دولة برؤية استراتيجية وأحزاب بعقلية انتخابية: من يهيئ النخب لقيادة مغرب التحولات؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — طالب باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في الوقت الذي يراكم فيه المغرب تحولات استراتيجية على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والمؤسساتية، ويواجه رهانات متزايدة تتعلق بتعزيز مكانته الإقليمية والدولية، وتطوير نموذجه التنموي، وتحديث بنيته الاقتصادية والإدارية، تبرز إشكالية جوهرية لا تقل أهمية عن هذه الأوراش: هل يمتلك الحقل السياسي والحزبي القدرة على إنتاج نخب مؤهلة لمواكبة هذه التحولات وقيادة استحقاقاتها؟

إن الإشكال لا يتعلق فقط بتغيير الوجوه أو تجديد المواقع داخل التنظيمات الحزبية، بل يرتبط بطبيعة النظام الذي ينتج النخب السياسية، وبالمعايير التي تتحكم في صعودها، وبمدى قدرة المؤسسات الحزبية على تحويل الكفاءات الفردية إلى طاقات جماعية قادرة على التفكير والتخطيط وصناعة القرار. فالدولة التي تتطلع إلى تحقيق أهداف استراتيجية كبرى تحتاج بالضرورة إلى نخب سياسية تمتلك أدوات التحليل، والقدرة على استيعاب التحولات، والكفاءة في تدبير الاختلاف، والقدرة على تحويل البرامج إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.

ومن منظور علم السياسة، لا يمكن فهم أزمة النخب بمعزل عن طبيعة العلاقة بين الأحزاب والمجتمع والدولة. فالأحزاب السياسية ليست مجرد تنظيمات تتنافس على المقاعد الانتخابية أو تسعى إلى المشاركة في الحكومة، بل تشكل إحدى الوسائط الأساسية التي تربط المجتمع بمؤسسات القرار. ومن وظائفها تأطير المواطنين، وتجميع المصالح الاجتماعية، وصياغة المطالب في شكل برامج، وإعداد القيادات السياسية القادرة على تحمل المسؤولية العمومية.

وعندما تتراجع هذه الوظائف، تتحول الأحزاب تدريجيا من مؤسسات لإنتاج الأفكار والبرامج والقيادات إلى فضاءات لتدبير التوازنات الداخلية والحسابات الانتخابية. وهنا لا تصبح الأزمة مرتبطة فقط بضعف التواصل مع المواطنين أو تراجع الثقة في العمل الحزبي، وإنما تمس الوظيفة الأساسية للحزب باعتباره مؤسسة للوساطة السياسية وإنتاج النخب.

أزمة إنتاج النخب: حين يصبح الوصول إلى القرار أهم من امتلاك المشروع

تقدم أدبيات علم الاجتماع السياسي مفهوما مركزيا لفهم هذه الظاهرة، هو مفهوم تداول النخب. فقد اهتم عدد من المفكرين، من بينهم فيلفريدو باريتو وغائيتانو موسكا، بدراسة كيفية تشكل الأقليات التي تتولى مواقع التأثير والقرار داخل المجتمعات، والآليات التي تسمح بتجددها أو استمرارها. ورغم اختلاف السياقات التاريخية والنظرية التي انطلقت منها هذه المقاربات، فإنها تتيح لنا طرح سؤال أساسي حول الحياة الحزبية: هل تسمح التنظيمات السياسية بتجدد نخبها وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، أم أنها تميل إلى إعادة إنتاج المجموعات نفسها عبر شبكات النفوذ والولاء والعلاقات التنظيمية؟

إن التداول الحقيقي للنخب لا يتحقق بمجرد تغيير المسؤولين أو استبدال أسماء بأخرى، بل يتطلب وجود قنوات مؤسساتية شفافة تتيح بروز الكفاءات، وتضمن تكافؤ الفرص داخل التنظيمات، وتربط تحمل المسؤولية بالقدرة على الإنجاز. أما عندما يصبح القرب من مراكز النفوذ أو امتلاك العلاقات التنظيمية أقوى تأثيرا من الكفاءة والبرنامج، فإن الحزب يخاطر بفقدان قدرته على التجدد، حتى وإن ظل يعلن في أدبياته انفتاحه على الشباب والطاقات الجديدة.

