حين يتكلم الهامش بصوت مرتفع… أوزين ابن القرية ينتصر في دائرته
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
هناك انتصارات انتخابية تقاس بعدد المقاعد، وهناك انتصارات أخرى تتجاوز الرقم لتصبح رسالة سياسية. وما حققه محمد أوزين في دائرة إفران ينتمي، في دلالته المحلية، إلى هذا النوع الثاني من النتائج. فقد تصدر أوزين نتائج الدائرة بـ7986 صوتا، متقدما على منافسيه، في سباق انتخابي اتسم بالمنافسة القوية، ليؤكد مرة أخرى أن العلاقة بين السياسي ومجاله الانتخابي لا تصنعها فقط الحملات الانتخابية ولا الضجيج الذي يحيط بها، وإنما تصنعها في النهاية الثقة التي يضعها المواطن في صندوق الاقتراع.
قد يكون من السهل اختزال المشهد في مجرد رقم، لكن الأرقام الانتخابية لا تتكلم وحدها. وراء كل صوت حكاية مواطن، ووراء كل ورقة اقتراع علاقة مع المجال، ووراء كل نتيجة سؤال عن قدرة السياسي على البقاء قريبا من الناس حين تشتد المنافسة وتعلو أصوات الخصوم. وفي حالة أوزين، تكتسب النتيجة دلالة إضافية لأنها جاءت في دائرة يعرفها جيدا، وينحدر من مجالها القروي، وهو ما يجعل تصدره للنتائج أقرب إلى اختبار مباشر لعلاقته بالمجتمع المحلي الذي جاء منه، وليس مجرد محطة في مسار حزبي وطني.
أوزين، ابن القرية وابن الهامش، لم يدخل هذه المعركة من موقع سياسي منفصل عن المجال الذي يمثله. وهذه ربما إحدى أهم دلالات النتيجة: أن الهامش، حين يجد من يحمل صوته إلى المؤسسات، لا يبقى هامشا في المعنى السياسي. فالقرية ليست مجرد خزان انتخابي، والمناطق الجبلية ليست مجرد أرقام تضاف إلى الخريطة الانتخابية، بل هي فضاءات اجتماعية لها انتظاراتها الخاصة في التعليم والصحة والنقل والماء وفرص الشغل والعدالة المجالية والكرامة اليومية.
ومن هنا، فإن تصدر أوزين لدائرته لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره فوزا على منافسين انتخابيين، بل باعتباره تجديدا لعلاقة التمثيل السياسي بين المركز والمجال. فالسياسة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن من يطلب صوته يعرف واقعه، ويفهم انتظاراته، وقادر على نقلها من لغة الشكاية اليومية إلى لغة المؤسسات والتشريع والسياسات العمومية.
أما ما يمكن وصفه إعلاميا بـ”إعلام التفاهة”، فإن أفضل جواب عليه لا يكون بالانفعال ولا بالدخول في معارك جانبية، وإنما بالاحتكام إلى الوقائع. قد تصنع بعض المنابر ضجيجا، وقد تحاول بعض الأصوات اختزال السياسي في صورة أو موقف أو تأويل، لكن الانتخابات تضع الجميع أمام اختبار مختلف: ماذا قال المواطن في النهاية؟ والجواب في حالة دائرة إفران واضح في النتائج المعلنة: أوزين تصدر الدائرة وحصل على المقعد البرلماني.
وهنا تكمن قيمة الديمقراطية. فالإعلام يمكن أن يؤثر في النقاش العام، والخصوم يمكن أن يتنافسوا، والحملات يمكن أن تكون شرسة، لكن الصندوق يبقى في النهاية مساحة مختلفة، لأنه يمنح المواطن الكلمة التي لا تستطيع أي حملة أن تتحدث باسمه فيها. ولذلك فإن النتيجة الانتخابية لا ينبغي أن تستخدم لإسكات النقد، كما لا ينبغي أن يستخدم النقد لتجاهل النتيجة. كلاهما جزء من الحياة الديمقراطية، لكن الفاصل بينهما هو احترام إرادة الناخب.
