حين يصبح التحالف الحكومي مغامرة سياسية: هشاشة الانسجام ومخاطر الفشل
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
لا تقاس قوة التحالفات الحكومية بعدد الأحزاب التي تصطف خلفها، ولا بقدرة قادتها على صياغة بيانات مشتركة بلغة مطمئنة، وإنما بمدى امتلاكها تصورا سياسيا متماسكا، وبرنامجا قابلا للتنفيذ، وآليات واضحة لتدبير الاختلاف واتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن تحالف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية لا يطرح سؤال تشكيل الأغلبية فحسب، بل يفتح نقاشا أعمق حول طبيعة هذا التجمع، وحدود انسجامه، وقدرته على الانتقال من التوافق السياسي إلى الفعل الحكومي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في جمع الأحزاب حول طاولة واحدة، وإنما في ضمان ألا تتحول تلك الطاولة إلى مساحة لتدبير التناقضات على حساب السياسات العمومية وانتظارات المواطنين.
إن الإشكال الأول الذي يثيره هذا التحالف يتعلق بالأساس الذي يقوم عليه. فإذا كانت الأحزاب الأربعة تعلن وجود تقارب فكري وسياسي بينها، فإن هذا الادعاء يحتاج إلى ما يسنده من مضمون واضح، لا إلى مجرد عبارة ترد في بلاغ تأسيسي. فالانسجام الفكري ليس هو التوافق على توزيع المسؤوليات، والتوافق البرنامجي ليس هو التنسيق الضروري لتشكيل حكومة، كما أن الاتفاق على دخول المؤسسات لا يعني بالضرورة الاتفاق على كيفية ممارسة السلطة. وهذه مستويات مختلفة، والخلط بينها لا يخدم وضوح المشهد السياسي، بل قد يحجب الفوارق الحقيقية التي ينبغي أن تكون موضوع نقاش عمومي.
فالأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية تنتمي إلى مسارات تاريخية ومرجعيات سياسية مختلفة، وتستند، بدرجات متفاوتة، إلى تصورات متباينة بشأن الاقتصاد والمجتمع ودور الدولة والعدالة الاجتماعية والحريات. فالاستقلال يحمل مرجعية وطنية محافظة، والأصالة والمعاصرة يرتبط بخيارات سياسية واقتصادية ذات توجه ليبرالي، فيما ينتمي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية تاريخيا إلى العائلة اليسارية، رغم ما عرفته هذه الأحزاب من تحولات ومراجعات في مواقفها وممارساتها. ولا يعني هذا التمايز استحالة التحالف، لأن الديمقراطيات تعرف حكومات ائتلافية تجمع تيارات متباينة، لكنه يجعل الحديث عن التقارب الفكري محتاجا إلى تفسير أدق، وإلى تحديد المجالات التي تحقق فيها هذا التقارب بالفعل.
وهنا تحديدا ينبغي توجيه النقد: ليس المطلوب إثبات أن هذه الأحزاب لا يمكنها أن تتحالف، بل مساءلتها عن الأساس الذي اختارت أن تصف به تحالفها. فإذا كان المقصود هو الانسجام الإيديولوجي، فأين تتجلى وحدة المرجعيات؟ وإذا كان المقصود هو الاتفاق على برنامج حكومي، فما هي أولوياته الكبرى، وكيف سيوفق بين اختلاف التصورات الاقتصادية والاجتماعية للأحزاب المشاركة؟ أما إذا كان المقصود مجرد التفاهم على تشكيل أغلبية وتوزيع المسؤوليات، فالأدق سياسيا أن يسمى توافقا حكوميا، لا تقاربا فكريا. فالمفاهيم ليست زينة لغوية، بل أدوات لتوصيف الواقع، وحين تتسع المسافة بين المفهوم ومضمونه، يفقد الخطاب السياسي قدرته على الإقناع.
إن التحالف، بصيغته المعلنة، يواجه لذلك اختبارا مزدوجا: اختبار الانسجام في المرجعيات، واختبار القدرة على إنتاج حد أدنى من الالتزام البرنامجي. وقد لا يكون الاختلاف الإيديولوجي في حد ذاته مصدر ضعف، لكنه يصبح كذلك حين لا تتم إدارته من خلال قواعد واضحة، وأولويات متفق عليها، وآليات لحسم الخلاف. فالحكومة لا تشتغل في فضاء نظري، بل تتخذ قرارات تمس الضرائب والاستثمار والتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتوزيع الموارد. وفي هذه المجالات لا تكفي العبارات العامة عن الإصلاح والتقدم؛ إذ تظهر التباينات عندما يتعين تحديد من يتحمل الكلفة، ومن يستفيد من القرار، وما الحدود التي تقبلها كل جهة في التوفيق بين منطق السوق ودور الدولة، وبين متطلبات التوازنات المالية وضرورات الإنصاف الاجتماعي.
