حين تكتشف أن الناس لا يفكرون فيك كما تظن

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

من أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان، أنه يعيش أسيرا لما يعتقد أن الناس يفكرون فيه عنه. يخاف من كلامهم، ويتردد في قراراته، ويؤجل أحلامه، ويغير شخصيته، فقط لأنه يتخيل أن الجميع يراقبونه ويحكمون عليه.

والحقيقة أن أغلب الناس مشغولون بأنفسهم أكثر مما هم مشغولون بغيرهم.

كم من شخص تراجع عن مشروع كان يؤمن به خوفا من الانتقاد. وكم من شاب لم يتقدم لوظيفة لأنه خشي الفشل أمام الآخرين. وكم من فتاة أخفت موهبتها خوفا من تعليقات الناس. وكم من إنسان عاش سنوات طويلة وهو يسأل نفسه: “ماذا سيقول الناس؟”، حتى نسي أن يسأل: “ماذا أريد أنا؟”

إن الإنسان يمنح الآخرين أحيانا حجما أكبر من حجمهم الحقيقي. يظن أنهم يتابعون كل خطوة، ويحصون كل خطأ، بينما هم في الواقع يعيشون همومهم الخاصة، ويواجهون معاركهم اليومية، وقد ينسون ما حدث بعد ساعات، بينما يظل هو أسير تلك اللحظة لسنوات.

حتى الشخصيات العالمية، التي يتابعها الملايين، لا تبقى في دائرة الاهتمام إلى الأبد. لاعب يملأ الدنيا حديثا، ثم تأتي مباراة أخرى فينساه الناس. فنان تتصدر أخباره وسائل الإعلام، ثم يظهر اسم جديد فيتحول الاهتمام إليه. وسياسي كان محور النقاش، ثم تتغير الأحداث فيصبح جزءا من الماضي.

هكذا هي الحياة… لا تتوقف عند أحد.

فكيف يقبل إنسان عادي أن يجعل حياته رهينة لنظرة عابرة، أو لتعليق على مواقع التواصل، أو لرأي شخص قد ينساه بعد دقائق؟

إن أخطر سجن قد يضع الإنسان نفسه فيه، هو سجن إرضاء الجميع. لأنه سجن بلا جدران، لكنه يمنعه من أن يعيش كما يريد، ويجعله يتخلى عن قناعاته، لا لشيء إلا لأنه يخشى أحكام الآخرين.

وهذا لا يعني أن نتجاهل النقد أو نعيش بلا ضوابط، فاحترام الناس قيمة، والاستفادة من الرأي الصادق فضيلة. لكن هناك فرق كبير بين أن تستفيد من ملاحظة بناءة، وبين أن تجعل حياتك كلها رهينة لما قد يقوله الناس.

فالثقة بالنفس لا تعني أن تكون معصوما من الخطأ، بل أن تؤمن بأن الخطأ جزء من التعلم، وأن رضا الناس غاية لا تدرك، وأن الحياة أقصر من أن تعاش وفق توقعات الآخرين.

في النهاية، سيواصل كل إنسان طريقه، وستتغير الوجوه، وستنسى المواقف، ولن يبقى معك إلا ما بنيته لنفسك، وما تعلمته من تجاربك، وما حققته من أحلامك.

فلا تجعل حياتك تدور حول سؤال: “ماذا سيقول الناس؟”، بل اجعلها تدور حول سؤال واحد: “هل أنا راض عن نفسي، وما أقدمه، وما أؤمن به؟” لأن الناس سينشغلون بغيرك عاجلا أم آجلا… أما أنت، فستبقى تعيش مع اختياراتك طوال العمر.