ولعل ما يزيد هذه النتيجة أهمية أن أوزين خاض الانتخابات وهو يقود حزبا حافظ وطنيا على موقعه البرلماني بـ29 مقعدا، وفق النتائج المؤقتة المعلنة، وهي نتيجة تضع الحركة الشعبية في موقع داخل الخريطة البرلمانية الجديدة، وتفتح أمامها أسئلة سياسية وبرنامجية تتجاوز مجرد الاحتفال بالنتائج.
لكن الانتصار الانتخابي، مهما كانت دلالته، لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية الحكاية. بل إن اليوم التالي للانتخابات هو بداية الاختبار الحقيقي. فالمواطن الذي منح صوته ينتظر أن يرى أثر ذلك الصوت في المؤسسة، وفي التشريع، وفي مراقبة الحكومة، وفي الدفاع عن قضايا المجال، وفي تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ. ولهذا فإن قيمة النتيجة لا تقاس فقط بمن تصدر ومن جاء ثانيا، وإنما بما سيصنعه الفائزون بهذه الثقة بعد انتهاء ليلة الانتخابات.
ولأوزين تحديدا، فإن تصدر دائرته يحمل مسؤولية مضاعفة. فهو لم يعد يمثل نفسه فقط، بل يحمل معه صورة مجال قروي وجبلي طالما طالب بأن يكون حاضرا في صلب السياسات العمومية. والوفاء لهذه الثقة لا يكون بالشعارات، وإنما بأن يصبح صوت إفران ووادي إفران والمجال الجبلي حاضرا في النقاش الوطني حول العدالة المجالية، والتنمية، والخدمات العمومية، ومستقبل المناطق التي ظلت طويلا تشعر بأن المركز لا يسمعها إلا في مواسم الانتخابات.
لقد أظهرت نتائج 23 شتنبر أن الحركة الشعبية حصلت على 29 مقعدا، كما أظهرت أن الخريطة السياسية أعيد ترتيبها دون أن ينتج عنها حزب واحد قادر على تشكيل أغلبية بمفرده. ولذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تفاوض سياسي وبرنامجي، وليست مجرد امتداد لليلة إعلان النتائج. والرهان الحقيقي، كما تؤكد القراءة السياسية للنتائج، هو كيف يمكن تحويل الوزن الانتخابي إلى أثر سياسي ملموس، سواء داخل الحكومة أو في المعارضة.
وفي هذا السياق، يصبح تصدر أوزين لدائرته أكثر من خبر انتخابي عابر. إنه صورة مصغرة لمعنى سياسي أكبر: يمكن لابن الهامش أن يصل إلى قلب المؤسسة، ويمكن للقرية أن تنتج نخبتها، ويمكن للسياسي الذي خرج من المجال المحلي أن يخوض النقاش الوطني دون أن يفقد صلته بالجذور.
لقد حاول كثيرون أن يجعلوا السياسة معركة بين الصور والانطباعات، لكن الصندوق يعيدها دائما إلى أصلها البسيط: مواطن يختار، ومرشح يتحمل المسؤولية. وبين الاثنين تنتهي كل الضوضاء ويبدأ الحساب الحقيقي.
أوزين ابن القرية لم يحتج إلى أن يتخلى عن جذوره حتى يصل. وابن الهامش لم يحتج إلى أن يخفي انتماءه للمجال حتى يفرض حضوره. لقد تحدثت دائرة إفران بلغتها الانتخابية، وكان اسم أوزين في مقدمة الأسماء التي اختارتها صناديقها.
والآن تبدأ المرحلة الأصعب: أن يتحول هذا التصدر من نتيجة انتخابية إلى مسؤولية سياسية، وأن يتحول صوت القرية إلى صوت مسموع في البرلمان، وأن يتحول حضور الهامش من مجرد شعار انتخابي إلى قضية دائمة في صناعة القرار.
فالانتخابات قد تمنح السياسي مقعدا، لكنها لا تمنحه وحدها الشرعية الدائمة. الشرعية تتجدد كل يوم بالعمل، وبالوفاء، وبالقدرة على تحويل الثقة إلى إنجاز.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي خرجت من دائرة إفران بسيطة وعميقة في آن واحد: حين يتكلم الهامش من داخل صندوق الاقتراع، يصبح من الصعب على ضجيج المركز أن يلغي صوته.