حين تفقد السياسة روحها: من أزمة التحالفات إلى أزمة الثقة

0

إفتتاحية الصباح

بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

لم يعد النقاش السياسي في المغرب اليوم محصورا في حدود التحالفات الحكومية وتوازناتها الهشة، بل تجاوز ذلك ليطرح سؤالا أعمق وأكثر إلحاحا: هل نحن أمام أزمة ظرفية في التدبير السياسي، أم أمام أزمة ثقة تمس جوهر الفعل الحزبي برمته؟

صحيح أن التصدعات التي باتت تطفو على سطح المشهد السياسي تعكس صعوبة الحفاظ على انسجام الأغلبية، لكن اختزال الوضع في مجرد خلافات بين مكونات التحالف يظل تبسيطا لواقع أكثر تعقيدا. فالمشكل الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة التحالفات، بل في الصورة التي أصبحت ترتسم لدى المواطن عن السياسة ككل؛ صورة يغلب عليها التردد، وضعف الوضوح، وغياب الأثر الملموس في الحياة اليومية.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا في دور الأحزاب كوسيط بين الدولة والمجتمع، حيث لم تعد قادرة بنفس القوة على التأطير، ولا على إنتاج خطاب مقنع يواكب تحولات المجتمع وانتظاراته. وهو ما فتح المجال أمام نوع من “الفراغ السياسي”، الذي لم يعد يُملأ بالضرورة من داخل المؤسسات، بل من خارجها، عبر أشكال جديدة من التعبير المجتمعي.

في هذا السياق، تبرز ملامح قوة مجتمعية صامتة، لا تتحرك وفق القواعد التقليدية للعمل السياسي، لكنها تفرض حضورها من خلال وعي متزايد، ونقاش عمومي أكثر جرأة، وانتظارات واضحة من الفاعلين. هذه القوة لا تبحث بالضرورة عن مواقع داخل المؤسسات، لكنها تؤثر في اتجاهات الرأي العام، وتعيد تشكيل معايير الثقة والمصداقية.

غير أن بروز هذه الدينامية، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب سياسة قوية ومؤطرة. فالمجتمعات لا تُدار فقط بالتفاعلات العفوية، بل تحتاج إلى مؤسسات سياسية قادرة على ترجمة الانتظارات إلى سياسات عمومية فعالة. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة إلى إعادة بناء الثقة، ليس عبر تغيير التحالفات أو الوجوه فقط، بل من خلال تجديد عميق في أساليب العمل السياسي، وفي علاقة الأحزاب بالمجتمع.

إن الرهان اليوم يتجاوز مسألة من يحكم، إلى كيف يُمارس الحكم، وبأي مصداقية، وبأي قرب من المواطن. فالثقة لا تُفرض، بل تُبنى عبر التراكم، والوضوح، والالتزام الفعلي بخدمة الصالح العام.

في النهاية، قد لا تكون أزمة السياسة في المغرب أزمة نهاية، بل لحظة وعي تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة الاعتبار للفعل السياسي كأداة للتغيير، لا كفضاء للصراعات الظرفية. فهل تلتقط الأحزاب هذه الإشارة في الوقت المناسب، أم يواصل الشارع البحث عن بدائل خارج أسوار السياسة التقليدية؟