد تعاقب الأجيال.”
صامويل هنتنغتون
مقدمة: ما الذي يجعل بعض القيادات أكبر من المناصب؟
في الحياة السياسية، هناك من يصنع الحدث، وهناك من يصنع الاستمرارية، وهناك من يرتبط اسمه بمرحلة سياسية معينة، فإذا انتهت المرحلة انتهى أثره معها، وهناك من يتحول مع مرور الزمن إلى جزء من البنية العميقة للمؤسسة التي ينتمي إليها، فيصبح حضوره مرتبطاً باستقرارها، وتصبح تجربته جزءاً من ذاكرتها الجماعية.
وفي علم السياسة، لا تعتبر هذه الظاهرة أمراً عادياً، بل تعد من أكثر الظواهر تعقيداً وإثارة للاهتمام، فالوصول إلى القيادة قد يكون نتيجة ظرف سياسي أو توازن تنظيمي أو لحظة انتخابية معينة، أما البقاء داخل دائرة التأثير لعقود طويلة، مع الحفاظ على الشرعية والاحترام والقدرة على الفعل، فهو مؤشر على امتلاك موارد سياسية ورمزية استثنائية.
ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة السيدة حليمة العسالي أكثر من مجرد تجربة امرأة نجحت في فرض حضورها داخل حزب سياسي عريق، إنها تجربة تعكس جانباً من تاريخ الحركة الشعبية نفسها، وتفتح الباب أمام سؤال جوهري:
كيف تستطيع بعض الشخصيات أن تتحول من فاعل تنظيمي إلى جزء من هوية المؤسسة؟
وإذا كان الوصول إلى المواقع القيادية يشكل مؤشراً على النجاح السياسي، فإن القدرة على الاستمرار داخل دوائر التأثير عبر عقود من التحولات التنظيمية والسياسية تشكل مؤشراً أكثر عمقاً على امتلاك ما يسميه علماء السياسة بـ”الشرعية المتراكمة”، فبعض القيادات تصنعها لحظة سياسية عابرة، بينما تصنع قيادات أخرى علاقتها بالمؤسسة عبر سنوات طويلة من العمل والالتزام والتراكم، إلى أن تصبح جزءاً من سرديتها التاريخية.
ومن هذه الزاوية بالذات، تكتسب تجربة حليمة العسالي قيمتها التحليلية، لأنها لا تختزل في مسار فردي، بل تكشف جانباً من الكيفية التي تنتج بها الأحزاب السياسية استمراريتها وتحافظ بها على توازناتها الداخلية.
بين الأفراد والمؤسسات: لماذا تبقى بعض الأسماء حاضرة؟
يذهب عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون إلى أن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتكيف ونقل خبرتها عبر الزمن.
والأحزاب السياسية ليست استثناءً من هذه القاعدة، فكل تنظيم سياسي يحتاج إلى قيادات تدير الحاضر، لكنه يحتاج أيضاً إلى شخصيات تحفظ الذاكرة، وتنقل الخبرة، وتحافظ على الخيط الناظم الذي يربط الماضي بالمستقبل.
وفي التجربة الحركية المغربية، يصعب الحديث عن هذا الدور دون استحضار اسم حليمة العسال، فهي ليست مجرد قيادية عاشت مراحل مختلفة من تاريخ الحركة الشعبية، بل تمثل نموذجاً لشخصية سياسية استطاعت أن ترافق الحزب في محطات متعددة، وأن تظل حاضرة في لحظات القوة كما في لحظات التحدي، وأن تحافظ على موقعها داخل الوعي الجماعي للحركيين رغم تغير القيادات والأجيال والظروف.
وهذه القدرة على الاستمرار ليست مسألة مرتبطة بالأقدمية أو بطول المدة الزمنية فقط، بل هي نتيجة مسار طويل من التراكم السياسي والتنظيمي والرمزي.
حليمة العسالي وسوسيولوجيا البقاء السياسي
في أدبيات النخبة السياسية يوجد مفهوم أساسي يعرف بـ”البقاء السياسي”، وهو مفهوم لا يفسر فقط كيف يصل الفاعلون السياسيون إلى مواقع التأثير، بل كيف يحافظون عليها رغم تغير السياقات.
غير أن تجربة حليمة العسالي تتجاوز مجرد البقاء السياسي، فالبقاء في حد ذاته لا يكفي لصناعة المكانة.
