رجال الدولة لا تصنعهم المناصب… بل تصنعهم المسيرة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

هناك رجال يمرون في الحياة كما يمر الجميع، وهناك رجال يتركون أثرا يبقى حاضرا حتى بعد مغادرتهم المسؤولية. ليس لأنهم كانوا يبحثون عن الأضواء، بل لأنهم اختاروا أن يجعلوا خدمة الوطن أسلوب حياة، وأن يتركوا وراءهم رصيدا من الاحترام قبل أي شيء آخر.

كان لي شرف أن أكون ضمن فريق العمل الذي سهر على تنظيم حفل تقديم كتاب “رجل الأقدار”، الذي يوثق لمسار السيد سعيد أمسكان. ولم تكن المناسبة مجرد حفل لتوقيع كتاب، بل كانت لحظة وفاء لرجل أفنى سنوات من عمره في خدمة وطنه، واستحضارا لمسيرة سياسية وإنسانية تستحق أن تروى للأجيال.

وأكثر ما شد انتباهي في هذا اللقاء لم يكن الكتاب وحده، بل ذلك الحضور الوازن الذي ضم شخصيات سياسية وإدارية وأكاديمية ومنتخبين وفاعلين من مختلف جهات المملكة. حضور لم يجتمع بدافع المجاملة، وإنما بدافع الاحترام والتقدير لرجل راكم عبر عقود رصيدا من الثقة والمصداقية. فمثل هذا الحضور لا تصنعه الدعوات، وإنما تصنعه السيرة الطيبة، والعمل الجاد، والعلاقات الإنسانية الصادقة.

لقد كان واضحا من خلال الكلمات التي ألقيت في حقه أن الجميع لم يكن يتحدث عن مسؤول تقلد مناصب، بل عن رجل دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة. رجل ظل وفيا لقيم النزاهة والاستقامة، وجعل من خدمة الوطن والمواطنين أولوية في كل محطة من محطات مساره.

ولعل أكثر ما أثر في نفسي تلك الكلمات الصادقة التي عبر بها أبناء ورزازات، الذين لم يتحدثوا عن مسؤول سابق، بل عن إنسان عرفوه بتواضعه، وبقربه من الناس، وبإصراره في العمل، وبحبه الكبير لوطنه. وهي شهادة تبقى أصدق من كل الأوسمة، لأن أعظم وسام يمكن أن يناله الإنسان هو محبة الناس واحترامهم.

لقد أثبت سعيد أمسكان أن العمل السياسي ليس صراعا على المناصب، بل مسؤولية وأمانة. وأن رجل الدولة لا يقاس بعدد السنوات التي قضاها في المسؤولية، وإنما بما تركه من أثر في المؤسسات وفي قلوب المواطنين.

وفي زمن أصبح فيه كثيرون يعتقدون أن السياسة تقاس بالصخب وكثرة الظهور، جاءت هذه المناسبة لتؤكد أن هناك رجالا اختاروا طريقا آخر، طريق العمل في صمت، والإنجاز دون ضجيج، وخدمة الوطن دون انتظار مقابل.

إن تقديم كتاب يحمل عنوان “رجل الأقدار” لم يكن احتفاء بشخص فقط، بل كان احتفاء بقيم أصبحت اليوم في أمس الحاجة إلى من يجسدها؛ قيم الإخلاص، والنزاهة، والتواضع، والوفاء للمؤسسات، واحترام الإنسان.

لقد غادر كثيرون المسؤولية، لكن أسماءهم غابت بمجرد انتهاء مهامهم. وهناك من غادروا المناصب، لكنهم بقوا حاضرين في ذاكرة الناس، لأنهم تركوا سيرة طيبة قبل أن يتركوا مناصبهم. وسعيد أمسكان واحد من هؤلاء الذين صنعتهم أخلاقهم قبل أن تصنعهم المسؤوليات.

وفي النهاية، أدركت وأنا أغادر ذلك الحفل أن الكتاب لم يكن مجرد توثيق لمسيرة رجل، بل رسالة مفادها أن الأوطان تبنى برجال أوفياء لمبادئهم، مخلصين لوطنهم، صادقين مع أنفسهم، وأن التاريخ لا يخلد أصحاب المناصب، بل يخلد أصحاب المواقف.

لأن رجال الدولة الحقيقيين لا تصنعهم المناصب… بل تصنعهم المسيرة.