درعة تافيلالت.. تكرار مآسي الغرق في “أودية الموت” يفضح هشاشة البنيات وغياب البدائل
لم تعد حوادث الغرق بجهة درعة تافيلالت مجرد وقائع معزولة أو حوادث عرضية متفرقة، بل تحولت خلال الآونة الأخيرة إلى مشهد مأساوي متكرر يعكس واقعا اجتماعيا وتنمويا مقلقا، ويعيد إلى الواجهة سؤال “مغرب السرعتين” بكل حدّته. فمن ورزازات إلى زاكورة، مرورا بالرشيدية وميدلت، تتكرر الفواجع بوتيرة صادمة، تحصد أرواح أطفال وشباب في ظروف متشابهة، عنوانها الأبرز غياب البدائل الآمنة وضعف إجراءات الوقاية والحماية.
ففي زاكورة، عُثر مساء الأربعاء 29 أبريل 2026 على جثة طفل يبلغ من العمر عشر سنوات بوادي درعة، بعد أربعة أيام من اختفائه في ظروف غامضة، حيث رجّحت المعطيات الأولية فرضية الغرق. وقد شاركت السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية ومتطوعون في عمليات البحث، قبل نقل جثمان الضحية إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي، في حادث خلّف حزنا عميقا وسط الساكنة.
ولم تمر سوى ساعات قليلة حتى توالت أخبار الفواجع من مناطق أخرى، حيث سُجلت حالات غرق متفرقة، من بينها وفاة طفل بوادي فينت ضواحي ورزازات يوم 3 ماي، بعدما جرفته المياه في مجرى غير مؤمن، في وقت كانت فيه حملات تحسيسية تحذر من مخاطر السباحة في الأودية والسواقي. وفي اليوم ذاته تقريبا، لقي طفل آخر مصرعه بعد سقوطه في ساقية بدوار أولاد مساعد، رغم محاولات إنقاذه.
وفي مشهد أكثر إيلاما، شهد حي تماسينت بمدينة ورزازات يوم 4 ماي فاجعة جديدة، بعد غرق طفل لا يتجاوز عمره أربع سنوات في إحدى السواقي المفتوحة داخل الحي، ما أعاد النقاش بقوة حول خطورة هذه المجاري المائية غير المحمية وسط التجمعات السكنية، ومدى مسؤولية الجهات المعنية في تأمينها. كما تواصلت، يوم 5 ماي، عمليات البحث عن طفل سقط في ساقية بجماعة تمزموط، قبل العثور لاحقا على جثته بدوار أولاد موسى، في واقعة أخرى هزّت الرأي العام المحلي وأثارت موجة من الحزن والغضب.
وفي سياق متصل، استنفرت حادثة العثور على جثة امرأة في ظروف غامضة بوادي زيز نواحي الريش بإقليم ميدلت مختلف الأجهزة الأمنية، حيث فُتح تحقيق لتحديد أسباب الوفاة، في انتظار نتائج التشريح الطبي، وسط حالة من القلق والترقب في صفوف الساكنة.
هذه الوقائع المتكررة لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها حوادث فردية معزولة، بل كأعراض لاختلال بنيوي عميق يطال التنمية الترابية والبنيات الأساسية بالجهة. فوفق مقاربات علم الاجتماع النقدي، فإن تزايد حالات الغرق يعكس شكلا من “العنف الصامت” الناتج عن التهميش التاريخي وضعف البنيات التحتية، خاصة في ما يتعلق بغياب المسابح العمومية، وفضاءات الترفيه الآمنة، ووسائل الإنقاذ والتدخل السريع.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور وأستاذ علم الاجتماع بأكادير حسن مجدي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن الغرق يمكن فهمه من زاوية سوسيولوجية باعتباره “كارثة اجتماعية” وليس مجرد حادث فردي، بالنظر إلى تداخل العوامل الهيكلية مع السلوك اليومي للأفراد.
وأوضح المتحدث أن ما سماه بـ”بيئة المخاطر” يرتبط بثقافة الحاجة والترفيه المحدود، حيث تتحول الأودية والسدود في المناطق القروية وشبه الحضرية إلى الفضاء الترفيهي الوحيد المتاح للأطفال والشباب، ما يخلق نوعا من التطبيع مع خطر الموت، ويجعل السباحة فعلا يوميا رغم خطورته المعروفة.
وأضاف أن العديد من الضحايا، خصوصا الأطفال، لا يدركون المخاطر “المستترة” المرتبطة ببحيرات السدود والأودية، والتي لا تكمن فقط في العمق، بل أيضا في طبيعة القيعان الطينية والأوحال التي تجذب السباحين إلى الأسفل، إضافة إلى كثافة المياه التي تعيق عملية الطفو والنجاة.
وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن غياب البدائل الترفيهية وآليات المراقبة والتأمين يفرز نوعا من “الإهمال الهيكلي”، تتحمل مسؤوليته اختلالات التنمية الترابية، ما يجعل الأطفال والشباب فريسة سهلة لهذا الواقع القاسي.
ومع الارتفاع المتواصل لدرجات الحرارة، يجد المئات من الأطفال والشباب أنفسهم، وفق تصريحات متطابقة، مجبرين على التوجه نحو الأودية والسواقي والسدود بحثا عن متنفس للهروب من حرارة الصيف، في مغامرة محفوفة بالمخاطر تفرضها الهشاشة الاجتماعية وغياب الفضاءات البديلة. وهنا، لا تصبح السباحة مجرد نشاط ترفيهي، بل مخاطرة طبقية يدفع ثمنها من لا يملك خيارا آخر.
إن تكرار هذه المآسي يطرح بإلحاح مسؤولية المؤسسات المعنية في وضع استراتيجيات ناجعة للوقاية، تشمل تهيئة الفضاءات المائية، وتأمين السواقي داخل الأحياء، وإحداث مسابح عمومية، وتعزيز فرق الإنقاذ والتوعية الميدانية، إلى جانب إدماج التربية الوقائية داخل المؤسسات التعليمية والجمعيات المحلية.
كما يفتح النقاش مجددا حول العدالة المجالية، في ظل استمرار الفوارق الصارخة بين “المغرب النافع” والمناطق الهامشية التي تواجه قسوة الطبيعة بإمكانيات محدودة وبنيات تحتية هشة.