خبير اقتصادي: تحرر الإمارات من قيود أوبك يمنح المغرب هامشا أكبر في تأمين الطاقة

0

قال الدكتور المهدي قيل، الأستاذ المحاضر في الاقتصاد والتدبير، إن أهمية قرار انسحاب الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط بالنسبة للمغرب لا تكمن في الأثر الفوري المباشر، بقدر ما ترتبط بالفرص الاستراتيجية التي قد يتيحها هذا التحول، سواء من حيث تخفيف كلفة الطاقة في حال تراجع الأسعار، أو من خلال تعميق الشراكة مع الإمارات العربية المتحدة، أو تعزيز عناصر الأمن الطاقي الوطني على المدى المتوسط.

وأوضح الخبير الاقتصادي، في تصريح ، أن المغرب مدعو إلى تحويل علاقته الجيدة مع أبوظبي إلى رافعة عملية للأمن الطاقي، مبرزا أن العلاقات الاقتصادية بين الرباط وأبوظبي تعرف زخما متصاعدا، مع توجه مشترك نحو مضاعفة المبادلات التجارية والاستثمارية خلال السنوات المقبلة، خصوصا في قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة، الطاقات المتجددة، اللوجستيك، البنية التحتية، الأمن الغذائي والابتكار.

واعتبر قيل أن المغرب يمكنه الانتقال من موقع المتلقي لتقلبات السوق إلى موقع الفاعل الاستراتيجي، عبر الاستفادة من تعدد الشركاء، لاسيما في ظل احتمال بروز فرص للتفاوض حول ترتيبات طويلة الأمد في الإمدادات، أو الاستثمار في قدرات التخزين، أو تطوير البنيات اللوجستية، أو تمويل مشاريع الطاقة النظيفة، بما يجعل الفائدة تتجاوز مجرد تقلبات الأسعار نحو بناء شراكة أكثر مرونة وأقل تعرضاً للصدمات.

وفي سياق أوسع، أكد قيل أن قرار الإمارات الخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط وتحالف “أوبك+” ابتداء من فاتح ماي 2026 لا يمكن اعتباره مجرد إجراء إداري، بل يمثل تحولا استراتيجيا في تموقع أبوظبي داخل الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن القرار جاء وفق بيان رسمي إماراتي في إطار “مراجعة شاملة” لسياسة الإنتاج والقدرات الحالية والمستقبلية، مع ربطه بالرؤية الاقتصادية طويلة الأمد والحاجة إلى مرونة أكبر في التفاعل مع ديناميكيات السوق، مع الحفاظ على الالتزام باستقرار أسواق الطاقة.

وسجل المتحدث أن وزن الإمارات داخل المنظمة يجعل القرار ذا دلالة خاصة، إذ تعد من كبار المنتجين، وقد صنفتها وكالة أسوشيتد برس كثالث أكبر منتج داخل أوبك قبل إعلان الانسحاب، مبرزاً أن أبوظبي تبنت خلال السنوات الأخيرة سياسة طاقية طموحة تقوم على توسيع القدرة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية النفط الإماراتي من حيث التكلفة، وربط استثمارات النفط والغاز بتطوير الطاقات المتجددة والحلول منخفضة الكربون.

ومن زاوية اقتصادية، أوضح قيل أن الخطوة تنسجم مع منطق الدولة التي تسعى للتحرر من قيود الحصص الإنتاجية عندما تصبح أقل توافقاً مع مصالحها الوطنية، مبرزاً أن التوازن داخل “أوبك+” يقوم على مفاضلة بين مصلحة جماعية لضبط العرض ودعم الأسعار، ومصلحة وطنية لتعظيم الإيرادات والحفاظ على الحصة السوقية، وهو ما يجعل القيود الجماعية أقل جاذبية بالنسبة لدولة تستثمر بكثافة في رفع طاقتها الإنتاجية.

وفي قراءة استراتيجية، أشار إلى أن القرار يندرج أيضاً ضمن مسار أوسع لتعزيز مكانة الدرهم الإماراتي، ليس عبر منافسة الدولار بشكل مباشر، بل من خلال تقوية أسس الاقتصاد الحقيقي، عبر التنويع الاقتصادي، والفوائض الطاقية، والثقة الاستثمارية، والقدرة على تحويل الموارد النفطية إلى استثمارات طويلة الأمد. ولفت إلى أن هذا التوجه يتعزز في سياق ارتفاع أسعار النفط، حيث تجاوز خام برنت عتبة 111 دولاراً للبرميل خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ مارس 2026، ما يمنح الإمارات هامشا إضافيا لإعادة التموضع في السوق العالمية.

وبخصوص توقيت القرار، اعتبر قيل أنه يرتبط بمرحلة دقيقة يعيشها سوق النفط، حيث تدعم الاضطرابات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، الأسعار على المدى القصير، في مقابل توقعات بضغط نزولي محتمل على المدى المتوسط والطويل في حال ارتفاع العرض أو تباطؤ الطلب.

واستعرض المتحدث ثلاثة سيناريوهات محتملة لما بعد القرار؛ أولها “التوازن التعاوني”، حيث قد تزيد الإمارات إنتاجها تدريجيا دون ردود فعل حادة من أوبك، ما قد يساهم في استقرار السوق ويخفف كلفة الطاقة بالنسبة للدول المستوردة، ومنها المغرب.

أما السيناريو الثاني، “توازن المنافسة”، فيفترض دخول بعض المنتجين في سباق لزيادة الإنتاج للحفاظ على حصصهم، وهو ما قد يضغط على الأسعار نزولا، مع قدرة أكبر للإمارات على تحمل هذا الوضع مقارنة بمنتجين ذوي تكلفة أعلى. بينما يتمثل السيناريو الثالث في “الصدمة الجيوسياسية”، حيث قد تطغى اضطرابات الإمدادات على كل الحسابات، ما يجعل الأمن الطاقي للدول المستوردة مرتبطاً ليس فقط بالأسعار، بل أيضاً بتوفر الإمدادات وتعدد الشركاء.

وخلص قيل إلى أن خروج الإمارات من أوبك وأوبك+ يعكس انتقالها من منطق العضو المنضبط داخل تكتل نفطي إلى فاعل مستقل يسعى لتعظيم مزاياه التنافسية في سياق دولي تتغير فيه قواعد الطاقة، مؤكدا أن الرهان بالنسبة للمغرب يتمثل في استثمار هذا التحول لبناء شراكات أكثر مرونة وتعزيز أمنه الطاقي على المدى المتوسط والبعيد.