حين يصبح المواطن هو معيار الدولة: من منطق تدبير الإدارة إلى منطق صناعة الثقة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لا تقاس قوة الدولة فقط بحجم مؤسساتها، ولا بعدد الإدارات التي تتوفر عليها، ولا بعدد القوانين التي تنتجها، وإنما تقاس قبل كل شيء بقدرتها على تحويل هذه المؤسسات والقوانين إلى أثر ملموس في حياة المواطن. فالدولة التي يقرأ المواطن قوانينها ولا يشعر بحمايتها، ويدخل إداراتها ولا يجد فيها سرعة الاستجابة، ويسمع خطابا عن الحكامة دون أن يلمس نتائجها، تظل أمام تحد حقيقي لا يتعلق بوجود المؤسسات، وإنما بدرجة فعاليتها وثقة المجتمع فيها.

الثقة في الدولة ليست مفهوما أخلاقيا مجردا، وليست شعورا عابرا يمكن بناؤه بخطاب سياسي أو حملة تواصلية. إنها رأسمال مؤسساتي يتراكم عبر الزمن، من خلال علاقة يومية بين المواطن والإدارة، وبين المجتمع والقانون، وبين الحقوق والواجبات. وحين يشعر المواطن بأن القانون يطبق بعدالة، وأن الإدارة تتعامل معه باعتباره صاحب حق وليس طالب خدمة، وأن المسؤول العمومي يمكن مساءلته عن قراراته ونتائجها، تبدأ الثقة في التحول من شعار إلى ممارسة.

لقد تغيرت طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل عميق. المواطن اليوم لم يعد مجرد متلق للقرار العمومي، بل أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، وأكثر قدرة على مقارنة الأداء، وأكثر استعدادا لطرح الأسئلة حول المال العام وجودة الخدمات ونجاعة السياسات. وهذا التحول يفرض على الدولة أن تنتقل من منطق الإدارة التي تدبر المواطن إلى منطق المؤسسات التي تستجيب للمواطن.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي تفرضها الدولة الحديثة: الانتقال من قياس الإدارة بحجم الوسائل التي تستخدمها إلى قياسها بحجم النتائج التي تحققها.

فليس المهم فقط كم مؤسسة أنشأنا، وكم برنامجا أطلقنا، وكم ميزانية رصدنا، وإنما السؤال الحقيقي هو: ماذا تغير في حياة المواطن؟ هل تحسنت المدرسة؟ هل أصبح الولوج إلى العلاج أكثر عدالة؟ هل تقلصت الفوارق المجالية؟ هل أصبحت الخدمات الإدارية أكثر سرعة ووضوحا؟ هل يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن حقوقه مصونة؟

هذه الأسئلة تنقلنا من منطق تدبير الموارد إلى منطق قياس الأثر، ومن منطق تنفيذ الإجراءات إلى منطق تقييم النتائج. وهي مسألة أساسية في الحكامة الحديثة، لأن السياسة العمومية التي لا تقاس نتائجها تظل معرضة لأن تتحول إلى مجرد نفقات وبرامج ومؤشرات شكلية.

وفي هذا السياق، يصبح المواطن هو الاختبار الحقيقي لكل سياسة عمومية. فالميزانية لا تنجح فقط لأنها صرفت وفق المساطر، وإنما تنجح عندما تحقق أثرا اجتماعيا واقتصاديا قابلا للقياس. والمشروع العمومي لا يكتسب قيمته فقط لأنه أنجز، وإنما لأنه استجاب لحاجة حقيقية. والإدارة لا تكون ناجحة فقط لأنها تحترم الإجراءات، وإنما لأنها تجعل هذه الإجراءات مفهومة وسريعة وعادلة بالنسبة إلى المواطن.

وهذا لا يعني التقليل من أهمية القانون والمساطر، بل على العكس. دولة القانون لا يمكن أن تقوم دون احترام المساطر، لكن المساطر نفسها يجب أن تكون في خدمة الحق والعدالة والنجاعة، لا أن تتحول إلى حواجز بيروقراطية تجعل المواطن يشعر بأن الإدارة مصممة لحماية نفسها أكثر مما هي مصممة لخدمته.