ولا يعني ذلك أن الاعتبارات التنظيمية أو الثقة السياسية أو الالتزام الحزبي عناصر غير مشروعة في اختيار القيادات؛ فالأحزاب تقوم بطبيعتها على الانتماء والانسجام السياسي والعمل الجماعي. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الاعتبارات إلى بديل عن الكفاءة، أو عندما يصبح الاختلاف في الرأي سببا للإقصاء، أو عندما تختزل المسؤولية السياسية في إظهار الولاء للأشخاص بدل الالتزام بالمبادئ والبرامج والمؤسسات.

إن الفرق جوهري بين الانضباط الحزبي الذي يحفظ وحدة التنظيم، وبين الامتثال الذي يعطل التفكير النقدي. فالأول شرط للعمل السياسي الجماعي، أما الثاني فيمكن أن يحول الحزب إلى فضاء محدود الإنتاج الفكري، عاجز عن مراجعة اختياراته أو تصحيح أخطائه.

من الشرعية الانتخابية إلى الشرعية القائمة على الكفاءة

تمنح الانتخابات المؤسسات السياسية شرعيتها التمثيلية، لكنها لا تعفي الفاعلين الذين يصلون إلى مواقع المسؤولية من ضرورة امتلاك الكفاءة والقدرة على التدبير. فالشرعية الانتخابية والشرعية المرتبطة بالنجاعة ليستا متعارضتين، بل يفترض أن تتكاملا. إذ تمنح الأولى التفويض السياسي، بينما تمنح الثانية القدرة على تحويل هذا التفويض إلى نتائج ملموسة.

وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التمييز بين السياسي الذي يمتلك مشروعا مجتمعيا واضحا، ويستطيع الدفاع عنه بالحجة والبرنامج، وبين السياسي الذي ينحصر طموحه في الوصول إلى موقع داخل التنظيم أو المؤسسة. فالممارسة السياسية ليست مجرد مهارة في بناء التحالفات أو إدارة التوازنات، وإنما تتطلب معرفة بالسياسات العمومية، وإدراكا للتعقيدات الاقتصادية والاجتماعية، وقدرة على التفاوض والتواصل واتخاذ القرار في ظل تعدد المصالح والقيود.

إن المسؤولية السياسية تقتضي كذلك امتلاك ثقافة مؤسساتية تحترم الاختصاصات، وتستوعب قواعد الحكامة، وتقبل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن دون هذه الشروط، قد تتحول المناصب إلى غايات في حد ذاتها، بدل أن تكون وسائل لخدمة الصالح العام.

الشباب والكفاءات: من الحضور الرمزي إلى المشاركة الفعلية

تحتل مسألة الشباب موقعا مركزيا في النقاش حول تجديد النخب، غير أن الخطاب السياسي كثيرا ما يختزل إشراك الشباب في حضورهم خلال المؤتمرات واللقاءات والأنشطة الانتخابية، أو في منحهم مواقع شكلية داخل بعض الهياكل التنظيمية. والحال أن المشاركة السياسية الحقيقية لا تقاس بعدد الشباب الحاضرين في الصور والأنشطة، بل بمدى قدرتهم على التأثير في صياغة القرار، والمساهمة في تحديد الأولويات، والوصول إلى مواقع المسؤولية وفق معايير واضحة.

إن تمكين الشباب يتطلب الانتقال من سياسة الاستقطاب الظرفي إلى سياسة التكوين والتأهيل والإدماج. ويقتضي ذلك توفير مدارس حزبية جادة، وبرامج للتكوين في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية والاقتصاد والعلاقات الدولية والسياسات العمومية، فضلا عن إتاحة فرص حقيقية للمشاركة في إعداد البرامج وتقييم الأداء التنظيمي.

كما أن الكفاءة لا ينبغي أن تختزل في الشهادات الجامعية وحدها، لأن العمل السياسي يحتاج إلى مزيج من المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية والقدرة على التواصل وفهم المجتمع. والمطلوب هو بناء منظومة لا تقصي أصحاب التجربة، ولا تغلق الأبواب أمام الكفاءات الشابة، بل تضمن التفاعل بين الأجيال وتراكم الخبرات.

فالشاب الذي يمتلك معرفة أكاديمية وخبرة مهنية، ويستطيع تحليل المشكلات واقتراح الحلول، ينبغي ألا يظل مجرد رقم إضافي في لوائح الانخراط الحزبي، بل يجب أن يجد مسارا مؤسساتيا يسمح له بالتدرج وتحمل المسؤولية. وإلا فإن الحديث عن تجديد النخب سيظل شعارا تنظيميا لا يغير طبيعة الممارسة السياسية.

