حين يصبح النجاح مقلقا للبعض… لا ملهما لهم

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في الغلوم السياسية والدبلوماسية

النجاح، في جوهره، يجب أن يكون مصدر إلهام. فمن يرى غيره ينجح، يفترض أن يقتنع بأن الطريق ممكن، وأن الاجتهاد يؤتي ثماره، وأن الأحلام ليست مستحيلة. لكن الواقع يكشف لنا وجها آخر؛ فليس الجميع ينظر إلى نجاح الآخرين بهذه العين. هناك من يستقبله بإعجاب، وهناك من يستقبله بانزعاج، وكأن نجاح غيره انتقاص من مكانته، لا دليلا على أن النجاح متاح للجميع.

وهنا تكمن إحدى مشكلات مجتمعاتنا.

فبدل أن نسأل الناجح: كيف وصلت؟ أصبح البعض يسأل: لماذا وصل؟ وبدل أن نحول نجاحه إلى تجربة نتعلم منها، نحاول أحيانا البحث عن مبررات تقلل من قيمته. مرة ننسب نجاحه إلى الحظ، ومرة إلى العلاقات، ومرة إلى الظروف، وكأن الاعتراف بجهد الآخرين أصبح أمرا ثقيلا على بعض النفوس.

والحقيقة أن الإنسان الواثق من نفسه لا يخاف من نجاح غيره، لأنه يعلم أن الأرزاق لا تتنافس، وأن الفرص لا تنتهي عند شخص واحد. أما من يعيش أسير المقارنة، فإنه يرى في كل نجاح تهديدا، وفي كل متفوق منافسا يجب التقليل من شأنه.

ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الثقافة لا تضر بالناجح وحده، بل تضر بالمجتمع كله. لأن البيئة التي تحارب النجاح تقتل روح المبادرة، وتجعل المبدع يتردد، والمجتهد يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على خطوة جديدة، خوفا من سهام التشكيك أكثر من خوفه من الفشل نفسه.

وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تحتفي بالنجاح، لا لأنها تمجد الأشخاص، ولكن لأنها تؤمن بأن كل تجربة ناجحة تفتح الطريق أمام نجاحات أخرى. فتكريم المجتهد ليس مجاملة له، بل رسالة لكل من يعمل بصمت بأن الجهد لا يضيع.

وفي الحياة اليومية، نجد هذا السلوك في أكثر من مجال. في الدراسة، قد يغضب البعض من تفوق زميله أكثر مما يغضب من تقصيره. وفي العمل، قد ينشغل الموظف بتعطيل زميله بدل تطوير نفسه. وفي السياسة، قد يصبح إسقاط الخصم أهم من تقديم مشروع أفضل. وهنا تضيع الطاقات في معارك جانبية، بينما تتأخر التنمية الحقيقية.

إن المنافسة الحقيقية لا تكون في إسقاط الآخرين، بل في تجاوز الذات. فالإنسان الناجح لا يقيس نفسه بما حققه غيره، وإنما بما كان عليه بالأمس، وما أصبح عليه اليوم. وكل خطوة إلى الأمام هي انتصار، حتى وإن سبقك غيرك بأشواط.

ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان عندما يرى نجاح غيره، هو أن يسأل نفسه: ماذا يمكن أن أتعلم من هذه التجربة؟ لأن الحسد لا يبني مستقبلا، والتشكيك لا يصنع إنجازا، أما التعلم فهو الطريق الأقصر نحو النجاح.

إن الأوطان لا تنهض عندما يتمنى الناس تعثر بعضهم، بل تنهض عندما يفرحون بكل نجاح يضيف لبنة جديدة في بناء المجتمع. فنجاح طبيب، أو أستاذ، أو مقاول، أو باحث، أو مسؤول نزيه، ليس نجاحا فرديا فقط، بل مكسب للوطن كله.

وفي النهاية، سيبقى النجاح الحقيقي هو ذلك الذي يدفع الآخرين إلى الإيمان بأن الطريق ممكن، لا ذلك الذي يثير فيهم الخوف أو الغيرة. فالعقول الكبيرة تستلهم من النجاح، أما العقول الصغيرة فتنشغل بمحاربته.

فالنجاح لا ينتقص من أحد، بل يثبت أن الاجتهاد ما زال قادرا على صناعة الفرق. ومن يرى في نجاح الآخرين تهديدا، فليراجع نفسه؛ لأن المشكلة ليست في من نجح، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى نجاحه.