ومن هنا تبرز أهمية التحول من مفهوم “المواطن طالب الخدمة” إلى مفهوم “المواطن صاحب الحق”. الفرق بين المفهومين كبير. الأول يضع المواطن في موقع الانتظار، والثاني يضعه في موقع قانوني واضح. الأول يجعل العلاقة قائمة على الامتنان، والثاني يجعلها قائمة على الحقوق والواجبات.

وهذا التحول ليس لغويا، وإنما هو تحول في فلسفة الدولة نفسها.

فالمرفق العمومي لا يوجد لكي يمنح امتيازا للمواطن، وإنما لكي يؤدي وظيفة اجتماعية وقانونية واقتصادية. والمدرسة العمومية ليست منحة، والمستشفى العمومي ليس فضلا، والإدارة ليست سلطة فوق المواطن. إنها مؤسسات أنشئت لخدمة المجتمع، وتمول في جزء كبير منها من المال العام، ولذلك فإن جودة أدائها تدخل في صميم مفهوم المواطنة والثقة في الدولة.

كما أن الثقة لا يمكن أن تبنى في اتجاه واحد. المواطن مطالب باحترام القانون وأداء واجباته، لكن الدولة والمؤسسات مطالبة في المقابل بأن تكون واضحة وعادلة وفعالة في ممارسة سلطتها. العلاقة السليمة بين الدولة والمجتمع تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات، وليس على مطالبة المواطن بالثقة دون تقديم أسباب موضوعية لهذه الثقة.

وهنا تأتي المساءلة باعتبارها عنصرا مركزيا في الحكامة. فالمساءلة ليست عقوبة، وليست رغبة في تصفية الحسابات السياسية، وإنما هي الآلية التي تجعل المسؤولية ذات معنى. عندما يعرف المسؤول أن قراراته قابلة للتقييم، وأن نتائجها يمكن مناقشتها، وأن الإخفاق يمكن أن يؤدي إلى تحمل المسؤولية، تصبح السلطة أكثر ارتباطا بالأداء وأقل ارتباطا بالامتياز.

أما عندما تنفصل المسؤولية عن النتائج، فقد يصبح النجاح مجرد خطاب، ويصبح الفشل قابلا للتبرير، وتتحول السياسة العمومية إلى سلسلة من الوعود التي لا تجد من يحاسب على تنفيذها.

وهنا تحديدا تظهر أهمية التقييم المستقل والشفافية في صناعة القرار العمومي. فالدولة التي تقيس نتائج سياساتها تستطيع أن تصحح أخطاءها، والدولة التي تنشر المعطيات تتيح للمجتمع أن يراقب أداء المؤسسات، والدولة التي تقبل النقد تستطيع أن تطور نفسها. أما المؤسسة التي تعتبر كل نقد تشكيكا في شرعيتها، فإنها تغلق أحد أهم أبواب التطور.

إن قوة المؤسسات لا تظهر عندما تكون محاطة بالصمت، وإنما عندما تكون قادرة على الاستماع والنقد والتصحيح.

ومن هذا المنظور، فإن الرقمنة مثلا لا ينبغي أن تكون مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة. القيمة الحقيقية للتحول الرقمي تظهر عندما يختصر الوقت، ويقلل الاحتكاك غير الضروري بين المواطن والإدارة، ويجعل المعلومة متاحة، ويحد من التعقيد، ويرفع مستوى الشفافية. وإلا فإننا نكون قد رقمنّا البيروقراطية دون أن نصلحها.

والأمر نفسه ينطبق على إصلاح الإدارة. الإصلاح الحقيقي لا يعني فقط إعادة هيكلة المؤسسات أو تغيير المسميات، وإنما يعني تغيير تجربة المواطن داخل الإدارة. هل يفهم المسطرة؟ هل يعرف الوثائق المطلوبة؟ هل يحصل على جواب واضح؟ هل يعرف الجهة المسؤولة؟ هل توجد آجال محددة؟ وهل يستطيع الطعن عندما يرى أن حقه لم يحترم؟

هذه التفاصيل الصغيرة في نظر الإدارة قد تكون كبيرة جدا في نظر المواطن، لأنها تشكل يوميا صورته عن الدولة.