الزبونية ورأسمال العلاقات: حين تتراجع معايير الاستحقاق

من الإشكالات التي تستحق النقاش الأكاديمي كذلك علاقة الزبونية بإنتاج النخب السياسية. فالزبونية، في التحليل السوسيولوجي والسياسي، لا تقتصر على تبادل المنافع المادية المباشرة، بل يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة من تبادل الخدمات والامتيازات والولاءات، بما يؤثر في توزيع الفرص ومواقع النفوذ.

وعندما تتداخل العلاقات الشخصية مع آليات الترشيح والتزكية وتوزيع المسؤوليات، يصبح من الصعب ضمان تكافؤ الفرص أمام المناضلين والكفاءات. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة داخل التنظيمات، وإلى انتشار الشعور بأن المسارات المهنية والسياسية لا تتحدد دائما وفق معايير موضوعية.

لكن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتعميم أو بتوجيه اتهامات غير موثقة إلى أشخاص أو تنظيمات بعينها، وإنما بوضع قواعد مؤسساتية تحد من تضارب المصالح، وتضمن شفافية التزكيات، وتوضح معايير اختيار المرشحين، وتتيح آليات للطعن والتظلم والمراقبة الداخلية.

فكلما كانت القواعد واضحة ومعلنة، تراجعت مساحة التأويل الشخصي، وأصبح من الممكن مساءلة المسؤولين عن قراراتهم التنظيمية. وهنا تبرز أهمية الديمقراطية الداخلية باعتبارها آلية للحكامة الحزبية، وليس مجرد مقتضى شكلي يدرج في الأنظمة الأساسية.

المفارقة المغربية: طموح استراتيجي وحاجة إلى نخب سياسية مؤهلة

إن المغرب، في ظل التحولات التي يعرفها محيطه الإقليمي والدولي، وأمام الأوراش المرتبطة بالتنمية والاستثمار والحماية الاجتماعية والتحديث المؤسساتي، يحتاج إلى نخب قادرة على فهم طبيعة هذه التحولات والتفاعل معها. فالتحديات الراهنة لم تعد تسمح بالاكتفاء بخطاب سياسي عام أو ببرامج انتخابية فضفاضة، وإنما تفرض امتلاك معرفة دقيقة بالاقتصاد الدولي، والتحولات الجيوسياسية، والقانون الدستوري، والمالية العمومية، والتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية.

وقد أظهرت التحولات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية أهمية الرؤية الاستراتيجية في تدبير الملفات الوطنية الكبرى، كما أبرزت قيمة التراكم الدبلوماسي والعمل المؤسساتي طويل النفس. غير أن مواكبة هذه التحولات تقتضي وجود نخب سياسية تستطيع الانتقال من منطق التفاعل مع الأحداث إلى منطق استباقها، ومن تكرار المواقف إلى إنتاج التصورات، ومن الاكتفاء بالدفاع عن الاختيارات إلى امتلاك القدرة على تقييمها واقتراح سبل تطويرها.

وهنا ينبغي ألا تختزل مسؤولية إعداد النخب في الأحزاب وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين المؤسسات التعليمية والجامعات ومراكز البحث والإدارة العمومية والمجتمع المدني والتنظيمات السياسية. فإنتاج الكفاءات يحتاج إلى منظومة متكاملة تسمح بتراكم المعرفة والخبرة، وتربط البحث العلمي بصناعة القرار، وتفتح المجال أمام الكفاءات لتقديم مساهماتها في الشأن العام.

كما أن الجامعة المغربية مطالبة بتعزيز دورها في تكوين العقل السياسي النقدي، عبر تشجيع البحث في قضايا الحكامة والديمقراطية والوساطة الحزبية والسياسات العمومية. فالمعرفة الأكاديمية لا ينبغي أن تبقى حبيسة المدرجات والأبحاث الجامعية، بل يجب أن تجد قنوات مؤسساتية تسمح بتحويل نتائجها إلى مقترحات عملية تخدم المجتمع والدولة.

