حين أصبحنا نستمع لنرد… لا لنفهم
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لم تكن المجتمعات يوما تفتقر إلى الكلام كما تفتقر اليوم إلى الإنصات. فالأصوات ارتفعت، والمنابر تعددت، ووسائل التعبير أصبحت في متناول الجميع، لكن الحوار الحقيقي أصبح أكثر ندرة. لم نعد نستمع لنفهم ما يقوله الآخر، بل نستمع فقط في انتظار أن يحين دورنا للرد.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالإنسان حين يدخل أي نقاش وهو مقتنع مسبقا أنه وحده يملك الحقيقة، فإنه يغلق باب الفهم قبل أن يبدأ الحوار. يصبح هدفه الانتصار لرأيه، لا البحث عن الحقيقة، وإقناع الآخر، لا محاولة فهمه. وهكذا يتحول الحوار من وسيلة للتقارب إلى ساحة للمواجهة، ومن فرصة لتبادل الأفكار إلى معركة يبحث فيها كل طرف عن الغلبة.
ولعل ما نعيشه اليوم داخل الأسرة خير مثال على ذلك. كم من أب لا يسمع أبناءه إلا ليقاطعهم؟ وكم من ابن يرفض الاستماع إلى والديه لأنه يعتقد أن جيله وحده يفهم الواقع؟ وبين هذا وذاك تضيع لغة الحوار، ويكبر الصمت، وتتسع المسافات داخل البيت الواحد.
وفي العمل، لا تختلف الصورة كثيرا. فكم من خلاف كان يمكن أن ينتهي في دقائق لو أن كل طرف منح الآخر فرصة ليشرح وجهة نظره دون مقاطعة أو أحكام مسبقة. لكن عندما يصبح الهدف هو إثبات الذات أكثر من الوصول إلى الحل، تتحول المؤسسات إلى فضاءات للتوتر بدل أن تكون فضاءات للإنتاج.
أما في الحياة العامة، فقد أصبح الاختلاف في الرأي عند البعض سببا للتخوين أو القطيعة. فمن يخالفنا لا نناقشه، بل نصنفه. ومن ينتقد فكرة نعتبره خصما. وكأن المجتمع لم يعد يتسع إلا لصوت واحد، مع أن قوة المجتمعات كانت دائما في قدرتها على استيعاب تعدد الآراء، لا في فرض رأي واحد على الجميع.
وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من هذا الواقع. فسرعة التعليق أصبحت أهم من دقة الفهم، والانفعال سبق التأمل، والعنوان أصبح يغني عن قراءة المقال، والمقطع القصير أصبح يكفي لإصدار الأحكام. فأصبح كثيرون يردون على ما ظنوا أنهم سمعوه، لا على ما قيل فعلا.
إن الإنصات ليس ضعفا، كما يعتقد البعض، بل هو علامة على الثقة بالنفس. فالإنسان الواثق لا يخشى أن يسمع رأيا مختلفا، لأنه يعلم أن الاستماع لا يعني الموافقة، وأن احترام الرأي الآخر لا يعني التخلي عن القناعات. بل إن كثيرا من الأفكار العظيمة ولدت من حوار صادق بين أشخاص اختلفوا في الرأي، لكنهم اتفقوا على احترام بعضهم البعض.
إننا في حاجة إلى أن نستعيد ثقافة السؤال قبل إصدار الحكم، وثقافة الفهم قبل الرد، وثقافة الحوار قبل الخصومة. فالكلمات التي تقال بعقل هادئ قد تحل أزمة، بينما الكلمات التي تقال بانفعال قد تخلق أزمة جديدة.
إن المجتمع الذي يحسن الإنصات هو مجتمع يحسن التفكير، لأن الفهم هو الطريق الأقصر إلى الحكمة، أما الضجيج فلا يصنع إلا مزيدا من سوء الفهم.
وفي النهاية، قد يكون أعظم ما يمكن أن نقدمه لبعضنا ليس أن نتحدث أكثر، بل أن نستمع أكثر. لأن الإنسان لا يشعر بقيمته عندما يجد من يصفق له، بل عندما يجد من ينصت إليه باحترام، حتى وإن اختلف معه.
فالحوار الحقيقي لا يبدأ عندما نتكلم… بل يبدأ عندما نؤمن أن فهم الآخر لا يقل أهمية عن أن يفهمنا الآخر.