هناك سياسيون كثيرون بقوا داخل المؤسسات، لكنهم تحولوا مع الوقت إلى مجرد أسماء في سجلات التنظيمات، أما الشخصيات التي تستحق الدراسة فهي تلك التي يتحول بقاؤها إلى عنصر من عناصر استقرار المؤسسة نفسها.
وهنا تكمن خصوصية تجربة العسالي.
لقد ظلت حاضرة في مختلف التحولات التي عرفتها الحركة الشعبية، لكنها لم تكن مجرد شاهدة على هذه التحولات، بل كانت جزءاً من عملية تدبيرها ومواكبتها وإعادة إنتاج التوازنات داخلها.
إنها من تلك الشخصيات التي لا يرتبط وجودها بزعامة معينة، ولا بمرحلة تنظيمية محددة، بل يرتبط باستمرارية المؤسسة نفسها.
من مدرسة المحجوبي أحرضان إلى رهانات المستقبل
لقد تعاقبت على الحركة الشعبية قيادات ورموز متعددة، واختلفت السياقات السياسية والتنظيمية التي اشتغلت فيها، غير أن ما يميز بعض الشخصيات هو قدرتها على الحفاظ على خيط الاستمرارية بين هذه المراحل المختلفة، وفي هذا الإطار، تبدو حليمة العسالي من بين الوجوه التي لم تكتف بمواكبة التحولات، بل ساهمت في جعل الانتقال بين الأجيال الحركية انتقالاً يحافظ على الذاكرة دون أن يعطل التجديد، ويحافظ على الهوية دون أن يغلق الباب أمام المستقبل.
حيث يصعب فهم الحركة الشعبية دون استحضار بعدها التاريخي والرمزي، فالحركة الشعبية ليست مجرد تنظيم انتخابي، بل هي مدرسة سياسية ارتبطت بالدفاع عن المغرب العميق، وعن العالم القروي، وعن التعدد الثقافي واللغوي، وعن مكانة الأمازيغية داخل البناء الوطني.
ومنذ تأسيسها، عرفت الحركة الشعبية أجيالاً متعددة من القيادات والمناضلين، وانتقلت من سياقات سياسية مختلفة إلى أخرى أكثر تعقيداً، غير أن المحافظة على هذا الامتداد التاريخي لم تكن مهمة سهلة.
فالكثير من الأحزاب تفقد جزءاً من هويتها عندما تتعاقب الأجيال، وتفقد جزءاً من ذاكرتها عندما يغيب أولئك الذين راكموا التجربة والخبرة.
وهنا تبرز أهمية شخصيات مثل حليمة العسالي.
فهي تمثل أحد الجسور النادرة التي تربط بين الذاكرة التاريخية للحركة الشعبية وبين رهاناتها المستقبلية.
إنها ليست فقط شاهدة على مراحل متعددة من تاريخ الحزب، بل حاملة لجزء من روحه التنظيمية والسياسية.
القوة الحقيقية: العمل الذي لا يراه الجميع
في زمن أصبحت فيه السياسة مرتبطة بالصورة والظهور الإعلامي، كثيراً ما يتم تجاهل نوع آخر من العمل السياسي أكثر عمقاً وأقل صخباً.
إنه العمل الذي يتم داخل المؤسسة نفسها، العمل الذي لا تلتقطه الكاميرات، ولا تصنعه المنصات الرقمية، ولا يقاس بعدد التصريحات، وإنما يقاس بقدرته على ضمان استمرارية التنظيم ونجاح محطاته الكبرى.
ومن يتتبع المسار التنظيمي للحركة الشعبية يدرك أن إحدى أهم نقاط قوة حليمة العسالي تكمن في هذا الجانب تحديداً، لقد ارتبط اسمها، لدى العديد من الحركيين، بالعمل الدؤوب لإنجاح المحطات التنظيمية والسياسية للحزب، وبالحرص على التوفيق بين المكونات المختلفة، وبالسعي إلى تحويل الاختلاف إلى مصدر قوة بدل أن يتحول إلى عامل انقسام.
وهذه الوظيفة السياسية بالذات هي التي تجعل بعض القيادات أكبر من المواقع التي تشغلها، لأنها تتحول إلى جزء من آليات استقرار المؤسسة نفسها.
النفوذ الذي لا يحتاج إلى إعلان
في العلوم السياسية، لا تمارس كل أشكال السلطة من خلال المواقع الرسمية، فهناك نوع من النفوذ أكثر تعقيداً وأعمق أثراً، يتمثل في القدرة على التأثير دون الحاجة إلى الإعلان المستمر عن هذا التأثير.