ومن هنا تبرز فرضية هشاشة هذا التحالف. فكلما اتسعت المسافة بين مرجعيات مكوناته، ارتفعت الحاجة إلى برنامج دقيق، وتعاقد سياسي صريح، وآليات فعالة لتدبير الخلاف. أما إذا اكتفى التحالف بإعلان الانسجام من دون أن يحدد قواعده ومضامينه، فإنه يخاطر بأن تتحول اختلافاته من مصدر للتعدد إلى سبب للتعطيل. وقد يظهر ذلك في بطء اتخاذ القرار، أو في تناقض الرسائل الصادرة عن مكوناته، أو في محاولة كل حزب حماية صورته السياسية ولو على حساب الانضباط الجماعي للأغلبية. وعندئذ لن يكون السؤال هو ما إذا كانت الأحزاب متفقة في بلاغها، بل ما إذا كانت قادرة على الاتفاق حين تصبح القرارات مكلفة سياسيا واجتماعيا.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى التحالف باعتباره مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر، لا لأن تعدد الأحزاب يؤدي آليا إلى الفشل، بل لأن نجاح الائتلاف يحتاج إلى شروط لا توفرها مجرد الرغبة في تشكيل الحكومة. فالمغامرة تبدأ عندما يُفترض أن الاتفاق على السلطة دليل على الاتفاق على كيفية استعمالها، وعندما يحل التفاؤل الخطابي محل التعاقد البرنامجي، وعندما تؤجل الخلافات الجوهرية إلى ما بعد توزيع المسؤوليات. إن تشكيل الحكومة قد يكون لحظة توافق، لكن تدبيرها سلسلة متواصلة من الاختيارات التي تكشف مدى صلابة ذلك التوافق.
ويزداد هذا الإشكال أهمية حين ننتقل من طبيعة التحالف إلى علاقة الأحزاب بالمشاركة الحكومية. فالحزب السياسي، في النظرية الديمقراطية، ليس جهازا انتخابيا لا يشتغل إلا للوصول إلى السلطة، ولا تنظيما يستمد مبرر وجوده من عدد الحقائب الوزارية التي يحصل عليها. إنه مؤسسة للتمثيل والتأطير وصياغة البدائل، يفترض أن يمتلك مشروعا يمكن الدفاع عنه في الحكومة كما يمكن الدفاع عنه في المعارضة. والمشاركة الحكومية إحدى وسائل تنزيل المشروع السياسي، لكنها ليست الشرط الوحيد لاستمرار الحزب أو إثبات حضوره.
وحين تصبح المشاركة في الحكومة معيارا لبقاء الحزب، تنقلب العلاقة بين الوسيلة والغاية. فبدلا من أن يدخل الحزب الحكومة من أجل تنفيذ برنامجه، قد يجد نفسه مضطرا إلى البحث عن مبررات للاستمرار في الحكومة حفاظا على موقعه. وبدلا من أن تكون السلطة نتيجة لامتلاك مشروع سياسي قابل للتنافس، يصبح الموقع الحكومي بديلا عن المشروع، وتتحول المحافظة على الحضور المؤسساتي إلى أولوية تتقدم على وضوح الموقف والوفاء للمرجعية. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال المركزي هو ماذا يريد الحزب أن يغير في المجتمع، بل ماذا سيخسر إذا غادر الحكومة.
إن التجارب السياسية تتيح التمييز بين أحزاب تختار المعارضة رغم إمكان المشاركة، لأنها ترى أن شروط التحالف لا تسمح بتنفيذ مشروعها أو الحفاظ على استقلالية قرارها، وأحزاب أخرى تعتبر المشاركة أولوية حتى عندما تضعها أمام تنازلات يصعب تفسيرها لقواعدها الانتخابية. ولا ينبغي تمجيد المعارضة في ذاتها، كما لا ينبغي التعامل مع المشاركة باعتبارها فضيلة سياسية مطلقة. فالمعيار هو مدى انسجام القرار مع البرنامج المعلن، وقدرة الحزب على تبرير اختياره أمام المواطنين، واستعداده لتحمل مسؤولية نتائجه.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الموجه إلى الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لا يتعلق بمجرد وجودهما داخل الأغلبية، بل بمدى قدرتهما على ترجمة مرجعيتهما اليسارية إلى اختيارات حكومية ملموسة. فهل سيكون حضورهما عاملا في توجيه السياسات نحو تقوية الخدمات العمومية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، أم سيصبح مجرد إضافة عددية تمنح التحالف اتساعا سياسيا من دون أن تمنحه مضمونا اجتماعيا متميزا؟ وهل يملك كل حزب خطوطا حمراء معلنة، وأولويات قابلة للقياس، وآلية لمساءلة نفسه إذا تعارضت قرارات الحكومة مع التزاماته السابقة؟ تلك أسئلة لا تحسمها النوايا المعلنة، بل الإجابات التي ستقدمها السياسات والقرارات.