ومن هنا فإن الدولة لا توجد فقط في النصوص الدستورية والقوانين الكبرى، بل توجد أيضا في الشباك الإداري، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي المحكمة، وفي الجماعة الترابية، وفي كل مكان يلتقي فيه المواطن بالمؤسسة.

وهذا هو المعنى الحقيقي لفكرة الدولة التي يشعر بها المواطن.

فالمواطن قد لا يقرأ الدستور، لكنه يعيش آثاره. وقد لا يعرف تفاصيل قانون الوظيفة العمومية، لكنه يعرف كيف تعاملت معه الإدارة. وقد لا يهتم بالمصطلحات التقنية للحكامة، لكنه يعرف هل حصل على خدمة جيدة أم لا. ولذلك فإن أفضل دفاع عن المؤسسات هو أن تجعل المواطن يلمس قيمتها في حياته اليومية.

إن بناء الثقة ليس مهمة الحكومة وحدها، ولا الإدارة وحدها، ولا الأحزاب وحدها. إنه مشروع مؤسساتي ومجتمعي طويل الأمد. يبدأ من جودة القانون، ويمر عبر الإدارة، ويصل إلى المدرسة والمستشفى والقضاء والعدالة المجالية، وينتهي عند شعور المواطن بأن الدولة تعامل الناس وفق قواعد واضحة وعادلة.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن الدولة القوية يجب ألا يختزل في مفهوم السلطة والقدرة على فرض القانون. الدولة القوية هي أيضا الدولة القادرة على الإقناع، وعلى الاستجابة، وعلى حماية الحقوق، وعلى إنتاج الخدمات، وعلى تصحيح أخطائها، وعلى الحفاظ على ثقة مواطنيها.

فالقوة بدون ثقة قد تنتج الانضباط، لكنها لا تنتج بالضرورة الشرعية الاجتماعية. أما القوة المؤسسية المقترنة بالنجاعة والعدالة والمساءلة، فإنها تجعل الدولة أكثر استقرارا وأكثر قدرة على مواجهة التحولات.

ولعل التحدي الأكبر أمام الدولة اليوم هو أن المواطن لم يعد يقارن أداء مؤسسته فقط بما كان عليه في الماضي، وإنما يقارنه أيضا بما يراه في العالم من حوله. إنه يقارن سرعة الخدمات، وجودة التعليم، وفعالية الإدارة، ووضوح المعلومة، وسهولة الوصول إلى المؤسسات. وهذا يجعل جودة الحكامة جزءا من التنافس بين الدول، وليس مجرد قضية داخلية.

لذلك فإن إصلاح علاقة المواطن بالدولة يجب ألا يكون مشروعا ظرفيا، بل ثقافة مؤسساتية دائمة. ثقافة تجعل المسؤولية مرتبطة بالنتائج، وتجعل المرفق العمومي مرتبطا بالحق، وتجعل الإدارة مرتبطة بالنجاعة، وتجعل المواطن شريكا في تقييم السياسات العمومية.

في النهاية، الدولة التي تريد أن تحظى بثقة المواطن لا تحتاج إلى أن تطلب منه الثقة كل يوم، وإنما تحتاج إلى أن تقدم له كل يوم سببا جديدا لهذه الثقة.

فالمواطن لا يحتاج دولة تتحدث كثيرا عن نفسها، بل دولة يشعر بها في حياته اليومية.

وحين يصبح المواطن هو معيار نجاح المؤسسة، تصبح الحكامة أكثر من شعار، وتصبح المساءلة أكثر من إجراء، وتصبح الدولة أكثر من سلطة: تصبح عقدا مؤسساتيا قائما على الحقوق والواجبات والثقة والنتائج.

وهنا فقط تنتقل الدولة من مجرد إدارة المجتمع إلى بناء الثقة معه.