حين تتقدم المشاريع… ويتأخر المواطن

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

لا أحد يمكنه أن ينكر أن المغرب يعيش في السنوات الأخيرة على وقع أوراش كبرى ومشاريع استراتيجية ضخمة. موانئ عالمية، طرق سيارة، قطارات فائقة السرعة، مناطق صناعية، واستعدادات لاستحقاقات دولية كبرى. وهي إنجازات مهمة تعكس طموح دولة تسعى إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والإقليمية.

لكن وسط كل هذه الدينامية، يظل سؤال بسيط يطرحه المواطن المغربي: أين موقعي أنا من كل هذا؟

فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بعدد الكيلومترات من الطرق السيارة، ولا بحجم الاستثمارات المعلن عنها في الندوات والملتقيات. المواطن يقيس النجاح بقدرته على إيجاد عمل، وبجودة المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، وبالمستشفى الذي يلجأ إليه عند المرض، وبقدرته على مواجهة مصاريف الحياة دون أن يفقد كرامته.

وهنا تظهر المفارقة التي أصبحت تثير الكثير من النقاش. فبينما تتقدم المشاريع الكبرى بوتيرة متسارعة، يشعر جزء مهم من المغاربة بأن أوضاعهم الاجتماعية لا تعرف نفس الوتيرة من التحسن. بل إن الكثيرين يعتقدون أن الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع اليومي أصبحت تتسع أكثر فأكثر.

لقد أثبتت التجارب عبر العالم أن التنمية ليست مجرد بنايات ضخمة أو أرقام نمو اقتصادي. التنمية الحقيقية هي التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية. هي تلك التي تخلق فرص الشغل، وتحسن جودة التعليم، وتضمن الولوج إلى العلاج، وتحافظ على القدرة الشرائية للأسر.

ولعل ما عاشه المغاربة خلال السنوات الأخيرة يكشف بوضوح أن الإشكال لم يعد مرتبطا بالإمكانيات، بل بالأولويات. فالمغرب يتوفر على الكفاءات والموارد والمؤهلات التي تمكنه من تحقيق قفزات نوعية، لكن السؤال يبقى: هل يتم وضع الإنسان في قلب هذه الاختيارات؟

فلا معنى لأي نموذج تنموي إذا كان الشباب يفكرون في الهجرة أكثر مما يفكرون في بناء مستقبلهم داخل الوطن. ولا معنى للحديث عن التقدم إذا كانت الطبقة المتوسطة تفقد تدريجيا قدرتها على الصمود. ولا معنى للأرقام الإيجابية إذا كان المواطن يشعر أن حياته اليومية تزداد صعوبة سنة بعد أخرى.

لقد أصبح من الضروري اليوم إعادة طرح سؤال جوهري: هل نبني المشاريع لخدمة المواطن، أم أصبح المواطن مطالبا فقط بالتصفيق للمشاريع؟

لأن الدول الناجحة ليست تلك التي تبهر العالم ببنياتها التحتية فقط، بل تلك التي تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء من ثمار التنمية. فالميناء الناجح مهم، والطريق السريع مهم، والمشاريع الكبرى ضرورية، لكن الأهم من ذلك كله هو المواطن الذي يجب أن يكون المستفيد الأول من هذه الإنجازات.

إن أكبر تحد يواجه السياسات العمومية اليوم ليس بناء المزيد من المشاريع، بل بناء الثقة. والثقة لا تبنى بالشعارات، بل حين يلمس المواطن أثر التنمية في دخله، وفي تعليم أبنائه، وفي جودة الخدمات التي يتلقاها، وفي قدرته على العيش بكرامة.

وفي النهاية، قد تتقدم المشاريع بسرعة كبيرة، لكن نجاح أي تجربة تنموية سيظل مرتبطا بسؤال واحد: هل تقدم المواطن معها أم ترك خلفها؟

لأن التنمية التي لا يشعر بها الناس تبقى إنجازا ناقصا، ولأن الوطن لا يقاس فقط بما يبنيه من حجر، بل بما يبنيه من إنسان.