والأمر نفسه ينطبق على بقية مكونات التحالف. فالمسؤولية لا تقع على الأحزاب ذات المرجعية اليسارية وحدها، بل على كل حزب يشارك في صياغة التوجهات الحكومية. وإذا كان التحالف يعلن انسجاما فكريا وسياسيا، فعليه أن يترجم هذا الانسجام إلى تعاقد معلن بشأن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وإلى توزيع واضح للمسؤوليات، وإلى قواعد تمنع تحول الاختلاف إلى تنافس داخلي يعرقل العمل الحكومي. أما الاكتفاء بخطاب الوحدة، مع ترك القضايا الخلافية من دون حسم، فيجعل الحكومة أمام اختبار صعب منذ بدايتها: كيف يمكنها أن تتخذ قرارات متماسكة إذا لم تحدد مسبقا الأسس التي ستسترشد بها عند الاختلاف؟
إن خطر الفشل هنا لا ينبغي تقديمه باعتباره نبوءة أو نتيجة حتمية، بل بوصفه احتمالا سياسيا يرتفع كلما غابت الشروط التي تجعل الائتلاف قادرا على الحكم. فالفشل الحكومي لا يعني بالضرورة سقوط الحكومة أو انتهاء ولايتها؛ قد يتجلى أيضا في ضعف الإنجاز، وتراجع القدرة على اتخاذ القرار، واتساع الفجوة بين الوعود والنتائج، أو في عجز المكونات عن تحمل المسؤولية المشتركة عن الاختيارات المتخذة. وقد تستمر حكومة من الناحية الدستورية والمؤسساتية، بينما يتراجع أثرها السياسي والاجتماعي. ولذلك فإن سلامة التشكيل لا تكفي للحكم على سلامة الأداء، كما أن اتساع الأغلبية لا يضمن وحده قوة الحكومة.
والحسم في هذا النقاش لا يكون بتبادل الاتهامات ولا بالتشكيك المجرد في نيات الأحزاب، وإنما بوضع التحالف أمام معايير واضحة: برنامج حكومي محدد الأولويات، ومؤشرات قابلة للتقييم، وتوافق معلن حول القضايا الكبرى، وآليات لتسوية النزاعات بين مكوناته، والتزام سياسي يجعل كل حزب مسؤولا عن نصيبه في القرار والنتيجة. بهذه الشروط وحدها يمكن التمييز بين تحالف متنوع قادر على تحويل الاختلاف إلى قوة، وتحالف واسع عدديا لكنه عاجز عن بناء إرادة حكومية متماسكة.
إن المغاربة لا يحتاجون إلى بلاغ يؤكد لهم أن الأحزاب متقاربة بقدر ما يحتاجون إلى معرفة ما الذي ستفعله هذه الأحزاب، وكيف ستفعله، ومن سيحاسب على نتائجها. فالانسجام الذي لا يظهر في السياسات يظل ادعاء، والتوافق الذي لا ينتج قرارات واضحة يظل ترتيبا سياسيا محدود المضمون. ومن حق الأغلبية أن تصف تحالفها بما تشاء، لكن من حق الرأي العام أن يطالبها بالدليل، وأن يقيس صدقية خطابها بآثار اختياراتها على حياة المواطنين.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يجمع التحالف أحزابا مختلفة؛ فالتعدد من طبيعة العمل الديمقراطي. المشكلة أن يتعامل مع اختلافها كما لو أنه غير موجود، أو أن يستبدل التوافق على السلطة بادعاء التقارب في الفكر والمشروع. فإذا لم ينجح هذا التحالف في تحويل تعدده إلى برنامج منضبط ومسؤولية مشتركة، فقد تتحول هشاشته من احتمال نظري إلى عائق عملي أمام الحكومة، وتصبح كلفة التناقضات أكبر من قدرة مكوناته على احتوائها. أما إذا قدم برنامجا واضحا وأثبت قدرته على تدبير الاختلاف، فسيكون الحكم عليه مرتبطا بما ينجزه لا بما يعلنه.
فالتحالف لا يصبح قويا لأنه يعلن الانسجام، ولا تنجح الحكومة لأنها تجمع أحزابا متعددة؛ بل تقاس قوة الأول بقدرته على إدارة اختلافاته، وتقاس فعالية الثانية بقدرتها على تحويل التوافق السياسي إلى نتائج ملموسة. وما عدا ذلك، يظل الرهان على الانسجام بلا ضمانات، والمغامرة الحكومية مفتوحة على احتمالات لا يحسمها البلاغ، بل يحسمها الأداء.