ما المطلوب لإعادة بناء وظيفة الأحزاب في إنتاج النخب؟

إن تجاوز أزمة إنتاج النخب لا يتحقق بخطاب أخلاقي يدعو إلى النزاهة والكفاءة فقط، بل يتطلب إصلاحات تنظيمية قابلة للتطبيق والتقييم. وفي مقدمتها اعتماد معايير معلنة للتزكية والترشيح، وتعزيز الشفافية في توزيع المسؤوليات، وإقرار برامج تكوين مستمرة، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والكفاءات المهنية في الهيئات التقريرية.

ويقتضي الأمر كذلك إرساء آليات للتقييم الدوري للأداء الحزبي، بحيث لا تظل المسؤولية التنظيمية امتيازا مفتوحا دون مساءلة، وإنما ترتبط بأهداف واضحة ونتائج قابلة للتقييم. كما ينبغي تعزيز استقلالية أجهزة التحكيم الداخلي، وتوفير ضمانات فعلية لحرية النقاش والاختلاف، لأن الحزب الذي لا يسمح بالنقد داخله يجد صعوبة في ممارسة الرقابة الديمقراطية على السلطة خارجه.

ومن جهة أخرى، ينبغي تطوير العلاقة بين الأحزاب ومراكز البحث والخبراء، من خلال إحداث وحدات متخصصة في إعداد الدراسات وتقييم السياسات العمومية، وإشراك الباحثين في صياغة البرامج الانتخابية، وتطوير قواعد بيانات تساعد على فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فالحزب الذي لا يمتلك معرفة دقيقة بالمجتمع الذي يسعى إلى تمثيله، سيظل معرضا لإنتاج خطابات لا تعكس بالضرورة حاجيات المواطنين وانتظاراتهم.

أما الدولة، فإن تعزيز المؤسسات الديمقراطية يقتضي توفير شروط المنافسة السياسية العادلة، وضمان تكافؤ الفرص، واحترام استقلالية المؤسسات، وتفعيل القواعد القانونية المنظمة للحياة الحزبية والانتخابية. فالديمقراطية لا تقوم على الانتخابات وحدها، بل تحتاج إلى أحزاب قوية ومستقلة، ومؤسسات فعالة، ومجتمع قادر على المساءلة والمشاركة.

الخلاصة: لا يمكن صناعة المستقبل بعقلية إعادة إنتاج الماضي

إن الرهان الحقيقي أمام المغرب ليس فقط مواصلة إنجاز الأوراش الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسساتية، بل بناء نخبة سياسية قادرة على فهم هذه الأوراش، ومواكبتها، وتقييم نتائجها، والمساهمة في تطويرها. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات تحتاج إلى كفاءات، والكفاءات تحتاج إلى بيئة سياسية تسمح لها بالظهور والتأثير وتحمل المسؤولية.

إن استمرار الفجوة بين الطموح الاستراتيجي للدولة والقدرة التجديدية للأحزاب قد يضعف وظيفة الوساطة السياسية، ويحد من قدرة المؤسسات الحزبية على استيعاب المطالب الاجتماعية وإنتاج البدائل. ولذلك فإن إصلاح الحياة الحزبية ينبغي أن ينطلق من سؤال جوهري: كيف ننتقل من تنظيمات تتنافس على المواقع إلى مؤسسات تنتج الأفكار والقيادات والحلول؟

إن المغرب لا يحتاج إلى تغيير الوجوه لمجرد التغيير، ولا إلى استبدال الولاءات القديمة بولاءات جديدة، بل يحتاج إلى إعادة الاعتبار لمعيار الاستحقاق، وإلى بناء مسارات واضحة لتكوين القيادات، وإلى ربط المسؤولية بالكفاءة والمحاسبة. فالتجديد الحقيقي لا يقاس بعمر المسؤول أو بحداثة خطابه، وإنما بقدرته على التفكير والإبداع والإنجاز واحترام المؤسسات.

فالدولة التي تطمح إلى قيادة تحولات استراتيجية كبرى لا يمكن أن تظل رهينة حقل حزبي عاجز عن تجديد نخبته. ومغرب المستقبل لن يصنعه من يتقنون إدارة المواقع فقط، بل من يمتلكون شجاعة إنتاج الأفكار، وكفاءة تدبير الاختلاف، ونزاهة تحمل المسؤولية. إن معركة تجديد النخب ليست معركة أشخاص، بل معركة بناء مؤسسات قادرة على إنتاج القرار الرشيد؛ لأن مستقبل الدول لا تصنعه الرؤى وحدها، وإنما تصنعه أيضا الكفاءات التي تمتلك القدرة على تحويل تلك الرؤى إلى واقع.