حين يصبح الحضور شكليا… يغيب الأثر
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في حياتنا اليومية، نلتقي بأشخاص يحضرون في كل مكان، لكننا لا نشعر بوجودهم. ونلتقي بآخرين قد لا يظهرون كثيرا، لكن أثرهم يبقى في كل مكان مروا به. وهنا يكمن الفرق بين الحضور الحقيقي، والحضور الشكلي.
فليس المهم أن تكون موجودا، بل أن يكون لوجودك معنى.
قد يحضر الموظف إلى مكتبه كل صباح، لكنه يغادر دون أن ينجز ما ينتظره المواطن. وقد يحضر المسؤول الاجتماعات ويلتقط الصور ويلقي الكلمات، لكن الواقع يبقى على حاله. وقد يحضر الأب داخل البيت، لكنه يغيب عن تربية أبنائه، كما قد يحضر الأستاذ داخل القسم، بينما تغيب الرسالة التي جاء من أجلها.
إن الحضور لا يقاس بعدد الساعات، ولا بعدد المناسبات، ولا بعدد الصور والمنشورات، وإنما يقاس بما يتركه الإنسان من أثر بعد انتهاء مهمته. فكم من شخص شغل منصبا لسنوات، ولم يترك خلفه إلا الملفات المؤجلة، وكم من شخص كانت فترة مسؤوليته قصيرة، لكنها كانت كافية ليغير واقعا ويترك بصمة لا تنسى.
ولعل أكبر مشكلة نعيشها اليوم هي أننا أصبحنا نهتم أحيانا بالمظهر أكثر من الجوهر. نحتفي بالحضور، ولا نسأل عن النتائج. نصفق للكلمات، ولا ننتظر الأفعال. وكأن مجرد الوجود أصبح إنجازا، مع أن الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يشعر الناس بأن وجودك أحدث فرقا في حياتهم.
وفي السياسة، لا يقاس نجاح المسؤول بعدد خطاباته، بل بما تحقق على الأرض. وفي الإدارة، لا تقاس قيمة الموظف بعدد سنوات عمله، بل بما قدمه من خدمة للمواطن. وفي الأسرة، لا يقاس دور الأب أو الأم بمجرد وجودهما، بل بما غرسا من قيم، وما قدماه من حب واهتمام.
والأمر نفسه ينطبق على كل واحد منا. فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: هل أنا حاضر؟ بل: ماذا أضفت؟ ماذا سيبقى بعد أن أغادر هذا المكان؟ هل سأترك وراءي عملا يذكرني الناس به، أم مجرد اسم مر من هنا ثم اختفى؟
إن الإنسان لا يخلد بمنصبه، ولا بشهرته، ولا بما يملك، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. فهناك من يغادر موقعه فينتهي كل شيء، وهناك من يغادره، لكن حضوره يبقى في ذاكرة الناس لأن ما قدمه كان صادقا ونافعا.
وفي النهاية، الحياة ليست مسابقة في الظهور، بل فرصة لصناعة الأثر. وقد ينسى الناس متى حضرت، لكنهم لن ينسوا ماذا فعلت عندما حضرت.
فليس النجاح أن تكون حاضرا في كل المشاهد، بل أن يكون لك أثر في كل مكان مررت به. لأن الحضور يراه الجميع، أما الأثر فيبقى شاهدا عليك حتى بعد رحيلك.