ويذهب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن بعض الفاعلين ينجحون في تحويل الرأسمال الرمزي الذي راكموه إلى قوة فعلية داخل المؤسسات، بحيث يصبح حضورهم مؤثراً حتى في غياب أي سلطة مباشرة أو موقع رسمي متقدم.
ومن خلال تتبع مسار حليمة العسالي، يتضح أن جزءاً مهماً من مكانتها داخل الحركة الشعبية لا يرتبط فقط بالمسؤوليات التي تقلدتها، وإنما أيضاً بما راكمته من ثقة واحترام وشرعية تنظيمية عبر سنوات طويلة.
فهناك قيادات تستمد قوتها من المنصب، وهناك قيادات تستمد قوتها من القدرة على جمع المختلفين وصناعة التوافقات وتوفير شروط الاستقرار، وهذه هي إحدى أهم الخصائص التي تفسر استمرار حضور العسالي داخل الوعي التنظيمي للحركة الشعبية.
إن النفوذ الحقيقي لا يظهر فقط عندما يتحدث صاحبه، بل يظهر عندما يصبح جزءاً من آليات اشتغال المؤسسة نفسها، وعندما تتحول خبرته وتجربته إلى مرجع ضمني يُستحضر في لحظات القرار والتدبير وإعادة بناء التوازنات.
المرأة التي تجاوزت منطق التمثيل إلى منطق التأثير
في كثير من الأحيان يتم تقييم حضور المرأة في السياسة من خلال عدد المقاعد أو المناصب التي تشغلها، غير أن هذا المنظور يظل محدوداً، فالسياسة في جوهرها ليست تمثيلاً فقط، بل تأثير أيضاً.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة حليمة العسالي جديرة بالاهتمام.
فهي لم تفرض حضورها من خلال الخطاب الحقوقي وحده، ولم تبن مكانتها على منطق الامتياز أو الحصص التمثيلية، بل من خلال التراكم والالتزام والعمل التنظيمي المستمر.
لقد استطاعت أن تفرض مشروعيتها داخل فضاء سياسي شديد التنافس، وأن تتحول إلى أحد الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الحركة الشعبية المعاصر.
وهذا ما يجعل تجربتها تتجاوز بعدها النسائي لتصبح تجربة سياسية كاملة الأركان.
حليمة العسالي أو سؤال الاستمرارية داخل الحركة الشعبية
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية حليمة العسالي في كونها شغلت مواقع سياسية متعددة، ولا في كونها واحدة من أبرز القيادات النسائية المغربية فحسب، بل تكمن أهميتها في أنها تمثل نموذجاً نادراً لشخصية سياسية استطاعت أن تتحول إلى جزء من الذاكرة الحية للحركة الشعبية، وأن تحافظ على حضورها عبر أجيال مختلفة، وأن تساهم في نقل الخبرة والتجربة والقيم التنظيمية من مرحلة إلى أخرى، وأن تجعل من الوفاء للمؤسسة جزءاً من مشروعها السياسي.
وفي زمن تعرف فيه الأحزاب السياسية تحولات متسارعة وتحديات غير مسبوقة، تبرز قيمة الشخصيات التي لا تكتفي بصناعة اللحظة السياسية، بل تساهم في صناعة الاستمرارية نفسها.
وهنا بالضبط تكمن خصوصية حليمة العسالي.
فهي ليست فقط إحدى قيادات الحركة الشعبية، بل إحدى الشخصيات التي تساعد على فهم كيف استطاع هذا الحزب أن يحافظ على جزء مهم من هويته، وأن يستمر في أداء أدواره رغم تغير الأزمنة والظروف والوجوه.
في السياسة، يمر كثير من الأشخاص عبر المؤسسات، لكن قلة قليلة فقط تنجح في أن تصبح جزءاً من ذاكرتها. وبين من يشغلون المواقع ومن يتركون الأثر، تتحدد القيمة الحقيقية للفاعل السياسي. ومن هذه الزاوية، تبدو حليمة العسالي أكثر من مجرد قيادية داخل الحركة الشعبية؛ إنها إحدى الشخصيات التي ساهمت في صيانة ذاكرتها، وحماية توازناتها، وربط تاريخها بمستقبلها. ولذلك فإن الحديث عنها ليس حديثاً عن مسار فردي فحسب، بل عن نموذج سياسي يؤكد أن قوة المؤسسات لا تُبنى فقط بالقوانين والأنظمة، وإنما أيضاً برجال ونساء يختارون أن يكونوا أوفياء لفكرة الاستمرارية قبل أي شيء آخر.